فى سن واحد سبعين سنة

لمحة نيوز

اهتمتش.
لكن دلوقتي...
الكلمة رجعت في ودانها.
بجهز حاجة للمستقبل.
قالت لنادية
أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
نادية أخرجت ظرفًا صغيرًا.
ده اتسلّم لنا من شخص كان بيتعامل مع حسن قبل وفاته.
فتحت سعاد الظرف.
كان فيه مفتاح قديم.
وورقة واحدة مكتوب عليها
لسعاد... لو في يوم لقيتي نفسك لوحدك، افتحي المكان اللي قضيت فيه أول سنة جواز.
سعاد قلبها دق بسرعة.
قالت
ده عنوان شقتنا القديمة.
نادية قالت
بالضبط.
تاني يوم، راحت سعاد للشقة القديمة.
المكان كان مهجورًا من سنين.
دخلت ببطء.
كل حاجة كانت متغطية بطبقة تراب.
الصالون القديم.
المكتبة.
الترابيزة الصغيرة.
لكنها افتكرت إن حسن كان دايمًا بيخبي مفاتيحه في درج معين.
فتحت الدرج.
ما لقتش حاجة.
فتشت تحته.
ولا حاجة.
وقبل ما تخرج، عينها وقعت على صورة قديمة ليها مع حسن.
رفعت الصورة.
ولاحظت إن إطارها من الخلف سميك بشكل غريب.
فكته.
وسقطت ورقة صغيرة على الأرض.
التقطتها.
وكان مكتوب عليها
ال مليون مش صدفة.
سعاد قرأت الجملة مرة.
ثم مرة تانية.
وفجأة سمعت صوت مفتاح بيتحرك في الباب.
اتجمدت مكانها.
الباب اتفتح.
لكن الشخص اللي دخل...
ما كانش كريم.
كان رجل في الستين من عمره.
وقف عند الباب وقال
مدام سعاد؟
قالت بحذر
أيوه.
رفع إيده وفيها صورة قديمة.
وقال
أنا كنت آخر واحد اتكلم مع حسن قبل ما يموت.
سعاد قربت منه.
وإنت تعرف إيه عن جوزي؟
الرجل بص للصورة وقال
أعرف إن حسن كان بيحاول يحميكي من حاجة كبيرة.
سعاد سألت
من إيه؟
الرجل قال
من سر عائلي عمره أكتر من ثلاثين سنة.
وسكت لحظة.
ثم أضاف
وال مليون جنيه كانوا مجرد أول جزء من الحقيقة.
سعاد شعرت إن رجليها ما بقتش شايلة جسمها.
لأنها فهمت إن كل اللي حصل...
من التذكرة...
للبيت...
وللثروة...
يمكن يكون وراه سر أكبر بكتير مما كانت تتخيل.
والرجل مد لها ظرفًا جديدًا وقال
حسن طلب مني أديهولك في اليوم اللي تعرفي فيه قيمة ال مليون.
سعاد بصت للظرف.
وكان على وجهه خط صغير من الكتابة
ما تفتحيهوش إلا وإنتِ لوحدك في صباح اليوم التالي، خرجت أنا وكريم ومعانا نادية.
كنا رايحين للمكان المكتوب في ورقة حسن.
طول الطريق، كريم ما اتكلمش.
وبعد حوالي ساعة، وقفنا قدام بيت قديم تحيطه أشجار عالية.
نزلت من العربية.
بصيت للبيت، وفجأة حسيت إني شفت المكان ده قبل كده.
قلت
أنا كنت بسمع جدي بيتكلم عنه وأنا صغيرة.
نادية قالت
يبقى إحنا في المكان الصح.
الباب الخارجي كان مقفول.
لكن المفتاح القديم فتحه بسهولة.
دخلنا.
البيت كان مليان أثاث قديم، وصور عائلية، وكتب متراصة على الرفوف.
كريم رفع صورة من فوق الترابيزة.
كانت صورة لجدي وجدتي.
وفجأة لقيت ظرف صغير ورا الصورة.
فتحته.
كان مكتوب
إلى سعاد عبدالسلام...
اتجمدت.
قلت
ده بخط جدي.
فتحت الجواب.
يا سعاد، لو وصلتي للمكان ده، يبقى حسن نفذ وعده.
من سنين طويلة، حصل خلاف بين أفراد العيلة على ملكية البيت والأرض اللي حواليه.
أنا رفضت أبيع نصيب العيلة، واحتفظت بالأوراق الأصلية.
حسن كان الوحيد اللي يعرف مكانها.
لو لقيتيها، فهي ملكك أنتِ قانونيًا، بشرط أن تحافظي على حق أولادك وأحفادك.
نادية بدأت تراجع الأوراق الموجودة في صندوق خشبي قديم.
وبعد دقائق، قالت
سعاد... دي مستندات أصلية.
كريم سأل
يعني البيت والأرض بتوعنا؟
نادية ردت
جزء كبير منهم، أيوه.
كريم بص لأمه.
ماما... أنا آسف إني في يوم حسستك إنك مالكيش مكان.
بصيت له وقلت
أهم حاجة إنك ما تكررهاش.
قال
مش هكررها.
في اللحظة دي، لقيت دفتر صغير تحت الأوراق.
فتحته.
وكان فيه حسابات قديمة وتواريخ وأسماء.
وفي آخر صفحة، حسن كتب
لو سعاد وصلت هنا، يبقى لازم تعرف إن ال مليون مجرد بداية.
القيمة الحقيقية مش في الفلوس.
القيمة في إن العيلة ترجع تعرف معنى المسؤولية.
سكتنا كلنا.
كريم قال
بابا كان مخطط لكل ده؟
قلت
يمكن كان بيحاول يسيب لنا طريق نرجع بيه لبعض.
رجعنا البيت في المساء.
لكن المفاجأة كانت مستنيانا هناك.
منى كانت قاعدة في الصالة.
وأول ما شافتني قامت.
قالت
ماما سعاد، أنا محتاجة أعتذر لك.
بصيت لها.
قالت
أنا غلطت لما خليت وجودك في البيت يتحول عندي لمشكلة. كنت مركزة في المصاريف وضغط البيت، ونسيت إنك أم كريم وجدّة أولادي.
قلت
الاعتذار مش عيب يا منى.
دموعها نزلت.
أنا عارفة.
ثم قالت
بس فيه حاجة تانية.
كريم بص لها باستغراب.
قالت
الأولاد سمعوا كلامنا يومها.
أنا سكت.
قالت
ومن وقتها ياسين بيسألني هو لما الواحد يكبر يبقى مالوش مكان؟
الجملة وجعتني.
قلت
لأ يا منى. الواحد لما يكبر بيكون عنده حق أكبر في الاحترام، مش أقل.
وفي اليوم التالي، اتخذت قرارًا جديدًا.
مش هبيع البيت القديم.
ومش هحتفظ بالأرض لنفسي.
هعملها مركز صغير للعيلة، ومكان هادئ لكبار السن، ومكتبة باسم حسن.
أما البيت اللي اشتريته؟
فهيكون بيتي.
بيتي أنا.
من غير ما أكون عبء على حد.
وبعد شهور، اتفتحت المكتبة.
كان أول يوم افتتاح، كريم واقف جنبي.
وأحفادي كانوا بيعلقوا الصور.
ياسين قرب مني وقال
تيتة، أنا عايز لما أكبر أكون زيك.
ضحكت وقلت
ليه؟
قال
عشان ما بتخافيش تبدأي من جديد.
بصيت له وقلت
خلي بالك من حاجة يا ياسين... الفلوس ممكن تشتري بيت، لكن ما تشتريش عيلة.
وبعدين بصيت لكريم.
فهم قصدي.
ومن يومها، بقت علاقتنا مختلفة.
مش كاملة.
لكن حقيقية.
وأنا أخيرًا فهمت إن ال مليون جنيه ما أنقذونيش من الوحدة...
هم بس ادوني الحرية إني ما أقبلش حياة ما تستاهلنيش.
أما حسن، ففضل موجود في كل تفصيلة.
في البيت.
في المكتبة.
في الورد.
وفي كل قرار كنت باخده.
وفي آخر يوم من السنة، وقفت في البلكونة، ماسكة كوب الشاي، وبصيت للسماء.
وقلت
يا حسن... فلوسك وصلتني، لكن رسالتك وصلت أبعد بكتير.
ثم ابتسمت.
لأني لأول مرة من سنين...
كنت عايشة في مكان أقدر أقول عنه بكل ثقة
ده بيتي نكمل، ونكشف السر تدريجيًا مع الحفاظ على القصة من غير خيانة ومن غير الكلمات المحذوفة.
رجعت سعاد بيتها قبل المغرب.
قفلت الباب وراها، وحطت الظرف فوق الترابيزة.
فضلت تبص له دقائق طويلة.
كانت حاسة إن إيدها تقيلة وهي بتمسكه.
وأخيرًا فتحته.
جواه كان فيه جواب بخط حسن.
أول ما شافت الخط، عينيها دمعت.
قرأته
سعاد...
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود.
ومتزعليش إني ما قلتلكيش الحقيقة.
أنا قضيت آخر سنين من عمري وأنا بحاول أأمّن مستقبلك، مش لأني كنت متوقع إني أموت، لكن لأني كنت عارف إن الحياة ممكن تتغير في لحظة.
ال مليون مش فلوس حظ.
التذكرة اللي اشتريتيها كانت جزء من ترتيب عملته قبل وفاتي.
أنا كنت حاطط مبلغ كبير في استثمار قديم باسم العيلة.
ولما المشروع انتهى، كان لازم المبلغ يرجع لصاحبه القانوني.
لكن فيه مشكلة...
الاسم الموجود في الأوراق كان اسم عيلتنا القديم.
وعشان كده، التذكرة اتربطت بالبيانات القديمة.
إنتِ لما اشتريتي التذكرة، ما كنتيش تعرفي إنك بتستخدمي نفس البيانات اللي أنا كنت مسجلها زمان.
ولو وصلتي لل مليون، يبقى خلاص...
المال وصل للشخص الصح.
إنتِ.
سعاد وقفت عن القراءة.
قلبها كان بيدق بسرعة.
كملت
لكن فيه حاجة أهم.
أنا ما سبتلكيش فلوس بس.
أنا سبتلك حق تعرفي أصل عيلتنا.
هتلاقي في الدرج السفلي للمكتبة دفتر أزرق.
خديه للمحامية نادية.
ما تبيعيش أي عقار قديم.
وما تمضيش على أي ورقة تخص العيلة قبل ما نادية تشوفها.
وأهم حاجة...
ما تسمحيش لأي حد يخوفك من حقك.
سعاد حطت الجواب على الترابيزة.
وبصت لصورة حسن.
قالت
كنت عارف إنك مخبي حاجة.
لكنها ما كانتش متخيلة إن السر هيوصل للدرجة دي.
تاني يوم، رجعت للشقة القديمة.
فتحت المكتبة.
فتشت الرفوف.
لحد ما وصلت للدرج السفلي.
كان مقفول.
جربت المفتاح القديم اللي الراجل ادهولها.
الدرج اتفتح.
جواه كان فيه دفتر أزرق.
وصورة قديمة.
ومجموعة أوراق.
رجعت البيت، واتصلت بنادية فورًا.
قالت
لقيت الدفتر.
نادية ردت
ما تفتحيش أي ورقة تانية لوحدك.
في خلال ساعة، كانت نادية عندها.
فتحوا الدفتر.
أول صفحة كان مكتوب فيها
سجل أملاك عائلة عبدالسلام.
وبدأوا يقروا.
بيت.
أرض.
شركة قديمة.
حسابات استثمارية.
ثم ظهر اسم عقار كبير جدًا.
سعاد بصت لنادية.
العقار ده لسه موجود؟
نادية قلبت الصفحات.
أيوه.
ومين مالكه؟
نادية سكتت.
وبعدين قالت
هنا المشكلة.
سعاد سألت
إيه؟
نادية أشارت إلى خانة المالك.
الاسم كان
كريم حسن عبدالسلام.
سعاد اتصدمت.
ابني؟
نادية قالت
الظاهر إن حسن سجّل جزء من الملكية باسم كريم وهو صغير، لكن فيه شروط قانونية مرتبطة بالملكية.
سعاد أخدت نفس طويل.
يعني كريم كان عنده ملكية من غير ما يعرف؟
بالضبط.
لكن في نفس اللحظة، تليفون سعاد رن.
كان كريم.
ردت.
قال
ماما، إنتِ فين؟
في البيت.
محتاج أكلمك في موضوع مهم.
قول.
جالي اتصال من محامي بيقول إن فيه أوراق قديمة باسمي.
سعاد بصت لنادية.
نادية أشارت لها إنها ما تقولش حاجة.
كريم كمل
ماما، هو إنتِ كنتِ تعرفي عن الموضوع ده؟
سعاد سكتت ثواني.
ثم قالت
هقولك كل حاجة لما نتقابل.
كريم قال
أنا جاي لك.
بعد نصف ساعة، وصل.
دخل البيت وهو واضح عليه القلق.
بص لأمه وقال
ماما، أنا مش عايز فلوس.
سعاد اتفاجئت.
أمال عايز إيه؟
قال
عايز أعرف بابا كان مخبي عني إيه.
سعاد بصت لنادية.
ثم قالت
أبوك ما كانش بيخبي عنك حاجة وحشة يا كريم.
أمال ليه ما قالليش؟
لأنه كان بيحاول يحميك.
كريم قعد.
ولأول مرة من فترة طويلة، كان شكله ابنها اللي كانت تعرفه زمان.
مش الرجل اللي قال لها إنها عبء.
قال بصوت منخفض
أنا آسف يا أمي.
سعاد ما ردتش.
فقال
يوم ما طلبت منك تمشي...

تم نسخ الرابط