ثلاث أطفال
تلات أطفال وقفوا عياط أول ما شافوني، ومدّوا إيديهم ناحيتي وسط مطعم زحمة ونادوني ماما... قبلها ب شهر، المستشفى قالتلي إن ولادي التلاتة ماتوا.
كانوا نفس سن ولادي بالظبط لو كانوا لسه عايشين... وعندهم نفس عينيّ العسلي.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب من أي كابوس.
لما الراجل اللي كان مسؤول عنهم فتح ملفاتي الطبية... اكتشف الحقيقة اللي حصلت في الليلة اللي اتولدوا فيها.
الجزء الأول
يوم الخميس وقت الغدا في مطعم ست الكل في وسط البلد، الدنيا كانت دايمًا مقلوبة.
ملاعق وشوك بتخبط في الأطباق، ماكينة القهوة شغالة من غير ما تهدى، والجرسونات رايحة جاية بين الترابيزات بالعافية، ومن جوه المطبخ صوت الطباخين عالي
أوردر ترابيزة سبعة!
فين الطلب ده؟!
استنوا يا جماعة، كله جاي!
بعد ما اشتغلت هناك تقريبًا سنة، بقيت متعودة على الدوشة لدرجة إني ساعات كنت بحس إني مش سامعاها أصلًا.
لكن اليوم ده، الساعة كانت بالظبط 117 الظهر، وحصل حاجة غريبة.
المطعم ما سكتش تمامًا، بس فجأة حسيت إن كل اللي قاعدين بقوا باصين ناحية باب الدخول.
بصيت وراهم.
وساعتها شوفته.
عمر الشناوي.
في القاهرة، اسمه لوحده كان كفاية يخلي الناس تتكلم.
راجل أعمال كبير، عنده شركات مقاولات ومباني ومحلات وعقارات في كل حتة تقريبًا. وكان فيه ناس بتهزر وتقول
إنت لو مشيت عشر دقايق في القاهرة، أكيد هتعدّي جنب حاجة بتاعة عيلة الشناوي.
دخل المطعم لابس بدلة غامقة شيك، وورا منه تلات رجالة شكلهم كأنهم حرسه.
لكن عمر نفسه ما كانش هو اللي شد انتباهي.
اللي خلّى قلبي يقف لحظة...
كانت عربية الأطفال الضخمة اللي جنبه.
عربية فيها تلات أماكن.
وجواها...
تلات أطفال صغيرين.
اتنين ولاد وبنت.
والتلاتة كانوا بيعيطوا بأعلى صوتهم.
صوت عياطهم خبط في حاجة جوايا.
حاجة كنت بقالي أكتر من سنة بحاول أدفنها.
لفيت وشي بسرعة.
الأطفال كانوا أكتر حاجة اتعلمت إني ما أبصش ناحيتها.
من 14 شهر بس، كنت داخلة مستشفى الرحمة وأنا حامل في تلاتة.
ولدين وبنت.
كنت طول فترة الحمل بتخيل اللحظة اللي هخرج فيها من المستشفى وأنا مرهقة، مش عارفة أنام من التعب، بس من جوايا أسعد واحدة في الدنيا.
كنت متخيلة إني هفضل ماسكة ولادي التلاتة، وأبص في وشوشهم وأقول لنفسي إن كل التعب كان يستاهل.
لكن اللي حصل...
إني خرجت من المستشفى لوحدي.
اسمي سلمى منصور.
عندي واحد وتلاتين سنة، وعايشة لوحدي في شقة صغيرة فوق السطوح في إمبابة.
وبشتغل كل وردية ممكنة عشان أعرف أدفع الإيجار ومصاريفي.
لأن الحزن، مهما كان تقيل...
مش بيدفع فواتير.
وأنا لسه سرحانة في الأطفال، لقيت مديري، حسام رجب، واقف جنبي وماسك تلات منيوهات.
قال من غير مقدمات
ترابيزة 12.
بصيت له باستغراب.
أنا؟
هز راسه ناحية عمر الشناوي.
أيوه، إنتِ. روحي خدي الأوردر.
بصيت حواليّ.
طب ما تبعت حد غيري؟
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
كل الناس فجأة بقى عندها شغل مهم... روحي يا سلمى، والنبي خلصيلي الترابيزة دي.
حسام...
معلش. خديها بس.
ما كانش قدامي حل.
مسكت تلات كوبايات أطفال، وحطيت نوتة الطلبات في جيب المريلة، واتحركت ناحية الترابيزة.
وكل خطوة كنت باخدها، كنت بحس إن في حاجة بتضغط على صدري.
لما قربت منهم، قدرت أشوف الأطفال كويس.
كانوا تقريبًا عندهم سنة وأربع شهور أو خمسة.
نفس السن اللي كان المفروض ولادي يكونوا عليه دلوقتي.
قلت لنفسي
ماله يعني؟
في آلاف الأطفال في السن ده.
مش كل تلات أطفال يبقوا ولادك.
حاولت أقنع نفسي بالكلام ده.
لحد ما واحد من الولاد رفع عينه وبصلي.
كان شعره بني، كيرلي وكثيف، نازل على ودانه.
بصيت لأخوه.
نفس الشعر.
وبعدين للبنت.
نفس الشعر برضه.
حسيت قلبي بدأ يدق أسرع.
لكن اللي جمّدني مكاني كان عينيهم.
عسلي.
مش عسلي عادي.
لون غريب... خليط بين الأخضر والبني، واللون بيتغير مع النور.
نفس لون عينيّ بالظبط.
إيدي اترعشت.
والكوباية اللي كنت ماسكاها كادت تقع من إيدي.
عمر الشناوي لاحظ.
بصلي وقال
إنتِ كويسة؟
رديت بسرعة زيادة عن اللزوم
أيوه... أيوه طبعًا. أنا كويسة.
حطيت الكوبايات على الترابيزة، وأنا بحاول أتحكم في إيدي.
وفجأة واحد من الولاد حرّك رجله وخبط لعبة صغيرة كانت جنبه.
ثعلب قماش برتقالي.
اللعبة وقعت على الأرض.
انحنيت ورفعتها.
ولما حطيتها في حضنه، لقيت نفسي بابتسم غصب عني وقلت
خد يا حبيبي... إوعى تضيع صاحبك تاني.
الطفل فجأة...
سكت.
مش عياطُه هدي تدريجي.
لا.
سكت مرة واحدة.
كأن حد ضغط على زرار.
أخوه لف وبصلي.
وسكت هو كمان.
أما البنت...
رفعت وشها الصغير، ولسه دموعها على خدودها.
وبصت في عيني.
فضلت باصة لي كام ثانية.
ثواني قليلة...
لكن أنا حسيتهم عمر كامل.
حاجة غريبة بدأت توجعني جوا صدري.
حاجة أنا مش قادرة أفهمها.
وفجأة...
البنت رفعت إيديها الاتنين ناحيتي.
وشفايفها اتحركت.
وقالت بصوت صغير متقطع
ماما...
جسمي كله اتجمد.
نفسي انقطع.
حسيت إن الدنيا وقفت حواليا.
بصيت لها وأنا مش قادرة أتكلم.
وقبل ما أستوعب اللي حصل، الولد الأول وقع اللعبة من إيده ومد إيديه ناحيتي.
ماما.
وبعده أخوه.
مد إيديه هو كمان وقال
ماما!
تلات أطفال.
تلات أصوات صغيرة.
ونفس الكلمة...
ماما.
مرة ورا مرة.
ماما...
ماما...
ماما...
إيدي بدأت تترعش بعنف.
الناس اللي حوالينا بطلت تاكل.
شوكة وقعت من إيد واحدة على الطبق.
وواحد من الزباين لف كرسيه عشان يشوف.
وفجأة...
حسيت إن المطعم كله بقى باصص علينا.
وأنا واقفة قدام التلاتة...
مش عارفة أتحرك.
ولا عارفة آخد نفسي.
ولا عارفة ليه الأطفال دول بالذات...
شافوني أنا...
وكأنهم عارفيني من زمان لمتابعه القصه كامله لايك وتعل يقات ب تم هنا وهتنزل القصه في اول تعل يق ومتنساش تصل على الحبيب المصطفى
تلات أطفال وقفوا عياط أول ما شافوني، ومدّوا إيديهم ناحيتي وسط مطعم زحمة ونادوني ماما... قبلها ب شهر، المستشفى قالتلي إن ولادي التلاتة ماتوا.
للحظة، ماقدرتش أتحرك.
كلمة ماما فضلت بتتردد في ودني، كأنها جايّة من مكان بعيد جدًا مكان كنت فاكرة إني دفنته مع أولادي من 14 شهر.
بصيت لعمر الشناوي.
كان واقف مكانه، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.
وشه اللي كان هادي ومتماسك طول الوقت، ظهر عليه توتر واضح.
قرب مني خطوة وقال بصوت منخفض
إنتِ تعرفيهم؟
هززت راسي بسرعة.
لأ.
سكت لحظة، وبعدين قال
متأكدة؟
بصيت للتلات أطفال تاني.
البنت كانت لسه مادّة إيديها ناحيتي.
والولد اللي ماسك الثعلب القماش كان بيحاول يطلع من العربية، وبيمد جسمه ناحيتي بكل قوته.
مديت إيدي من غير ما أفكر.
أول ما لمست إيده
ابتسم.
الابتسامة دي ضربتني في قلبي.
لأنها كانت نفس الابتسامة اللي كنت بتخيلها وأنا نايمة وأنا حامل.
رجعت إيدي بسرعة كأني اتلسعت.
لأ مستحيل.
عمر سألني
إيه اللي مستحيل؟
ما جاوبتش.
لقيت نفسي بسأله
هما اتولدوا إمتى؟
سكت.
بص لي نظرة طويلة.
وبعدين قال
ليه السؤال ده؟
جاوبني.
من حوالي سنة وأربع شهور.
ركبي كادت تخونني.
اتشبثت بطرف الترابيزة.
نفس السن.
نفس العدد.
نفس لون العين.
نفس الشعر.
لكن لسه فيه حاجة واحدة ناقصة.
حاجة لو طلعت صح
يبقى كل اللي عشته خلال الأربعتاشر شهر اللي فاتوا كان كذبة.
قلت بصوت مرتعش
هما اتولدوا فين؟
عمر ما ردش.
ولأول مرة لاحظت إن واحد من رجاله كان ماسك ملف بني كبير.
بص له عمر.
وبعدين قال
مش هنا.
أخد الملف من إيده وفتحه.
قلب كام ورقة بسرعة.
وفجأة وقف.
وشه اصفر.
بص للورقة
وبعدين بصلي.
اسمك الكامل إيه؟
قلت
سلمى منصور.
إيده اتجمدت فوق الورق.
وبصوت شبه الهمس قال
سلمى منصور؟
أيوه.
قلب الورقة ناحية الضوء.
وكان واضح إنه بيقرأ حاجة مكتوبة قدامه.
سألته
إيه اللي مكتوب؟
قفل الملف بسرعة.
وقال
ولا حاجة.
لكن أنا شفت بعيني.
قبل ما يقفله
شفت اسم المستشفى.
مستشفى الرحمة.
حسيت الدم انسحب من وشي.
مديت إيدي وخطفت الملف منه.
اديني ده!
عمر حاول يمنعني، لكني فتحته.
أول ورقة كانت بيانات الأطفال.
ثلاث خانات.
ثلاثة أسماء.
وأمام كل اسم تاريخ ميلاد
نفس اليوم.
نفس الساعة تقريبًا.
إيدي بدأت ترتعش.
قلبت الصفحة.
وهنا شفت حاجة خلتني مش قادرة أتنفس.
في خانة الأم
كان مكتوب
سلمى منصور.
رفعت عيني لعمر.
إنت جبت الملف ده منين؟
ما ردش.
صرخت
إنت جبت الملف ده منين؟!
التلات أطفال بدأوا يعيطوا تاني.
لكن المرة دي
عمر ما بصش عليهم.
كان باصص لي أنا.
وقال جملة واحدة
لأن ولادك ما ماتوش.
الملعقة وقعت من إيدي.
الدنيا كلها لفت حواليا.
قربت منه وأنا مش مصدقة.
إنت بتقول إيه؟
قال
أنا كنت فاكر إنهم ماتوا برضه.
كنت فاكر؟
أيوه.
مين قالك إنهم ماتوا؟
سكت.
قرب منه واحد من رجاله وهمس في ودنه.
عمر بص له، وبعدها رجع بصلي.
وقال
لازم نخرج من هنا فورًا.
مش هتحرك خطوة قبل ما تفهمني.
سلمى، لو فضلتِ هنا خمس دقايق كمان، الناس اللي أخفوا الحقيقة دي ممكن يعرفوا إنك لقيتيهم.
قلبي دق بعنف.
مين الناس دول؟
عمر ما جاوبش.
لكن قبل ما يقفل الملف
وقعت منه صورة صغيرة على الأرض.
انحنيت وخدتها.
كانت صورة قديمة جدًا.
صورة لثلاثة أطفال حديثي الولادة.
وعلى الصورة تاريخ ولادتهم.
نفس التاريخ اللي كنت أنا فيه في مستشفى الرحمة.
لكن الحاجة اللي خلتني أصرخ
إن في خلفية الصورة كانت واقفة ممرضة.
وأنا أعرفها.
أنا شفت وشها قبل كده.
في الليلة اللي قالولي فيها إن ولادي ماتوا.
كانت هي آخر واحدة دخلت أوضتي
وأول واحدة خرجت وهي بتقولي
البقاء لله يا سلمى ولادك ماقدروش يكملوا.
بصيت لعمر وأنا ماسكة الصورة.
الست دي لسه عايشة؟
عمر بص للصورة، وملامحه اتبدلت.
وبصوت مخيف قال
لأ.
سكت لحظة.
ثم أضاف
ماتت من تلات شهور.
اتجمدت.
ماتت