تأخرت ثلاثه ساعات عن حفل زفافى حكايات محمد نور
تأخرتُ ثلاث ساعات عن حفل زفافي لأنني كنت داخل غرفة العمليات أنقذ حياة طفلة صغيرة.
وعندما وصلت
اكتشفت أن خطيبي لم ينتظرني.
لكن المفاجأة لم تكن أنه تزوج غيري
المفاجأة أن الرجل الذي كان يقف عند باب القاعة في انتظاري، كان يحمل ملفًا سيكشف للجميع الحقيقة التي حاولوا إخفاءها عني لسنوات.
الجزء الأول
اسمي سلمى عبد الرحمن.
كنت أبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا، وأعمل جرّاحة في أحد المستشفيات الكبرى.
ذلك اليوم كان أهم يوم في حياتي.
كان موعد زفافي من أحمد، بعد علاقة استمرت عامين.
كنت أرتب فستاني منذ أسابيع، وأراجع تفاصيل الحفل مع أمي، وأحلم باللحظة التي سأدخل فيها القاعة وأبدأ حياة جديدة.
لكن قبل موعد الزفاف بساعات قليلة، رن هاتفي.
كان اتصالًا من المستشفى.
دكتورة سلمى، لازم تيجي فورًا.
في إيه؟
طفلة عندها ست سنين وصلت بحالة خطيرة جدًا. في نزيف داخلي، والوقت مش في صالحنا.
نظرت إلى فستان الزفاف المعلق أمامي.
ثم نظرت إلى الساعة.
كان أمامي وقت قليل جدًا.
اتصلت بأحمد.
لم يرد.
فأرسلت له رسالة
أحمد، أنا آسفة جدًا. في طفلة حالتها خطيرة وأنا لازم أدخل عملية فورًا. هحاول أخلص وأجيلك على طول.
ثم ارتديت ملابس العمل واتجهت إلى المستشفى.
كانت الطفلة اسمها ليان.
وصلت وهي في حالة حرجة، وكان والدها عمر واقفًا خارج غرفة الطوارئ، لا يعرف ماذا يفعل.
دخلت غرفة العمليات.
مرت ساعة
ثم ساعتان
ثم ثلاث ساعات.
وأخيرًا، نجحت العملية.
خرجت من غرفة العمليات وأنا منهكة.
سألت أول سؤال
ليان عاملة إيه؟
قالت الممرضة
مستقرة يا دكتورة.
أغمضت عيني براحة.
ابتسمت للمرة الأولى منذ ساعات.
ثم تذكرت الزفاف.
أخرجت هاتفي.
وجدت عشرات المكالمات.
من أحمد.
ومن والدته نوال.
ومن بعض أقاربنا.
اتصلت بأحمد.
هذه المرة رد.
لكن صوته كان باردًا جدًا.
وصلتِ؟
لسه خارجة من العملية. الطفلة كانت بين الحياة والموت.
صمت.
ثم قال
تعالي.
أنا جاية.
أغلقت الهاتف، وبدلت ملابسي بأقصى سرعة.
وصلت إلى القاعة بعد ثلاث ساعات من الموعد المحدد.
لكن أول ما دخلت، شعرت أن شيئًا غريبًا حدث.
لم يكن هناك استقبال للعروس.
ولا موسيقى.
ولا فرحة.
الجميع كان ينظر إليّ بصمت.
اقتربت مني نوال.
وقالت ببرود
أخيرًا افتكرتي إن عندك فرح.
قلت
أنا كنت في المستشفى.
ردت
كل مرة عندك عذر.
نظرت خلفها.
كان أحمد واقفًا بعيدًا.
اقتربت منه.
أحمد، أنا آسفة إني اتأخرت.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
كنتِ عارفة إن النهارده أهم يوم في حياتنا.
وأنا كنت عارفة، لكن كان في طفلة ممكن تموت.
قال
كان ممكن حد غيرك يعمل العملية.
لم أصدق ما سمعته.
أنا الجراحة المسؤولة عن الحالة.
لم يرد.
فقلت
طيب، ليه كل الناس ساكتة؟
وقبل أن يجيب، جاء رجل من آخر القاعة.
كان في أواخر الأربعينيات، يرتدي بدلة بسيطة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء.
لم أعرفه.
توقف أمامي وقال
حضرتك الدكتورة سلمى؟
قلت
أيوه.
قال
أنا عمر الخطيب، والد الطفلة ليان.
نظرت إليه.
قال
جيت أشكرك بنفسي.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته.
لكن قبل أن يفتحه، نظر إلى أحمد.
ثم إلى نوال.
وتغيرت ملامحه.
قال بهدوء
واضح إني وصلت في وقت مناسب جدًا.
سألته
تقصد إيه؟
فتح الملف.
ووضع أول ورقة أمامي.
كانت ورقة قانونية تحمل اسمي.
شعرت بالصدمة.
إيه ده؟
قال
دي ورقة اكتشفتها بالصدفة من يومين.
أمسكتها بيدي.
قرأت السطر الأول.
ثم الثاني.
وبدأت أشعر أن الأرض تتحرك تحت قدمي.
لأن الورقة كانت تحمل توقيعًا يشبه توقيعي
لكنني لم أتذكر أنني وقعت عليها من قبل.
رفعت عيني إلى أحمد.
كان وجهه قد تغير.
أما نوال، فتراجعت خطوة إلى الخلف.
سألت عمر
الورقة دي جت منين؟
قال
من شركة والد أحمد.
ساد الصمت.
ثم قال عمر
والأغرب من كده إن الورقة دي مرتبطة بحاجة حصلت قبل زفافك بأسبوعين.
قلت
إيه؟
نظر إلى الجميع.
ثم قال
كان فيه شخص بيحاول يمنعك من الوصول للحقيقة قبل النهارده.
وفي تلك اللحظة
وصل رجل آخر إلى القاعة.
كان محاميًا يحمل مجموعة من المستندات.
نظر إليّ وقال
دكتورة سلمى، لازم نتكلم فورًا.
قلت
عن إيه؟
قال
عن السبب الحقيقي اللي خلى بعض الناس هنا مستعجلين جدًا إنك تتجوزي أحمد النهارده.
نظرت إلى أحمد.
ثم إلى نوال.
ولأول مرة
شعرت أن تأخري ثلاث ساعات عن حفل زفافي ربما لم يكن أسوأ شيء حدث لي في ذلك اليوم.
بل ربما كان الشيء الوحيد الذي أنقذني من كارثة أكبر الجزء الثاني
جلستُ أمام المحامي وأنا لا أستطيع أن أرفع عيني عن الورقة.
قلت له
أنا مش فاهمة حاجة إزاي توقيعي موجود هنا وأنا عمري ما شفت الورقة دي؟
فتح المحامي حقيبته وأخرج ملفًا آخر.
لأن التوقيع ده مش توقيعك يا دكتورة سلمى.
نظرت إليه بدهشة.
يعني إيه؟
يعني حد حاول يقلّد توقيعك، لكن المشكلة الأكبر مش في التوقيع نفسه المشكلة في مضمون الورقة.
سألته
مضمونها إيه؟
وضع الورقة أمامي وقال
الورقة دي كانت هتدي أحمد ووالده صلاحيات واسعة للتصرف في جزء من أموالك وممتلكاتك بعد الزواج.
التفتُّ فورًا إلى أحمد.
كان واقفًا في مكانه، شاحب الوجه.
قلت
كنت تعرف؟
خفض عينيه.
سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
قلت بغضب
أمال إيه؟
تدخلت نوال بسرعة
ما تسمعيش لكلام المحامي. دي أوراق عادية، وكل عيلة بتحمي مصالحها.
رد المحامي
لو كانت أوراق عادية، مكنش فيه داعي لتزوير توقيعها.
ساد الصمت.
أما عمر، والد ليان، فكان واقفًا بجوار الباب يستمع لكل شيء.
قال بهدوء
أنا مش هتدخل في مشاكلكم، لكن في حاجة لازم تعرفيها يا دكتورة سلمى.
نظرت إليه.
إيه؟
قال
قبل ما ليان تدخل العملية، كنت قابلت والد أحمد في المستشفى.
اتسعت عيناي.
إمتى؟
قبل وصولك بدقائق.
شعرت بالارتباك.
هو كان في المستشفى ليه؟
قال إنه جاي يسأل عن حالة ليان.
توقف لحظة.
ثم أضاف
لكنني اكتشفت بعد كده إنه كان يسأل عنكِ.
قلت
عني أنا؟
أومأ.
كان عايز يعرف إذا كنتِ هتدخلي العملية بنفسك ولا لأ.
شعرت بقشعريرة.
لماذا كان يهمه ذلك؟
سألته
وإنت عرفت الكلام ده إزاي؟
قال
لأنني كنت واقفًا بجواره.
ثم أخرج هاتفه.
ولأنني سجلت رقمًا غريبًا اتصل به بعد خروجه من المستشفى.
أخذ المحامي الهاتف.
نظر إلى الرقم.
ثم قال
الرقم ده تابع لمكتب محاسبة.
سألته
ومكتب المحاسبة ده تبع مين؟
قال
تبع شركة والد أحمد.
بدأت الصورة تتضح أمامي.
لكنني لم أفهم السبب.
قلت
أنا لسه مش فاهمة هم عايزين إيه مني؟
فتح المحامي ملفًا ثالثًا.
وقال
قبل ثلاثة أشهر، والدكِ توفى وترك لكِ نصيبًا كبيرًا من شركة العائلة.
تجمدت.
كنت أعرف أن أبي ترك لي أسهمًا في الشركة.
لكنني لم أكن أعرف أن قيمتها ارتفعت بهذا الشكل.
قال المحامي
خلال الفترة الأخيرة، شركة والد أحمد دخلت في أزمة مالية كبيرة.
ثم وضع أمامي كشفًا ماليًا.
عليهم ديون ضخمة.
نظرت إلى الأرقام.
كان الرقم صادمًا.
قال
وكانوا محتاجين ضمانًا قويًا لإنقاذ الشركة.
همست
وأنا كنت الضمان؟
بالضبط.
رفعت عيني إلى أحمد.
قلت
عشان كده كنت بتقولي إن الجواز لازم يتم النهارده؟
لم يجب.
قلت
وعشان كده والدتك كانت مصممة إني أوقّع على الأوراق قبل الفرح؟
بقي صامتًا.
فقالت نوال
إحنا كنا بنحاول نحمي مستقبل ابني!
صرخت لأول مرة
على حساب مستقبلي أنا؟!
لم ترد.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف المحامي.
استمع للمكالمة لدقيقة واحدة.
ثم أغلق الهاتف.
نظر إليّ وقال
عندي خبر مهم.
قلت
إيه؟
قال
البنك رفض طلب شركة والد أحمد.
تنفست ببطء.
يعني إيه؟
يعني إن الخطة كلها فشلت.
سألته
أي خطة؟
نظر إلى أحمد.
ثم قال
كانوا محتاجين زواجك من أحمد قبل انتهاء مهلة البنك، لأن بعض المستندات كانت ستصبح قابلة للتنفيذ بعد الزواج.
نظرت إلى أحمد.
كان عاجزًا عن الكلام.
أما ريم، صديقة أحمد التي كانت موجودة بين الضيوف، فتقدمت فجأة.
وقالت
سلمى أنا لازم أقولك حاجة.
نظرت إليها.
قولي.
قالت
أنا اللي كنت براقب الأوراق من البداية.
تجمد الجميع.
وأضافت بسرعة
لكن مش عشان أؤذيك. كنت بحاول أعرف إيه اللي بيحصل.
سألتها
وإنتِ كنتِ تعرفي؟
أيوه.
وليه ما قولتيليش؟
بدأت دموعها تنزل.
حاولت أكتر من مرة لكن كل مرة كانوا بيمنعوني.
ثم أخرجت من حقيبتها مظروفًا.
وده السبب اللي خلاني أطلب منك تقابلي المحامي بعد الزفاف.
فتحت المظروف.
كانت بداخله نسخة من تسجيلات وتحويلات مالية.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر صفحة.
اسم المستفيد لم يكن اسم شركة والد أحمد.
كان اسمًا آخر.
اسم نوال نفسها.
رفعت رأسي ببطء.
فوجدت نوال واقفة في منتصف القاعة.
لأول مرة
لم تجد ما تقوله.
أما أحمد فقال
ماما
فردت عليه
اسكت.
ثم نظرت إليّ.
وقالت جملة واحدة
إنتِ مش فاهمة الصورة كاملة يا سلمى.
قلت
إذن فهميني.
ابتسمت ابتسامة غامضة.
وقالت
لأن الفلوس دي أصلًا مش فلوسي.
وساد الصمت.
فمن كان صاحب الأموال الحقيقي؟
ولماذا كانت نوال تحاول الوصول إليها من خلال زواجي من أحمد؟
ولماذا كان عمر، والد ليان، يعرف كل هذه التفاصيل قبل أن أصل إلى القاعة؟
يتبعالجزء الثالث
كانت جملة نوال كفيلة بأن تجعل القاعة كلها تصمت.
الفلوس دي مش فلوسي.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
أمال فلوس مين؟
نوال ما ردتش.
المحامي ياسر فتح الملف من جديد، وقال
أعتقد إن الوقت حان إن الحقيقة كلها تظهر.
حط قدامي مستند قديم جدًا.
الورقة دي من حوالي عشرين سنة.
بصيت على الاسم الموجود في أول الصفحة.
عبد الرحمن سالم.
اسم والدي.
قلبي دق بسرعة.
دي ورقة من شركة أبويا؟
أيوه.
قلبت الصفحة.
وكانت المفاجأة إن نوال كان اسمها موجودًا