تأخرت ثلاثه ساعات عن حفل زفافى حكايات محمد نور
إيه؟
صمت لحظة.
ثم قال
ملف قديم باسم والدك.
والملف ده كان فيه آخر دليل تركه قبل وفاته الجزء الثامن
وصلت المستشفى بسرعة، وعمر والمحامي ياسر كانوا معايا.
أول ما دخلنا غرفة الأرشيف، لقيت مدير المستشفى واقف جنب خزانة مفتوحة.
قال
الملف اتلاقى هنا من الصبح.
بصيت على الغلاف.
كان مكتوبًا عليه
عبد الرحمن سالم مشروع النور.
إيدي ارتعشت وأنا بفتحه.
لكن الملف لم يكن يحتوي على أوراق كثيرة.
كان فيه تقرير واحد فقط، وصورة، وفلاشة صغيرة.
قال ياسر
دي ممكن تكون أهم حاجة في القضية كلها.
أخذنا الفلاشة إلى جهاز كمبيوتر منفصل.
فتحنا أول ملف.
كان تسجيلًا صوتيًا.
وصوت أبي ظهر من السماعات.
سمعته يقول
لو أنتِ يا سلمى بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
توقفت أنفاسي.
ثم تابع
أنا ما كنتش خايف على الفلوس. كنت خايف عليكِ.
نظرت إلى عمر.
كان يستمع في صمت.
تابع أبي
مشروع النور لازم يكمل، لكن بعيد عن أي شخص يحاول يستفيد منه.
ثم ذكر اسمًا.
يوسف.
لكن المفاجأة أنه لم يتهمه.
بل قال
يوسف بريء. الشخص اللي خانني موجود في مكان أقرب مما تتخيلي.
توقفت أنا والمحامي وعمر في نفس اللحظة.
ثم استمر التسجيل
لو احتجتِ تعرفي الحقيقة، دوري على الملف رقم 27.
انتهى التسجيل.
قلت
الملف رقم 27 فين؟
مدير المستشفى قال
الأرشيف القديم فيه آلاف الملفات.
بدأنا البحث.
بعد أكثر من ساعة، وجدناه.
كان ملفًا قديمًا جدًا.
فتحناه.
فوجدنا تقارير مالية، وصورًا، وإيصالات تبرعات.
لكن في آخر الملف كانت توجد قائمة بأسماء الأشخاص الذين تعاملوا مع أموال مشروع النور.
وقفت عيني عند اسم واحد.
منصور سالم.
والد أحمد.
لكن بجانبه كان هناك توقيع شخص آخر.
توقيع نوال.
قلت
نوال كانت عارفة.
قال عمر
يمكن كانت بتحاول توقفهم.
هززت رأسي.
لازم نعرف.
وفي نفس اللحظة، دخل أحمد.
كان يحمل حقيبة صغيرة.
قال
جبت حاجة تخص أبويا.
نظرت إليه.
إيه؟
فتح الحقيبة.
أخرج دفترًا قديمًا.
لقيته في مكتبه.
أخذه المحامي.
وبمجرد أن فتح أول صفحة، قال
ده الدليل اللي ناقصنا.
كانت الحسابات كاملة.
كل تحويل.
كل مبلغ.
كل تاريخ.
والأخطر
أنها أثبتت أن والد أحمد لم يكن صاحب الخطة وحده.
كان هناك شخص آخر يوجهه.
شخص لم يظهر اسمه في أي ورقة رسمية.
لكن في الصفحة الأخيرة، كتب والد أحمد بخط يده
كل شيء كان يتم بناءً على تعليمات الدكتور سامح.
رفعت رأسي.
الدكتور سامح؟
قال مدير المستشفى
الدكتور سامح هو رئيس الإدارة الطبية السابق.
ثم أضاف
لكنه توفى من خمس سنين.
قلت
يعني مستحيل يكون هو اللي عمل كل ده.
رد ياسر
ممكن يكون مات، لكن السؤال مين كان بينفذ تعليماته؟
وفي تلك اللحظة، رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال
الرقم ده من شركة والدي.
فتح الرسالة.
كانت قصيرة جدًا
لو ظهرت الملفات القديمة، هتظهر الحقيقة كلها وساعتها مش هتقدري تحمي نفسك.
شعرت بالخوف لأول مرة.
لكنني لم أتراجع.
قلت
أنا مش عايزة أحمي نفسي.
ثم نظرت إلى الجميع.
أنا عايزة أحمي حق الأطفال اللي اتسرق منهم.
بعد أيام، قدمنا كل المستندات للجهات المختصة.
بدأ التحقيق.
وظهرت تحويلات مالية قديمة، وشركات وهمية، وأسماء كثيرة.
أما نوال
فقد اعترفت بكل ما تعرفه.
وقالت إنها أخطأت عندما سكتت، لكنها لم تكن هي من سرق الأموال.
أما أحمد، فقدم المستندات التي كانت بحوزة والده.
وبذلك ساعد في كشف الحقيقة كاملة.
مرت أشهر.
وأخيرًا
تمت استعادة الجزء الأكبر من أموال مشروع النور.
وتم إنشاء المؤسسة التي حلم بها أبي.
لكنني لم أسمِّها باسمي.
سميتها
مؤسسة الدكتور عبد الرحمن لعلاج الأطفال.
وفي يوم افتتاح أول مركز طبي، وقفت أمام صورة أبي.
تذكرت يوم زفافي.
اليوم الذي ظننته أسوأ يوم في حياتي.
واكتشفت أنه كان اليوم الذي أنقذ حياتي ومستقبلي.
اقترب مني عمر.
وقال
أبوكي كان هيفرح بيكي.
ابتسمت.
وأنا فرحانة إن وعده اتحقق.
ثم نظرت إلى أول غرفة علاج.
كانت ليان تجلس فيها وتتعالج مجانًا.
وهنا فهمت شيئًا لن أنساه أبدًا
أحيانًا تتأخر خطوة في حياتك، فتكتشف أنها كانت سببًا في وصولك للمكان الصحيح.
أما أحمد
فقد انتهت علاقتنا باحترام.
لم أكرهه.
لكنني لم أعد أستطيع أن أبني حياتي مع شخص اختار الصمت عندما كان يجب أن يقول الحقيقة.
وبعد عام كامل، افتتحت المؤسسة فرعها الثاني.
وفي ذلك اليوم، وقفت ليان أمامي وقالت
دكتورة سلمى، بابا بيقول إنك أنقذتيني أنا كمان.
ضحكت وقلت
إنتِ اللي غيرتي حياتي يا ليان.
لأن طفلة صغيرة دخلت غرفة العمليات في يوم زفافي
فأنقذتني، من حيث لا تعرف، من أكبر خطأ كان يمكن أن أرتكبه في حياتي الجزء التاسع والأخير
مرت سنتان على اليوم الذي انقلبت فيه حياتي بالكامل.
لم أتزوج أحمد، ولم أندم على قراري يومًا.
تحولت مؤسسة أبي إلى واحدة من أهم المؤسسات التي تهتم بعلاج الأطفال غير القادرين، وأصبحت ليان من أول الأطفال الذين تلقوا العلاج فيها.
أما عمر، فظل موجودًا في حياتي، لكن علاقتنا بدأت كاحترام وصداقة حقيقية، من غير استعجال ولا وعود.
وفي صباح أحد الأيام، كنت أراجع ملفات المرضى، عندما دخلت ليان إلى مكتبي وهي تحمل ظرفًا صغيرًا.
قالت
دكتورة سلمى، ده ليكي.
ابتسمت.
إيه ده؟
قالت
بابا قال لي أديهولك النهارده.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله رسالة.
لكن هذه المرة لم تكن بخط أبي.
كانت بخط عمر.
قرأت
سلمى، من أول يوم قابلتك فيه، وأنا شايف إنك إنسانة مختلفة. مش بسبب شغلك ولا بسبب اللي عملتيه مع بنتي، لكن بسبب الطريقة اللي وقفتي بيها قدام كل اللي حصل، من غير ما تسمحي لحد يكسر احترامك لنفسك.
توقفت عن القراءة.
ثم أكملت
أنا مش بطلب منك تنسي الماضي، ولا مستني منك قرار سريع. كل اللي بطلبه فرصة نبدأ حياة مبنية على الصراحة، والاحترام، وكل واحد فينا يختار التاني بإرادته الكاملة.
رفعت عيني.
كان عمر واقفًا عند باب المكتب.
قلت
إنت كتبت الرسالة دي؟
ابتسم.
أيوه.
وليه ما قلتليش الكلام ده بنفسك؟
قال
عشان كنت عايزك تقريه من غير ضغط.
ضحكت لأول مرة منذ فترة طويلة.
وإنت متأكد إنك مستعد تتحمل دكتورة بتشتغل طول اليوم؟
قال
مستعد.
ثم أضاف
بس عندي شرط.
إيه؟
لو حصلت حالة طارئة يوم فرحنا
ضحكت.
هتسيبني أروح المستشفى؟
قال
هروح معاكي.
نظرت إليه للحظات.
ثم قلت
موافقة.
وبعد أشهر، لم يكن هناك حفل ضخم.
لم أحتج إلى قاعة كبيرة ولا مئات المدعوين.
كان يومًا بسيطًا، حضره أهلنا وأصدقاؤنا الحقيقيون.
وكانت ليان أول طفلة تدخل القاعة حاملة باقة صغيرة.
وقبل بداية الحفل، نظرت إلى عمر وقلت
فاكر أول مرة اتقابلنا؟
ابتسم.
يوم كنتِ خارجة من غرفة العمليات وفستانك متبهدل؟
قلت
أيوه.
قال
أنا وقتها كنت فاكر إني جاي أشكرك.
وطلعت إيه؟
ابتسم وقال
طلعت جاي أغير حياتي كلها.
بعد انتهاء الحفل، وقفت أمام صورة أبي.
وضعت بجوارها الميدالية القديمة التي وجدناها مع ليان.
وقلت في سري
كنت فاكرة إن تأخري عن زفافي كان خسارة لكن دلوقتي عرفت إن بعض الأبواب لازم تتقفل علشان أبواب تانية تفتح.
لم أخسر يوم زفافي.
أنا فقط اكتشفت أن ذلك اليوم لم يكن نهايتي.
كان بداية حياتي الحقيقية.
والطفلة التي دخلت المستشفى في صباح ذلك اليوم
لم تنقذ حياتها فقط.
بل كانت السبب في أنني أنقذت مستقبلي أيضًا أكيد، نقدر نكملها بعد الزواج ونفتح لغزًا جديدًا، مع الحفاظ على القصة من غير خيانة ومن غير أحضان.
مرت خمس سنوات على اليوم الذي تغيرت فيه حياتي.
أصبحت مؤسسة أبي تضم عدة مراكز لعلاج الأطفال، وأصبحت ليان فتاة ذكية تحب الطب، وتقول دائمًا إنها ستصبح طبيبة عندما تكبر.
أما أنا وعمر، فكنا نعيش حياة هادئة.
وفي أحد الأيام، وصلني اتصال من مدير المؤسسة.
دكتورة سلمى، في ظرف وصل للمؤسسة باسم والدك.
تجمدت للحظة.
والظرف ده جاي منين؟
مش عارفين. لكن عليه تاريخ قديم جدًا.
طلبت منه أن يحتفظ به حتى أصل.
عندما وصلت، وجدت ظرفًا أصفر قديمًا، وعليه بخط أبي
إلى سلمى لا يُفتح إلا بعد مرور خمس سنوات.
نظرت إلى عمر.
أبويا كان عارف إني هفتح الظرف ده بعد خمس سنين؟
قال
واضح إنه كان بيجهزك لحاجة.
فتحت الظرف.
كانت بداخله صورة قديمة جدًا.
صورة لطفلة صغيرة تقف أمام مستشفى.
وبجوارها أبي.
لكن الطفلة لم تكن ليان.
سألت عمر
مين دي؟
قلبت الصورة.
كان خلفها اسم وتاريخ.
مريم 2010.
وفي أسفل الصورة كتب أبي
إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، ابحثي عن مريم.
شعرت بالقلق.
قلت
ليه أبويا عايزني أدور على طفلة بعد كل السنين دي؟
قال عمر
يمكن لأنها مرتبطة بمشروع النور.
بدأنا البحث.
وبمساعدة سجلات المستشفى القديمة، اكتشفنا أن مريم كانت طفلة عولجت على نفقة أبي.
لكن ملفها اختفى بعد فترة قصيرة.
الأغرب
أن اسم الشخص الذي وقع على استلام ملفها كان
منصور سالم.
والد أحمد.
قلت
مستحيل.
فتح عمر السجلات مرة أخرى.
كان هناك توقيع آخر.
هذه المرة باسم شخص لم نسمعه من قبل.
الدكتور كريم عبد الرحمن.
توقفت.
عبد الرحمن؟
نظر عمر إليّ.
هل عندك قريب بالاسم ده؟
قلت
لا.
لكن عندما عدت إلى البيت، فتحت صندوق أبي القديم.
وجدت شهادة ميلاد قديمة.
وفيها اسم طفل
كريم عبد الرحمن سالم.
شعرت أنني فقدت القدرة على الكلام.
لم يكن هناك أي شيء أعرفه عن هذا الاسم.
وفي صباح اليوم التالي، ذهبت إلى عمر.
قلت
أنا محتاجة أعرف الحقيقة.
بحثنا في السجلات الرسمية.
وبعد أيام، وصلنا إلى عنوان رجل يحمل نفس الاسم.
ذهبنا إليه.
فتح
الباب رجل في الأربعينيات من عمره.
وبمجرد أن رأى صورتي، قال
أنتِ سلمى؟
قلت
أيوه.
ظل ينظر إليّ طويلًا.
ثم قال
كنت مستني اليوم ده من زمان.
سألته
تعرف أبويا؟
قال
أكتر مما تتخيلي.
وإنت مين؟
أجاب
أنا كريم.
ثم صمت لحظات.
وقال الجملة التي قلبت كل شيء مرة أخرى
أنا ابن عمك.
تجمدت في مكاني.
لم يكن أبي قد أخفى عني مشروعًا فقط.
لقد أخفى عني جزءًا كاملًا من عائلتي.
وقبل أن أسأله عن السبب، أخرج ملفًا قديمًا.
وقال
أبوكي تركه عندي قبل وفاته.
فتحت الملف.
كانت الصفحة الأولى تحمل جملة واحدة
سلمى عندما تعرفين كريم، ستفهمين لماذا أخفيت عنكِ الحقيقة طوال هذه السنوات.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى عمر.
وفهمت أن قصة أبي
لم تكن قد انتهت بعد لو حابة، أكمل لكِ الجزء التالي ونكشف مين كريم، وليه والد سلمى أخفى وجوده عنها، وإيه علاقة مريم بالسر القديم نكمّل من لحظة ظهور كريم، ونخلي الكشف تدريجي ومشوق، من غير خيانة أو مشاهد أحضان.
ظللت واقفة أمام كريم غير قادرة على استيعاب كلامه.
ابن عمي؟
أومأ.
أيوه يا سلمى.
جلست على أقرب كرسي.
إزاي؟ أنا طول عمري أعرف إن أبويا وحيد، ومفيش له إخوات.
ابتسم بحزن.
دي كانت الحكاية اللي أبوكي قرر يخليكي تصدقيها.
نظرت إليه.
ليه؟
فتح الملف القديم.
لأن عيلتنا دخلت في مشكلة كبيرة من سنين. أبوكي حاول يحمي ناس كتير، وفي النهاية اضطر يخفي بعض الحقائق.
قلب الصفحات.
كانت هناك صور قديمة، ومستندات، وخطابات.
ثم توقف عند صورة لرجل يشبه أبي بشكل واضح.
قال
ده والدك.
وبجواره رجل آخر.
وده والدي.
قلت
يعني عمي؟
أيوه.
ثم أضاف
لكن والدي توفى وأنا صغير، وبعدها حصل خلاف كبير بين أبوكي وبعض أفراد العيلة، فانقطعت العلاقة.
سألته
ومريم؟
تغيرت ملامحه.
مريم هي السبب اللي خلى أبوكي يقرر يبدأ مشروع النور.
طفلة مريضة؟
أيوه.
فتح ملفًا آخر.
كانت فيه تقارير طبية قديمة.
مريم كانت محتاجة علاج مكلف جدًا، وأسرتها ما كانتش قادرة عليه. أبوكي دفع تكاليف علاجها، وبعد ما شاف عدد الأطفال اللي محتاجين نفس المساعدة، قرر يعمل المؤسسة.
ابتسمت بحزن.
ده كان شبهه فعلًا.
قال كريم
لكن المشكلة بدأت لما المشروع كبر.
سألته
بسبب الأموال؟
أيوه.
ثم أخرج مستندًا.
والدك اكتشف إن بعض التبرعات لا تصل إلى الأطفال.
قلت
وعشان كده بدأ يجمع الأدلة.
بالضبط.
وإنت كنت بتساعده؟
كنت صغير وقتها، لكن أبوكي كان يثق فيّ.
ثم أخرج ظرفًا.
وده آخر شيء تركه لي.
فتحته.
كانت بداخله رسالة.
قرأتها بصوت مرتجف
كريم، إذا وصلت سلمى إليك يومًا، لا تخبرها كل شيء مرة واحدة. الحقيقة يجب أن تُقال عندما تكون مستعدة لها.
سكتُّ طويلًا.
ثم قلت
هو كان عارف إنه ممكن يموت؟
قال كريم
كان حاسس إن في خطر.
مين كان بيهدده؟
قبل أن يجيب، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال
رقم مجهول.
رد.
لم يتحدث الشخص في الطرف الآخر إلا جملة واحدة
قول لسلمى تبعد عن الماضي.
ثم أُغلقت المكالمة.
نظرنا لبعضنا.
قلت
مش هبعد.
قال عمر
ولا أنا.
في اليوم التالي، بدأنا نراجع الملفات القديمة من جديد.
واكتشفنا شيئًا لم يكن موجودًا في أي ملف سابق.
اسم مريم لم يكن مجرد اسم طفلة عولجت في المؤسسة.
كان هناك مستند يثبت أن والدها كان أحد الموظفين الذين عملوا على مشروع النور.
والأغرب
أنه اختفى بعد أن أدلى بشهادة ضد المتورطين.
قلت
لازم نعرف حصل له إيه.
بحث كريم في سجلات قديمة، حتى وجد عنوانًا.
ذهبنا إليه.
كان منزلًا صغيرًا في إحدى القرى.
فتح لنا رجل مسن الباب.
وبمجرد أن رأى كريم، قال
أخيرًا رجعتوا.
سألته
حضرتك تعرف أبويا؟
قال
كنت شغال معاه.
ثم نظر إلى الصورة التي في يدي.
وعندما رأى اسم مريم، تغير وجهه.
مريم لسه عايشة.
تجمدنا جميعًا.
قلت
فين؟
قال
عايشة في الإسكندرية، وبتشتغل ممرضة.
لم أصدق.
بعد كل هذه السنوات، كانت مريم موجودة.
وبعد ساعات من البحث، وصلنا إليها.
كانت امرأة شابة هادئة، وعندما عرفت من أنا، ظلت صامتة للحظات.
ثم قالت
والدك أنقذ حياتي وأنا طفلة.
قلت
وأنا كنت بدور عليكِ بناءً على رسالة منه.
سألتني
عندك الرسالة؟
أخرجتها.
قرأت مريم السطر الأول.
وبدأت عيناها تدمعان.
ثم قالت
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
سألتها
عارفة إيه؟
قالت
أبوكي قبل ما يموت بأيام سلّمني حاجة.
توقفت أنفاسي.
إيه؟
قالت
نسخة من آخر تقرير كتبه عن مشروع النور.
ثم أضافت
لكنه قال لي ما أسلمهاش لأي حد.
سألتها
أمال أسلمها لمين؟
نظرت إليّ مباشرة.
وقالت
لسلمى عبد الرحمن عندما تصبح قادرة على معرفة الحقيقة كاملة.
ثم دخلت إلى غرفة صغيرة.
وعادت بعلبة معدنية.
وضعتها أمامي.
فتحتها.
وفي داخلها
كان هناك تسجيل صوتي جديد بصوت أبي.
لكن هذه المرة، قبل أن يبدأ التسجيل، وجدت ورقة صغيرة مكتوبًا عليها
الحقيقة الأخيرة لا تخص الأموال بل تخص سبب وفاة والدك.
نظرت إلى عمر وكريم.
ثم ضغطت زر التشغيل.
وانطلق صوت أبي
سلمى لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى أخيرًا وصلتي للحقيقة.
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم قال
أنا لم أتعرض لحادث عشوائي لكن الشخص الذي تسبب في الحادث لم يكن يريد قتلي.
ثم جاءت الجملة التي جعلتنا جميعًا نتجمد
كان يريد فقط أن يمنعني من الوصول إلى شخص واحد شخص كنت أعتقد أنه مات منذ سنوات أكيد، دي نهاية قوية ومقفولة لكل الأسرار، مع الحفاظ على القصة من غير خيانة أو مشاهد أحضان.
ضغطت سلمى زر إيقاف التسجيل، وساد الصمت المكان.
قالت بصوت منخفض
الشخص اللي أبويا كان بيدور عليه مين؟
كريم لم يجب.
أما مريم فقالت
لازم نرجع للمستشفى القديم.
في نفس الليلة، ذهب الثلاثة إلى أرشيف المستشفى الذي كان والد سلمى يعمل به.
وبعد ساعات من البحث، وجدوا ملفًا يحمل رقم 27.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة الأخيرة.
كان الاسم
عبد الجليل سالم.
والد كريم.
اتسعت عينا كريم.
أبويا؟
قالت مريم
والدك ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت لكم.
كانت الحقيقة أن عبد الجليل اكتشف شبكة فساد كبيرة كانت تستغل أموال مشروع النور، وحاول كشفها مع والد سلمى.
وعندما بدأت الأدلة تظهر، تم تزوير أوراق تثبت وفاة عبد الجليل، واضطر إلى الاختفاء لحماية أسرته.
أما والد سلمى، فقد ظل يجمع الأدلة وحده.
وفي طريقه لتسليمها للجهات المختصة، تعرض للحادث.
لم يكن الحادث بهدف قتله، لكن لإيقافه عن كشف الحقيقة.
وبالفعل، نجح في إخفاء أهم المستندات قبل وفاته.
وهنا فهمت سلمى لماذا كتب في رسالته
الحقيقة أهم من المال.
بعد أيام، تم تقديم الملفات للجهات المختصة.
وأثبت التحقيق تورط عدد من الأشخاص في اختلاس أموال المشروع وتزوير مستندات قديمة.
أما أحمد ووالده، فقد ظهرت مستندات تثبت محاولتهم استخدام اسم سلمى في معاملات مالية غير قانونية.
وانتهت القضية بحفظ حقوق سلمى ومحاسبة كل من شارك في التزوير.
أما نوال، فكانت قد اعترفت بما تعرفه، وساعد اعترافها في كشف جزء كبير من الحقيقة.
وبعد انتهاء كل شيء، وقفت سلمى أمام قبر والدها.
قالت
اتأخرت يا أبي لكني وصلت.
وضعت الملف أمام القبر، ثم ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.
مشروعك كمل.
فقد قررت سلمى تحويل المؤسسة إلى مستشفى متكامل لعلاج الأطفال غير القادرين.
وأطلقت عليه اسم
مستشفى الدكتور عبد الرحمن لعلاج الأطفال.
أما كريم، فأصبح المسؤول عن إدارة المؤسسة.
ومريم عادت للعمل في المستشفى، وأصبحت واحدة من أهم الممرضات فيه.
وليان، الطفلة التي بدأت بسببها كل الحكاية، كبرت وأصبحت طالبة في كلية الطب.
وفي يوم افتتاح المستشفى، وقفت ليان أمام سلمى وقالت
فاكرة أول مرة شوفتك؟
ضحكت سلمى.
أنا عمري ما نسيت اليوم ده.
قالت ليان
أنا كمان. إنتِ السبب إني حبيت الطب.
ردت سلمى
يبقى كده الحكاية كسبت مرة تانية.
وفي نهاية اليوم، دخلت سلمى مكتب والدها القديم.
كان كل شيء هادئًا.
فتحت درج مكتبه، فوجدت ورقة صغيرة لم ترها من قبل.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
يا سلمى، لو قدرتي توصلي لحد هنا، يبقى أنا مطمّن.
مش مهم تعرفي كل أسرار الماضي المهم إنك ما تخليش الماضي يمنعك من بناء المستقبل.
أنا ما سبتلكيش ثروة
أنا سبتلك أمانة.
والأمانة إنك تساعدي طفل واحد محتاج، حتى لو محدش شافك.
نزلت دمعة من عين سلمى.
ثم وضعت الرسالة في الدرج مرة أخرى.
وأغلقت عليه بهدوء.
لم تعد تبحث عن الماضي.
لأنها أخيرًا فهمت أن والدها لم يكن يريد منها أن تنتقم.
كان يريد منها أن تكمل ما بدأه.
خرجت من المكتب، وفي الخارج كان المستشفى مليئًا بالأطفال والأطباء وأصوات الحياة.
رفعت عينيها إلى اللافتة الكبيرة
مستشفى الدكتور عبد الرحمن لعلاج الأطفال.
وقالت لنفسها
انتهت الحكاية يا أبي
ثم ابتسمت.
لكن الخير اللي بدأتَه عمره ما هينتهي.
وهكذا، لم تكن سلمى قد خسرت يوم زفافها كما ظن الجميع
بل كانت قد كسبت الحقيقة، وأنقذت حياة، وحافظت على اسم أبيها، وبدأت مستقبلًا أفضل.
النهاية.