بعد وفاة مراتي

لمحة نيوز

"لخبطة إزاي؟"

سميرة بصت للأرض.

"كان فيه طفلتين اتولدوا في نفس اليوم."

قلبي دق بسرعة.

"والطفلتين؟"

محمود قال:

"واحدة كانت مريم بنتك."

ثم أشار للصورة.

"والتانية هي البنت اللي أمك كانت بتحميها."

مريم سألت:

"طب إيه اللي حصل بينهم؟"

محمود قال:

"ده اللي لحد النهارده محدش قدر يثبته بشكل كامل."

فجأة سمعت صوت ورق بيتقلب.

الست الكبيرة كانت ماسكة ظرف صغير.

قالت:

"أنا عندي آخر دليل."

بصيت لها.

"إيه هو؟"

قالت:

"سجل المستشفى."

مدته لمريم.

فتحت الصفحة.

وكان فيها أسماء الأطفال اللي اتولدوا في اليوم ده.

اسم مريم موجود.

لكن بجانبه ملاحظة غريبة:

"تم التسليم لولي الأمر بعد مراجعة الهوية."

مريم قالت:

"مين ولي الأمر؟"

الست الكبيرة قربت من الورقة.

ثم أشارت إلى خانة التوقيع.

وقالت:

"الشخص اللي استلم الطفلة مش أبوكي."

اتصدمت.

"مين؟"

الست قالت:

"سميرة."

مريم رفعت عينيها بصدمة.

وسميرة بدأت تبكي.

"أنا ما كنتش عارفة إن اللي استلمته مش مريم…"

سكت الجميع.

لأن الجملة دي كانت أخطر من كل الأسرار اللي عرفناها.

سميرة نفسها كانت ماسكة واحدة من الطفلتين يوم الولادة.

والسؤال بقى:

لو كانت سميرة استلمت طفلة من المستشفى…

مين الطفلة اللي رجعتها لأم مريم بعد كده؟فضلنا ساكتين.

صوت الست اللي بره الباب كان هادي، لكن فيه حاجة خلتني أحس إنها عارفة كل حاجة.

بصيت لمحمود.

قال:

"افتح."

فتحت الباب.

دخلت ست في أواخر الخمسينات، لابسة إسدال بسيط، وماسكة شنطة جلد قديمة.

أول ما شافت مريم، وقفت مكانها.

عينيها دمعت.

وقالت:

"كبرتي يا بنتي."

مريم بصتلها باستغراب.

"حضرتك مين؟"

الست قربت منها وقالت:

"أنا أماني."

محمود قال:

"أماني كانت ممرضة في المستشفى يوم ولادتك."

أنا اتوترت.

"يعني إنتِ كنتِ موجودة؟"

قالت:

"كنت موجودة وشفت كل حاجة."

مريم سألت:

"طب مين البنت التانية؟"

أماني فتحت شنطتها وطلعت كراسة قديمة.

"أنا مش هقولك مين هي قبل ما تشوفي دي."

فتحت الكراسة.

كان فيها جدول بأسماء الأطفال اللي اتولدوا في نفس اليوم.

اسم مريم كان موجود.

وتحته اسم طفلة تانية.

لكن اسم الطفلة كان مشطوب.

مريم قالت:

"ليه الاسم متشال؟"

أماني ردت:

"لأن أهلها طلبوا إخفاء هويتها."

قلت:

"ليه؟"

أماني بصتلي.

"لأن والد الطفلة كان مهدد إن حد ياخدها منه."

سألت:

"مين؟"

قالت:

"شخص من العيلة."

محمود شد نفس طويل.

"أماني… كفاية."

بصت له وقالت:

"إنت سكتّ سنين. أنا مش هسكت أكتر."

ثم طلعت من الشنطة ظرفًا صغيرًا.

وقالت:

"ده آخر شيء سلمتهولي أم مريم قبل وفاتها."

مريم أخذته.

كان مكتوب عليه:

"لو قابلتي بنتي… متقوليلهاش الحقيقة إلا لما أبوها يكون جنبها."

مريم فتحت الظرف.

جواه ورقة قصيرة.

قرأت:

"يا بنتي، يمكن تكبري وتسألي ليه كنت بحمي طفلة تانية. الحقيقة إن الطفلة دي كانت السبب الوحيد اللي خلاني أكتشف إن في شخص قريب مننا كان بيخدعنا."

مريم رفعت عينيها.

"مين الشخص ده؟"

الورقة كانت بتكمل:

"أنا حاولت أقول لأبوكي… لكني خفت أخسره وأخسرك."

ثم جاءت الجملة الأخيرة:

"الشخص ده كان موجود في بيتنا، وكان عارف كل حاجة عن مريم من يوم ولادتها."

مريم بصتلي.

وأنا بدأت أفكر في كل شخص دخل بيتنا وقتها.

ثم رفعت عيني لأماني.

"مين كان موجود يوم ولادتها غيري ومراتي؟"

أماني ردت بصوت منخفض:

"سميرة."

مريم شهقت.

لكن أماني كملت:

"وفي شخص تاني."

سألتها:

"مين؟"

فتحت الكراسة على صفحة أخيرة.

كان فيها توقيع واحد.

توقيع الشخص اللي استلم الطفلة من المستشفى.

مريم قربت من الورقة.

وبمجرد ما شافت الاسم…

اتغير لون وشها.

لأن الاسم كان:

اسمي أنا.

مريم بصتلي في صدمة.

"بابا… إنت استلمت مين يوم ولادتي؟"

ولأول مرة…

أنا نفسي ما بقيتش متأكد من الإجابة.مريم بصتلي وهي مش مصدقة:

"بابا… إنت استلمت مين يوم ولادتي؟"

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

لكن أماني حطت إيدها على الورقة وقالت:

"هو استلم بنته. مفيش تبديل حصل في النهاية."

بصيت لها.

"أمال التوقيع ده؟"

قالت:

"لأن المستشفى كانت محتاجة توقيع الأب على استلام الطفلة بعد ما حصلت اللخبطة."

مريم تنفست براحة.

لكنها سألت:

"والبنت التانية؟"

أماني فتحت شنطتها وطلعت صورة حديثة.

وقالت:

"دي هي."

بصيت للصورة.

وبمجرد ما شفت وش البنت، اتجمدت.

مريم قربت مني.

"بابا… دي مين؟"

ماقدرتش أرد.

لأن البنت في الصورة كانت واقفة جنب سميرة.

وعلى رقبتها نفس السلسلة الفضية.

سميرة أخدت الصورة وقالت:

"دي بنت أختي."

مريم بصتلها بدهشة.

"يعني إيه؟"

سميرة دموعها نزلت.

"البنت دي كانت بنت أختي من ناحية العيلة… وأمك اكتشفت إنها اتعرضت للإهمال بعد وفاة أهلها، ففضلت تساعدها في السر."

محمود أكمل:

"وأنا غلطت لما حاولت أخفي الموضوع كله. خفت إن الناس تفتكر إن أختي كانت بتخبي طفلة عن أبوها."

بصيت لمريم.

وفجأة فهمت.

كل الأسرار اللي خلت بنتي تشك في نفسها…

ماكانتش بسبب نسبها.

ولا بسبب إن أمها خانت ثقتي.

الحقيقة كانت أبسط وأقسى:

مراتي كانت بتحاول تحمي طفلة يتيمة، وأنا قضيت سنين أفسر صمتها بشكل غلط.

أما سميرة…

فكانت تعرف الحقيقة، لكنها اختارت تخلي الغموض يكبر؛ لأنها كانت غاضبة من مراتي القديمة، وبعدها استغلت ضعفي وخوفي من فقدانها عشان تسيطر على البيت.

بصيت لها وقلت:

"إنتِ كنتِ عارفة كل ده… ومع ذلك خليتي مريم تتعذب؟"

ماقدرتش ترد.

مريم وقفت قدامها وقالت:

"أنا مش هكرهك… بس مش هسامحك دلوقتي."

وبعدين بصتلي.

"وأنت كمان يا بابا."

الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.

"أنا؟"

قالت:

"أيوه. ماما كانت خايفة عليا منك… وطلع خوفها في محله."

نزلت عيني.

لأول مرة فهمت إن أكبر غلطة عملتها مش إني صدقت سميرة.

أكبر غلطة كانت إني سمحت لحد يخلي بنتي تحس إنها غريبة في بيت أبوها.

بعدها بأيام، سميرة خرجت من البيت، وبدأت تتحمل نتيجة كل اللي عملته.

أما مريم، فرجعت تكمل دراستها.

وفي أول يوم رجعت فيه، دخلت أوضتها ووقفت قدام صورة أمها.

قلت لها:

"سامحيني."

سكتت.

وبعد لحظة قالت:

"ماما مش محتاجة منك كلام يا بابا… محتاجة منك تصلح اللي حصل."

هزيت رأسي.

ومن يومها بدأت أحاول.

مش عشان أنسى اللي حصل…

لكن عشان مريم متعيشوش تاني.

وبعد شهور، زرنا قبر أمها.

مريم حطت الوردة قدام القبر وقالت:

"ماما… أنا فهمت ليه كنتِ بتحميني."

ثم مسكت إيدي.

"وأخيرًا… بابا رجع بابا."

بصيت للقبر، ودموعي نزلت.

وفهمت متأخر جدًا إن بعض الناس ما بنخسرهمش يوم يموتوا…

إحنا بنخسرهم يوم نسمح لحد يغيّر قلوبنا عليهم.

لكن أجمل حاجة حصلت بعدها…

إن مريم ما رجعتش بس بنتي.

رجعت أماني اللي كنت فاكر إني فقدتها للأبد.

تم نسخ الرابط