بعد وفاة مراتي

لمحة نيوز

"إنت فين؟"

مردتش.

دخلت الأوضة، وبمجرد ما شافت الورقة في إيدي، وشها اتغير.

قالت بسرعة:

"بنتك مشيت؟"

بصيتلها.

لأول مرة من يوم ما اتجوزتها، مبصتش في عينيها كراجل خايف يخسر مراته…

بصيتلها كأب خايف يكون خسر بنته.

وقلت بهدوء:

"إنتِ كنتِ عارفة إنها هتمشي؟"

سكتت.

السكات ده كان كفاية.

قمت من على الأرض.

"سميرة… أنا سألتك سؤال."

قالت وهي بتتهرب:

"هي اللي اختارت تمشي. أنا معملتلهاش حاجة."

هزيت راسي.

"لا… إنتِ عملتي."

وبصيت للورقة اللي في إيدي.

"وأنا عملت أكتر منك."

وقبل ما تكمل كلامها، موبايل بنتي اللي كان على المكتب رن.

بصيت للشاشة.

رقم غريب.

رديت.

وصوت ست كبيرة جه من الناحية التانية:

"حضرتك والد مريم؟"

قلبي وقع.

قلت:

"أيوه… هي فين؟"

الست سكتت ثواني، وبعدين قالت:

"مريم عندي."

اتنهدت براحة.

لكن قبل ما أقول أي حاجة، كملت الست:

"بس في حاجة لازم تعرفها… بنتك ما جاتش عندي لوحدها."

سألتها بقلق:

"يعني إيه؟"

قالت:

"هي جات ومعاها حاجة تخص والدتها… وقالتلي إن لازم أوصلها لك بنفسي."

سألتها:

"إيه الحاجة دي؟"

جاء الرد اللي خلاني أحس إن الماضي كله رجع يفتح أبوابه:

"ألبوم صور قديم… وجواه جواب من أمها ليك."

بصيت لسميرة.

ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.

قالت بسرعة:

"جواب؟ أي جواب؟"

لكن أنا ما رديتش عليها.

كنت بفكر في حاجة واحدة بس:

إيه اللي ممكن تكون أم بنتي كاتباهولي قبل وفاتها… وليه بنتي قررت تسلمهولي دلوقتي؟خرجت من البيت وأنا ماسك موبايل بنتي، وسميرة واقفة ورايا بتقول:

"رايح فين؟"

رديت من غير ما أبصلها:

"رايح أجيب بنتي."

قالت بسرعة:

"ولو رجعت بيها أنا همشي."

وقفت عند الباب.

زمان كنت بخاف من الجملة دي.

دلوقتي لأول مرة… الجملة دي ما هزتنيش.

لفيت لها وقلت:

"اعملي اللي يريحك."

ونزلت.

طول الطريق وأنا سايق، كلام بنتي كان بيتردد في دماغي:

"يوم ما ضربتني، حسيت إن أمي ماتت للمرة التانية."

كنت كل ما أفتكر نظرتها وأنا بمد إيدي عليها، أحس إني مش قادر أتنفس.

وصلت للعنوان اللي الست قالتهولي.

فتحتلي واحدة كبيرة في السن، أول ما شافتني قالت:

"إنت والد مريم؟"

هزيت راسي.

قالت:

"ادخل."

دخلت وأنا عيني بتدور عليها.

لقيتها قاعدة في ركن الصالة، لابسة هدوم بسيطة، وشعرها مربوط، وحاضنة ألبوم صور قديم.

أول ما شافتني قامت.

لكنها ما جريتش عليا زي زمان.

وقفت بعيد.

قالت بصوت هادي:

"إنت جيت."

الكلمة كانت بسيطة…

لكنها وجعتني أكتر من أي عتاب.

قلت:

"آه… جيت عشانك."

سكتت.

قربت خطوة.

"مريم… أنا آسف."

بصت للأرض.

"أنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع الأيام."

قلت:

"ولا هتمسح اللي عملته."

رفعت عيني وبصتلي.

"طب ليه عملته يا بابا؟"

اتكسرت.

ما لقيتش إجابة.

لأني لو قلت "عشان سميرة"، أبقى برمي ذنبي عليها.

ولو قلت "كنت خايف أخسرها"، هبقى بعترف لبنتي إني اخترت خوفي عليها.

فقلت الحقيقة الوحيدة:

"كنت ضعيف."

مريم دمعت، لكنها ما قربتش.

قالت:

"أنا كنت محتاجاك قوي… مش ضعيف."

نزلت دموعي.

وقلت:

"معاكي حق."

سكتنا لحظات.

وبعدين مدتلي الألبوم.

"خده."

مسكته.

قلت:

"وده جواب أمك؟"

هزت راسها.

"آه."

فتحت أول صفحة.

كانت صور قديمة لينا أنا ومراتي الأولى.

صور من يوم فرحنا.

صور وأنا شايل مريم وهي صغيرة.

وفي آخر الألبوم، لقيت ظرف أبيض مكتوب عليه بخط إيد مراتي:

"لزوجي… لو في يوم احتجت تفتكر أنا كنت شايفاك إزاي."

إيدي بدأت تترعش.

فتحت الظرف.

وكان أول سطر:

"لو بتقرأ الرسالة دي، غالبًا أنا مش موجودة جنبك."

وقفت.

مريم كانت واقفة قدامي، ساكتة.

كملت:

"أنا عارفة إنك هتتعب بعدي، وعارفة إنك ممكن تحس إن البيت بقى فاضي من غيري."

دموعي نزلت.

"وعشان كده عندي طلب واحد بس… مريم."

رفعت عيني لبنتي.

ثم رجعت للجواب.

"مريم مش بنتك لوحدك… دي آخر حاجة من ريحتي هتفضل معاك."

شهقت.

لكن السطر اللي بعده خلاني أتجمد:

"ولو في يوم حبيت تبدأ حياة جديدة، ابدأها… لكن أوعى تخلي أي حد يحسس بنتي إنها ضيفة في بيت أبوها."

قلبي دق بعنف.

كملت القراءة.

"أنا مش خايفة عليها من الناس… أنا خايفة عليها منك."

وقفت.

بصيت لمريم.

ما قدرتش أكمل.

قالت بصوت مكسور:

"كمّل يا بابا."

رجعت للرسالة.

وكان آخر جزء مكتوب:

"إنت ساعات بتكون طيب زيادة، وبتخاف تزعل اللي قدامك، وأنا أكتر واحدة عارفة العيب ده فيك. عشان كده لو أنا مشيت، خليك فاكر إن مريم أمانة… مش حمل."

إيدي ارتخت.

الجواب وقع من إيدي.

ومريم قالت:

"أنا مكنتش عايزة أوريهولك عشان أوجعك."

بصيتلها:

"أمال ليه؟"

قالت:

"عشان يمكن أخيرًا تفتكر وعدك لماما."

سكتنا.

وبعدين قالت:

"بس في حاجة تانية…"

استغربت.

"إيه؟"

مدت إيدها وطلعت ورقة صغيرة من جوه الألبوم.

"لقيتها ورا صورة قديمة… وماما كانت مخبياها."

فتحتها.

كانت جملة واحدة بس.

لكن الجملة دي قلبت كل حاجة:

"لو سميرة رجعت في يوم لحياتك… اسألها عن اللي حصل قبل ما تتجوزني."

رفعت عيني ببطء.

"سميرة؟"

مريم هزت راسها.

"آه يا بابا… ماما كانت تعرفها."

وفي اللحظة دي، فهمت إن سميرة ما كانتش مجرد حب قديم رجع بعد سنين…

كان فيه سر أقدم من جوازنا أنا ومراتي الأولى.

وسر عمره سنين…

ويمكن هو السبب الحقيقي إن سميرة كانت بتكره مريم من أول يوم شافت فيه وشها.بصيت لمريم وأنا مش قادر أستوعب.

"ماما كانت تعرف سميرة إزاي؟"

مريم هزت راسها:

"معرفش… بس الجواب ده كان مخبي ورا الصورة. وأنا لقيته من فترة، بس مكنتش فاهمة معناه."

قعدت جنبها.

"طب وإنتِ ليه مخبيتيه عني؟"

قالت:

"كنت خايفة لو عرفته… تكره طنط سميرة وتعمل مشكلة. وأنا أصلًا تعبت من المشاكل."

الكلمة دي وجعتني.

حتى وهي موجوعة… كانت لسه بتحاول تحميني.

قلت لها:

"لازم نعرف الحقيقة."

الست الكبيرة اللي كنا عندها تدخلت لأول مرة وقالت:

"في حاجة لازم تعرفها قبل ما تمشوا."

بصيت لها.

قالت:

"أم مريم كانت بتيجي عندي قبل وفاتها بفترة."

اتصدمت.

"إنتِ كنتِ تعرفي مراتي؟"

قالت:

"آه… وكانت بتتكلم عن بنتها كتير."

مريم قربت منها.

"ماما قالتلك إيه؟"

الست تنهدت وقالت:

"قالتلي إنها كانت خايفة من حاجة حصلت زمان."

سألتها بسرعة:

"إيه الحاجة دي؟"

ردت:

"سميرة."

حسيت إن الاسم بقى يطاردني.

قالت الست:

"أمك قالت إن سميرة ظهرت في حياتها قبل وفاتها بمدة… وطلبت منها تقابلها بعيد عن الناس."

مريم سألت:

"وليه؟"

الست بصتلي وقالت:

"عشان موضوع يخصك إنت."

أنا؟

حسيت بدقات قلبي بتزيد.

"يخصني إزاي؟"

قالت:

"ده اللي معرفوش. بس أم مريم قالتلي جملة عمري ما نسيتها."

سألتها:

"إيه؟"

قالت:

"لو سميرة رجعت لحياة جوزي بعد موتي، يبقى لازم يعرف الحقيقة كاملة قبل ما يثق فيها."

سكتنا كلنا.

أنا قعدت أبص في الأرض.

فجأة موبايل مريم رن.

بصت للشاشة.

رقم مجهول.

رفضت المكالمة.

وبعد ثواني وصلت رسالة.

مدت الموبايل ناحيتي.

الرسالة كانت قصيرة:

"مريم، متقوليليش لوالدك إنك لقيتي الرسالة."

بصيت لها.

"مين بعتلك؟"

قالت:

"معرفش."

وصلت رسالة تانية فورًا:

"هو لازم يعرف الحقيقة… بس مش دلوقتي."

رفعت عيني لمريم.

"مين يعرف الحقيقة؟"

مريم نفسها كانت مرعوبة.

وقبل ما نلحق نفكر، تليفوني أنا رن.

رقم سميرة.

رديت.

مفيش سلام ولا سؤال.

سمعتها بتقول بصوت متوتر:

"إنت لقيت الجواب؟"

اتجمدت.

قلت:

"إنتِ كنتِ عارفة؟"

سكتت.

قلت:

"سميرة… أنا بسألك، كنتِ عارفة إن مراتي كاتبة عنك؟"

صوتها بدأ يرتجف:

"أنا كنت مستنية اليوم ده."

"مستنية إيه؟"

قالت:

"كنت مستنية اليوم اللي تعرف فيه إن أنا مش السبب في كل اللي حصل."

بصيت لمريم.

قلت:

"أمال مين السبب؟"

سميرة سكتت ثواني.

وبعدين قالت جملة خلت الدم يهرب من وشي:

"مراتك نفسها كانت مخبية عليك حاجة… حاجة لو عرفتها، هتغير نظرتك ليها للأبد."

قفلت المكالمة.

مريم بصتلي بخوف.

"بابا… هي تقصد إيه؟"

ما جاوبتش.

لأني لأول مرة بدأت أسأل نفسي سؤال مرعب:

هل كل اللي عشته مع مراتي الأولى كان زي ما أنا فاكره؟

ولا كان فيه جزء من حياتها عمرها ما حكتلي عنه؟

وأنا طول السنين دي…

كنت فاكر إني عارف كل أسرار الست اللي عشت معاها.

لكن الظاهر إن أكتر سر خطير…

كان مدفون في نفس البيت اللي ربّت فيه بنتي.رجعت البيت وأنا ساكت طول الطريق.

مريم كانت قاعدة جنبي، ماسكة الألبوم في حضنها، وأنا حاسس إن بيني وبينها سنين كاملة من الكلام اللي ما اتقالش.

أول ما دخلنا، سميرة كانت واقفة في الصالة.

بصت لمريم، وبعدها بصتلي.

قالت:

"الحمد لله إنك رجعتها."

مريم ما ردتش.

أنا حطيت الألبوم على الترابيزة.

وقلت:

"إحنا محتاجين نتكلم."

سميرة قربت، لكن أول ما شافت الظرف، وشها اتغير.

قالت:

"مش هنا."

رديت:

"لأ… هنا."

قالت بصوت واطي:

"أنت مش فاهم."

قلت:

"يبقى فهميني."

سكتت.

فتحت الظرف وحطيت الرسالة قدامها.

"مراتي كانت عارفة إنك هترجعي لحياتي."

سميرة بصت للرسالة، ودموعها بدأت تنزل.

قالت:

"هي كانت عارفة أكتر مني."

"يعني إيه؟"

قعدت على الكرسي.

وحطت إيديها على وشها.

"أنا ومراتك كنا أصحاب زمان."

اتصدمت.

"إيه؟"

قالت:

"مش مجرد معرفة… كنا قريبين جدًا."

مريم بصتلي باستغراب.

سميرة كملت:

"قبل ما تتجوزها بسنين، أنا وهي كنا بنشتغل في نفس المكان. وكنا أصحاب. وفي يوم حصل موقف… خلانا نبعد عن بعض."

سألتها:

"إيه الموقف؟"

قالت:

"أبويا وقتها كان مريض، وأنا كنت محتاجة فلوس للعلاج. مراتك ساعدتني… من غير ما تقولك."

سكتت لحظة.

"وبعدها لما اتجوزتنيش، أنا زعلت منها ومن الدنيا كلها. افتكرت إنها كانت سبب إنك اخترتها."

قلت:

"بس أنا أصلًا مكنتش اخترت حد… الجواز كان صالونات."

قالت:

"أنا عرفت ده بعد سنين."

مريم كانت ساكتة.

سألت:

"طب ليه كنتِ بتعامليني كده؟"

سميرة بصت لها طويلًا.

"عشان كنت كل ما أشوفك… أفتكرها."

مريم ردت:

"ماما؟"

هزت رأسها.

"آه."

ثم قالت:

"كنت بحس إن وجودك في البيت بيأكدلي كل يوم إن حياتي القديمة راحت، وإنك واخدة مكان أنا كنت بحلم بيه."

سكتت.

ثم بصتلي:

"بس ده مش عذر."

لأول مرة سميرة اعترفت من غير ما تبرر.

قالت:

"أنا غلطت في حقك يا مريم."

مريم ما ردتش.

أما أنا فكنت حاسس إن في حاجة لسه ناقصة.

سألت:

"طيب إيه السر اللي مراتك كانت خايفة أعرفه؟"

سميرة بصتلي.

وبعدين قامت وراحت ناحية شنطتها.

طلعت ظرف صغير.

وحطته قدامي.

"ده عندي من سنين."

بصيت للظرف.

"ليه؟"

قالت:

"لأن مراتك طلبت مني ما أسلمهوش ليك إلا لو حصل شيء معين."

سألتها:

"إيه الشيء؟"

قالت:

"إنك تظلم بنتك بسبب وجودي."

سكت.

مريم قربت مني.

فتحت الظرف.

كان جواه جواب تاني.

لكن المرة دي… الجواب ما كانش من مراتي.

كان من شخص آخر.

وفي أول سطر مكتوب:

"أنا عارف إنك هتستغرب إن اسمي موجود في حياتك بعد السنين دي… لكن لازم تعرف الحقيقة اللي محدش قالهالك."

بصيت لآخر الصفحة.

الاسم كان واضح.

أخو مراتي.

وقتها مريم قالت:

"بابا… مين ده؟"

ما قدرتش أرد.

لأن أخو مراتي كان مسافر من سنين، والعلاقة بينا انقطعت تمامًا بعد وفاتها.

لكن الجواب كان فيه تاريخ مكتوب…

قبل وفاة مراتي بأسبوع واحد فقط.

رفعت عيني لسميرة.

"إنتِ كنتِ بتقابليه؟"

سميرة ما ردتش.

وفي اللحظة دي، موبايلها رن.

بصت للشاشة، وشها شحب.

قلت:

"مين؟"

قفلت المكالمة بسرعة.

لكن الموبايل رن تاني.

المرة دي شفت الاسم بنفسي.

"محمود."

أخو مراتي.

والأغرب…

إنه كان المفروض يكون خارج البلد من أكتر من عشر سنين.فضلت باصص لموبايل سميرة، والاسم لسه ظاهر قدامي:

محمود.

أخو مراتي.

قلت لها:

"ردي."

قالت:

"مش هينفع."

"ليه؟"

"لأنك لو كلمته دلوقتي، كل حاجة هتتغير."

قلت وأنا بحاول أتمالك نفسي:

"أنا أصلًا حياتي اتغيرت من يوم ما ظلمت بنتي."

مريم كانت واقفة بعيد، بتسمع كل كلمة.

وفجأة الموبايل رن للمرة التالتة.

المرة دي أنا اللي مددت إيدي.

لكن سميرة سحبت الموبايل بسرعة.

قالت:

"استنى."

"هتخبي إيه تاني؟"

بصتلي ودموعها في عينيها.

"مش بخبي… أنا بحاول أحميك."

ضحكت بسخرية:

"تحميني من إيه؟ من الحقيقة؟"

سكتت.

وبعدين قالت:

"محمود مش مسافر."

اتجمدت.

"يعني إيه؟"

"هو رجع من سنين."

"فين؟"

سميرة ما ردتش.

قربت منها:

"فين محمود؟"

قالت بصوت خافت:

"كان بيراقب أخبارك من بعيد."

مريم قالت:

"ليه؟"

سميرة بصتلها.

"عشان أختك…"

وسكتت فجأة.

أنا حسيت إن قلبي وقف.

"أختي؟!"

مريم نفسها استغربت.

"أنا معنديش أخت."

سميرة غطت بوقها بإيدها.

واضح إنها قالت الكلمة من غير ما تقصد.

قربت منها خطوة:

"إنتِ قلتي أختك؟"

بدأت تعيط.

"أنا آسفة."

"جاوبيني!"

"مراتك كانت عندها سر."

"إيه السر؟"

قالت:

"قبل ما تتجوزك… كان فيه طفلة."

سكت البيت كله.

بصيت لمريم.

وبعدين رجعت أبص لسميرة.

"طفلة مين؟"

قالت:

"بنت."

مريم قربت مني وهي مش فاهمة.

"بابا… هي تقصد إيه؟"

أنا نفسي ما كنتش فاهم.

قلت:

"فين الطفلة دي؟"

سميرة ردت:

"محمود يعرف."

في اللحظة دي، موبايل سميرة وصلته رسالة.

فتحتها.

وبعدين مدت الموبايل ناحيتي.

الرسالة كانت من محمود:

"كفاية تأجيل. لازم يعرف الحقيقة الليلة."

وتحتها عنوان.

عنوان مكان قريب جدًا من بيتنا.

لكن اللي صدمني أكتر من الرسالة…

إن فيه صورة مرفقة.

صورة قديمة لمراتي الأولى وهي شايلة طفلة صغيرة.

وقفت أبص للصورة كأني شايف شبح.

الطفلة كانت لسه صغيرة جدًا…

لكن في إيدها سوار فضي.

نفس السوار اللي كنت فاكره ضاع من بنتي وهي طفلة.

مريم بصت للصورة.

وبعدين بصت لإيدها.

كانت لابسة نفس السوار.

قالت بصوت مرتعش:

"بابا…"

ما قدرتش أرد.

لأن السؤال اللي جه في دماغي كان أخطر من كل اللي فات:

لو الصورة دي حقيقية… مين الطفلة اللي كانت مراتى شايلها؟

وليه أخوها محمود قرر يظهر دلوقتي بالذات؟

وليه مراتي كتبت في رسالتها إنها خايفة على بنتي مني…

من غير ما تقول الحقيقة كاملة؟

لبست هدومي بسرعة.

مريم قالت:

"رايح فين؟"

قلت:

"رايح أقابل محمود."

سميرة قامت.

"أنا جاية معاك."

بصيت لها.

"لأ."

قالت:

"لازم أكون موجودة."

رديت:

"إنتِ كان عندك سنين عشان تقولي الحقيقة."

سكتت.

"دلوقتي دوري أنا أعرفها."

خرجت أنا ومريم.

لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت سميرة بتقول من ورايا:

"لو محمود قالك إن مريم مش بنتك… متصدقهش."

وقفت مكاني.

لفيت ببطء.

مريم بصتلي بصدمة.

أما سميرة…

فكانت واقفة بتعيط.

وقالت:

"لأن الحقيقة أعقد بكتير من كده."بصيت لمحمود وقلت:

"إنتوا الاتنين عارفين البنت دي فين… وأنا أبوها ومش عارف عنها حاجة؟"

محمود نزل عينه للأرض.

"كنت مستني الوقت المناسب."

صرخت:

"الوقت المناسب؟! بنت عاشت سنين وأنا معرفش إنها موجودة!"

مريم مسكت إيدي.

"بابا… اهدى."

محمود قال بسرعة:

"مفيش وقت للشرح دلوقتي. لازم تروحوا مكان تاني."

"فين؟"

طلع من جيبه مفتاح صغير وحطه قدامي.

"الشقة القديمة بتاعة أختي."

اتجمدت.

"الشقة اللي قفلناها بعد وفاتها؟"

"آه."

"وليه؟"

قال:

"لأن أختك…"

وسكت.

بصيت له.

"مراتي."

هز رأسه.

"آه… لأن أختك كانت سايبة فيها حاجة تخص مريم."

مريم سألت:

"حاجة إيه؟"

محمود رد:

"دفتر."

وصلنا الشقة بعد وقت قصير.

الباب كان عليه تراب، والمكان كله ريحته ذكريات.

دخلت وأنا حاسس إني بدخل بيت مراتي لأول مرة.

مريم كانت ماشية جنبي، وعينيها بتلف في كل ركن.

فجأة وقفت قدام دولاب صغير.

وقالت:

"بابا… ماما كانت بتحط حاجاتها هنا."

فتحت الدرج.

كان فاضي.

لكن مريم لاحظت حاجة تحت الخشب.

قالت:

"استنى."

جابت مفك صغير من المطبخ، ورفعت قطعة خشب رفيعة.

ظهر ظرف بني قديم.

وعليه جملة بخط إيد أمها:

"لمريم… لما تبقى مستعدة تعرف."

مريم بصتلي.

"أنا مستعدة."

فتحت الظرف.

تم نسخ الرابط