فى سن واحد سبعين سنة

لمحة نيوز

في سن واحد وسبعين سنة، كسبت 89 مليون جنيه... ولا قلت لحد.
ولا ابني حتى.
لحد ما في يوم، بصلي ابني كريم بمنتهى البرود وقال
يا أمي، إنتِ ناوية تفضلي عندنا لحد إمتى؟ إمتى بقى هتنقلي وتعيشي لوحدك؟
ما اتخانقتش.
ما عيطتش.
ولا حتى سألته أنا عملت لك إيه؟
قمت بهدوء ومشيت.
لكن اللي كريم ما كانش يعرفه...
إن أمه اللي شايفها عبء عليه، كانت في نفس الوقت أغنى مما يتخيل.
وتاني يوم، الساعة 7 ونص الصبح بالظبط، بدأت أخط أول خطوة في حياة جديدة.
أنا اسمي سعاد عبدالسلام، وعندي واحد وسبعين سنة.
من سنتين، جوزي حسن توفى في إسكندرية.
بعد وفاته، كريم أصر إني ما أعيش لوحدي.
قال لي
يا أمي، تعالي اقعدي معانا شوية. لحد ما تبقي أحسن.
صدّقته.
بعت شقتي القديمة، ونقلت أعيش مع كريم ومراته منى وأولادهم في بيتهم في التجمع.
سنتين كاملين وأنا شايلة مسؤوليات البيت.
كنت بجهز الفطار.
أرتب البيت.
أتابع دراسة أحفادي.
أوصلهم لمواعيدهم.
وأساعد منى في كل حاجة تحتاجها.
كنت بديهم وقتي ومجهودي من غير ما أطلب مقابل.
لكن مع الوقت، بدأوا يتعاملوا مع وجودي كأنه شيء مفروض عليهم.
وفي يوم، سمعت منى بتقول لكريم
ماما سعاد محتاجة مكان تعيش فيه لوحدها. إحنا بقينا محتاجين مساحة أكبر.
كنت مستنية كريم يقول
دي أمي.
لكنه سكت.
والسكوت أحيانًا بيكون أصعب من الكلام.
لحد ما جه اليوم اللي قال فيه بنفسه
إمتى هتلاقي لنفسك مكان وتعيشي لوحدك؟
بصيت لحفيديَّ.
كانوا ساكتين ومش فاهمين ليه أبوهم بيتكلم مع جدتهم بالطريقة دي.
قلت بهدوء
عن إذنكم.
ومشيت.
لكن محدش فيهم كان يعرف إن عندي سر كبير جدًا.
من كام شهر، كنت اشتريت تذكرة يانصيب من باب الفضول.
ويوم الاتنين، الساعة 9 و دقيقة الصبح، اكتشفت إن كل الأرقام مطابقة.
89 مليون جنيه.
فضلت قاعدة قدام كباية الشاي وقت طويل.
ما صدقتش.
راجعت الأرقام مرة واتنين وتلاتة.
وبعدها طويت التذكرة وحطيتها في مكان آمن.
ومن يومها، ما قلتش لحد.
لا كريم.
ولا منى.
ولا حتى أقرب الناس ليا.
لأن الفلوس الكتير بتكشف معدن الناس.
وأنا كنت عايزة أعرف معدن ابني من غير ما الفلوس تغيّره.
لكن اللي حصل أكد لي إن المشكلة ما كانتش في الفلوس.
المشكلة كانت في نظرتهم ليا.
في الليلة دي، بعد ما دخلت أوضتي، فتحت كراسة قديمة وكتبت
أولًا محامي.
ثانيًا حماية المبلغ.
ثالثًا حسابات منفصلة.
رابعًا بيت جديد.
وتحتهم كتبت
خامسًا ما أسمحش لأي حد يقرر أنا أعيش إزاي.
تاني يوم، قابلت المحامية نادية منصور.
كانت سيدة هادئة وخبيرة في إدارة الثروات.
قالت لي
حضرتك قلتي لحد؟
قلت
ولا نفس.
قالت
خليه سر لحد ما كل الإجراءات القانونية تخلص.
وفعلًا، بدأت كل حاجة تتم في هدوء.
اتعملت الترتيبات القانونية.
واتأمنت أموالي.
وبدأت أدور على بيت.
لكن مش أي بيت.
كنت عايزة بيت أحس فيه إني رجعت أعيش.
وأخيرًا لقيته.
بيت واسع.
أربع أوض نوم.
جنينة كبيرة.
شجر قديم.
مطبخ واسع.
وبلكونة تدخلها شمس الصبح.
والأغرب...
إن البيت كان هو نفس البيت اللي كريم ومنى كانوا طول الوقت بيتمنوا يعيشوا فيه.
كنت سمعتهم أكتر من مرة بيتكلموا عنه.
لو قدرنا نشتري البيت ده، حياتنا هتتغير.
كنت أسمع وأسكت.
لكن دلوقتي...
أنا اللي هشتريه.
مش علشان أنتقم.
ولا علشان أذل ابني.
لكن علشان أثبت لنفسي إن عمري ما كنت عبء على حد.
اشتريت البيت رسميًا.
والملكية اتسجلت باسم العائلة القديم.
اسم عيلة حسن.
الاسم اللي كريم نفسه نادرًا ما كان بيذكره.
وبعدها حصل شيء أغرب.
رجعت بيت كريم بشكل طبيعي.
ولا قلت لهم أي حاجة.
فجأة منى بدأت تقول
ماما سعاد، تحبي أعملك فطار؟
وكريم بقى يسأل
محتاجة أجيبلك حاجة من بره؟
حتى الأحفاد بقوا يقعدوا جنبي أكتر.
أنا كنت ساكتة.
لكن جوايا سؤال واحد
إيه اللي اتغير فجأة؟
وبعد أسبوع، عرفت.
الساعة 8 و دقيقة الصبح، كنت قاعدة في أوضتي.
دخلت منى من غير ما تخبط.
عينها راحت ناحية ظرف موجود فوق التسريحة.
وبعدين لمحت مفتاح النحاس.
سألتني
إنتِ اشتريتي بيت؟
بصيت لها بهدوء.
وقبل ما أجاوب...
جرس الباب رن.
كريم نزل بسرعة.
منى خرجت من الأوضة.
فتحت الباب.
كان واقف رجل يرتدي بدلة رسمية، وفي يده ملف كبير.
قال
مدام سعاد؟
قلت
أيوه.
مد لي الملف وقال
أنا جاي بخصوص البيت الجديد.
كريم وقف مكانه.
منى بصت للملف.
وفجأة سألت
بيت جديد؟
الرجل رد
أيوه. والبيت اتسجل رسميًا باسم العائلة.
كريم بصلي باستغراب.
ماما... إنتِ اشتريتي بيت؟
ابتسمت لأول مرة من يوم ما قال لي إني أسيب بيته.
وقلت
أيوه يا كريم.
سكت.
وبعدين سأل
وليه؟
بصيت له طويلًا وقلت
علشان لما حد يقول لأمه إمتى تمشي؟ لازم يكون عندها مكان تروح له.
وشه اتغير.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في البيت.
ولا حتى في ال مليون.
المفاجأة كانت في الورق اللي كان جوه الملف.
لأن البيت الجديد ما كانش مجرد بيت اشتريته لنفسي...
كان بداية قرار أكبر بكتير.
قرار هيغيّر مستقبل كريم وأولاده بالكامل.
ولأول مرة...
كريم هو اللي بقى مستني يسمع مني كلمة.
أما أنا، ففتحت الملف بهدوء وقلت
قبل ما تعرفوا أنا عملت إيه... لازم تعرفوا ليه عملته نكمل من هنا، مع الحفاظ على القصة من غير خيانة ومن غير كلمتي حضن أو أحضان
فتحت الملف بهدوء، وحطيته قدام كريم ومنى.
كريم كان واقف مش عارف يقول إيه.
قال
ماما، إحنا مش فاهمين حاجة.
بصيت له وقلت
عشان طول عمركم فاكرين إن اللي معاه فلوس لازم يعلن عنها.
منى قربت من الملف وقالت
هو إيه اللي جوه؟
قلت
مستقبل أولادك.
كريم اتوتر.
يعني إيه؟
فتحت أول ورقة.
كانت عبارة عن مستند قانوني خاص بإدارة جزء من ثروتي.
قلت
أنا مش هديك ال مليون.
كريم نزل عينه.
كنت مستنية أشوف الغضب في وشه.
لكن اللي ظهر كان صدمة.
قلت
ومش هكتب البيت باسمك.
منى قالت بسرعة
بس يا ماما، إحنا عمرنا ما طلبنا منك فلوس.
بصيت لها وقلت
وده أحسن شيء حصل.
سكتت.
كملت
أنا اشتريت البيت لنفسي. هعيش فيه، وأعمل فيه اللي أنا عايزاه. لكن جزء من فلوسي هيتحط في صندوق مخصص لأولادي وأحفادي.
كريم رفع عينه.
أولادي؟
أيوه.
يعني أنا مش هاخد حاجة؟
ابتسمت بحزن.
إنت هتاخد حاجة أهم من الفلوس.
استغرب.
قلت
هتاخد فرصة تتعلم إن أمك مش مصدر فلوس.
فضل ساكت.
وأنا كملت
المصاريف التعليمية لأولادك هتكون مضمونة. علاجهم لو احتاجوا هيكون مضمون. لكن أي مبلغ كبير هيكون مربوط بالتعليم والعمل والمسؤولية، مش بمجرد إنك ابني.
منى بدأت تفهم.
قالت
يعني حضرتك كنتِ مخبية كل ده وإحنا عايشين معاكِ؟
قلت
أيوه.
وليه؟
بصيت ناحية الشباك.
عشان كنت محتاجة أعرف... لو ما كانش معايا جنيه، هل لسه هكون أمكم وجدّتكم؟
ما حدش رد.
حتى كريم ما قدرش يبص في عيني.
بعد لحظات، قال بصوت منخفض
ماما، أنا غلطت.
سكت.
قال
أنا كنت مضغوط بسبب الشغل والبيت والمصاريف، واتكلمت بطريقة وحشة.
قلت
الضغط يفسر الغلط، لكنه ما يمسحوش.
هز رأسه.
عارف.
وقتها دخل حفيدي الكبير، ياسين.
كان واقف عند الباب وسمع آخر جملة.
قال
بابا، هو إحنا هنسيب تيتة تمشي؟
بص كريم له.
وما عرفش يرد.
أما أنا فقلت
أنا مش ماشية علشان أكرهكم.
ياسين قال
طب ليه؟
ابتسمت.
علشان أعيش.
الجملة كانت بسيطة.
لكنها نزلت على كريم كأنها حكم.
بعدها بأسبوع، نقلت لبيتي الجديد.
أول يوم دخلته، فتحت الشبابيك كلها.
دخل الهوا.
ورجعت ريحة الورد في المكان.
حطيت صورة حسن فوق المدفأة.
وحطيت كرسيه المفضل جنب الشباك.
وقلت
يا حسن... أخيرًا رجعت أعيش زي ما كنت بتمنى.
مرت الشهور.
والحاجة اللي ما كنتش متوقعاها حصلت.
كريم بدأ يتغير.
مش لأنه عرف إن عندي فلوس.
لكن لأنه فهم إن الفلوس مش هتخليه يملك قراري.
بدأ يزورني بدون ما يطلب حاجة.
مرة جاب معاه أولاده.
ومرة جه لوحده.
وفي يوم، دخل وهو ماسك ظرف.
حطه قدامي وقال
ده إيه؟
قال
استقلت من الشغل اللي كنت بكرهه، وبدأت مشروع صغير بفلوسي.
بصيت له.
ليه بتحكيلي؟
ابتسم.
عشان أول مرة في حياتي أحس إني عايز أعمل حاجة أقدر أقول لك عليها أنا عملتها بنفسي.
لأول مرة من سنين، حسيت إن ابني بدأ يفهم.
مش معنى إنك تحب أمك إنك تتحكم فيها.
ومش معنى إنها كبيرة في السن إنها فقدت حقها في الاختيار.
ومش معنى إن عندها مال إنها مدينة بيه لحد.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت بعد سنة.
وصلني خطاب من المحامية نادية.
فتحت الخطاب.
وكان فيه قرار جديد أنا نفسي ما كنتش حكيت عنه لكريم.
لقد قررت تخصيص جزء كبير من ثروتي لإنشاء مؤسسة صغيرة تساعد كبار السن اللي اضطروا يبيعوا بيوتهم أو يعيشوا مع أولادهم رغم إنهم مش عايزين.
مساعدة قانونية.
سكن مؤقت.
رعاية.
ومشروعات صغيرة للي يقدروا يشتغلوا.
وفي نهاية الورقة كان مكتوب
المؤسسة باسم حسن عبدالسلام.
قعدت قدام الورقة وقت طويل.
وبعدين ابتسمت.
لأني فهمت أخيرًا إن ال مليون جنيه ما كانواش أعظم حاجة حصلت لي.
أعظم حاجة...
إنهم ادوني فرصة أختار نهايتي بنفسي.
أما كريم؟
ففي يوم افتتاح المؤسسة وقف قدامي وقال
ماما، أنا فخور بيكي.
بصيت له وقلت
وأنا فخورة إنك فهمت الدرس.
سألني
أي درس؟
قلت
إن الأم مش عبء لما تكبر...
لكن أحيانًا الناس هي اللي بتنسى قيمتها.
ومن يومها، بقى بيزورني كل جمعة.
مش علشان ال مليون.
ولا علشان البيت.
لكن علشان يشرب معايا الشاي...
ويسمع حكايات أبوه حسن.
وأنا؟
كنت كل صباح أقعد في البلكونة الجديدة، أشرب شايّي، وأبص على الورد.
وأقول لنفسي
الحياة ممكن تبدأ من جديد... حتى لو عندك واحد وسبعين سنة نكمّل،

تم نسخ الرابط