اخواتي ماتو
ألقى شيئًا من أعلى السلم.
وقع أمام أريام.
كانت صورة جديدة.
أريام التقطتها.
وما إن قلبتها...
حتى سقطت الصورة من يدها.
لأن المكتوب خلفها كان
القاتل الحقيقي كان موجود في جنازة إخواتك... ووقف جنبك أريام فضلت باصة للصورة، ووشها شحب تمامًا.
قلبت الصورة مرة تانية.
نفس المكان...
نفس يوم جنازة إخواتها.
وكانت هي واقفة في المنتصف، ووالدها جنبها، ويامن بعيد شوية بين رجال القبيلة.
لكن في الخلفية...
ظهر شخص واقف خلف أريام مباشرة.
أريام قربت الصورة من وشها.
استنى...
يامن قال
إيه؟
أشارت للصورة بإيد مرتعشة.
الراجل ده...
يامن أخذ الصورة منها.
ولأول مرة، ملامحه اتغيرت.
مستحيل.
إنت تعرفه؟
يامن لم يرد.
أريام صرخت
يامن! تعرفه؟!
قبل ما يجاوب، جاء صوت الرجل من أعلى السلم
أهو بدأ يفتكر.
يامن رفع سلاحه ناحية السلم.
اطلع لو عندك شجاعة.
ضحكة قصيرة جاءت من الظلام.
مش أنا اللي المفروض أطلع.
وفجأة...
انطفأ الضوء تمامًا.
ثم سمعوا صوت باب حديدي بيتقفل.
أريام جريت ناحية السلم، لكن يامن أمسكها.
استني!
إحنا اتحبسنا!
لأ... هو عايزنا نفتكر إننا اتحبسنا.
يامن تحسس الحائط بسرعة، ثم توقف عند نقطة معينة.
ضغط عليها.
صوت تكة صغيرة صدر من الحائط.
وانفتح ممر جانبي.
أريام بصت له بدهشة
إنت كنت عارف الممر ده؟
يامن قال
لا.
ثم نظر للصندوق.
الصندوق هو اللي دلّني عليه.
إزاي؟
أشار إلى أسفل الصندوق.
كان هناك خط محفور حديثًا لم يكن موجودًا قبل دقائق.
ثلاث كلمات فقط
الطريق مش تحت.
أريام فهمت.
يعني الصندوق نفسه خدعة؟
بالضبط.
فتح يامن غطاء الصندوق بسرعة.
كان فاضيًا تقريبًا.
فقط بداخله ظرف أبيض.
أريام أخذته.
على الظرف كان مكتوب
إلى أريام... وحدها.
يامن قال
متفتحيهوش.
أريام ردت
دي المرة دي هفتحه.
فتحت الظرف.
خرجت ورقة واحدة.
وكان مكتوبًا فيها
أريام، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أخوكي الكبير كان عنده حق... أبوكي مش أخطر شخص في الحكاية.
أريام قرأت السطر التالي
أخطر شخص هو الشخص اللي كان بيحميه.
سكتت.
يامن قال
كملي.
نظرت للورقة.
ثم اتسعت عيناها.
لأن آخر سطر كان
ابحثي عن الرجل الذي أنقذ يامن يوم كان اسمه مختلفًا.
أريام رفعت عينيها ليامن.
إنت كان اسمك مختلف؟
يامن ظل ساكتًا.
مين كان اسمك؟
قبل ما يرد...
اشتغل جهاز صغير مخفي في سقف الغرفة.
وصوت مسجل قال
لو عايزين تعرفوا مين قتل إخوات أريام... اسألوا الشيخ خلف عن الاسم الحقيقي ليامن سالم.
أريام التفتت ببطء.
لكن يامن لم يكن ينظر إليها.
كان ينظر إلى مدخل الممر...
لأن شخصًا كان واقفًا هناك.
وشخصية الرجل بدأت تظهر في الضوء الخافت.
أريام شهقت
عمي؟!
الرجل ابتسم.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كان بجانبه رجل عجوز يرتدي جلبابًا أسود.
يامن رفع سلاحه.
الرجل العجوز قال بهدوء
نزّل سلاحك يا يامن...
ثم نظر لأريام وقال
لأن الوقت جه تعرفي مين أبوكي كان بيحميه كل السنين دي أريام بصّت للرجل العجوز، وبعدين لأبوها في الصورة اللي لسه في إيدها.
يعني إيه أبويا كان بيحميه؟
الشيخ العجوز رد بهدوء
أبوكي كان بيحمي شخصًا لو عرفتي هويته، مش هتثقي في أي حد بعدها.
يامن رفع سلاحه
كفاية ألغاز. مين الشخص ده؟
العجوز ابتسم.
أنت عارفه يا يامن.
يامن اتجمد.
أريام بصت له
تعرفه؟
أعرف الاسم... مش الحقيقة كلها.
عمها تدخل لأول مرة
الحقيقة إن أبوكي ما كانش زعيم العصابة اللي الناس فاكرينه.
أريام قالت بغضب
أمال كان إيه؟
عمها اقترب خطوة.
كان بيحاول يخرج من اللعبة.
الشيخ العجوز قال
لكن كل مرة كان يحاول، كان حد بيموت.
أريام بصت ناحية الممر
وإخواتي؟
الصمت نزل على المكان.
عمها قال
إخواتك اكتشفوا حاجة ما كانش المفروض يعرفوها.
إيه؟
اكتشفوا إن شحنات السلاح اللي بتدخل باسم أبوكي... ما كانتش بتتباع للناس اللي هو فاكرهم.
يامن قال
كانت بتروح لجهة تانية.
العجوز هز رأسه.
بالضبط.
أريام قربت منه
لمين؟
قبل ما يرد...
جاء صوت طلقات من خارج الممر.
عمها صرخ
انبطحوا!
يامن جذب أريام خلف الصندوق، بينما العجوز اختفى خلف الحائط.
ثواني...
ثم عمّ الصمت.
يامن تحرك ناحية المدخل بحذر.
لكن وجد ورقة صغيرة مثبتة في الحائط.
أخذها.
قرأها.
وتغير وجهه.
أريام
مكتوب إيه؟
يامن لم يرد.
أريام خطفت الورقة منه.
وكان مكتوبًا
أريام ليست ابنة الشيخ خلف.
اتسعت عيناها.
إيه؟!
يامن حاول يأخذ الورقة منها.
لكنها تراجعت.
يعني إيه مش بنته؟
عمها قال بسرعة
ما تصدقيش الكلام ده!
أريام بصت له
وإنت مالك؟!
ثم جاء صوت الشيخ العجوز من الظلام
لأنها فعلًا مش بنته.
أريام شهقت.
يامن التفت إليه
إنت متأكد؟
العجوز قال
أنا كنت موجود يوم اتولدت.
أريام بدأت دموعها تنزل.
أمال أنا بنت مين؟
العجوز سكت لحظات.
ثم قال
أمك كانت عارفة الحقيقة.
أمي ماتت وهي صغيرة!
عشان كده تركتلك حاجة قبل موتها.
أريام رفعت رأسها.
إيه؟
العجوز أشار للخاتم.
الخاتم اللي في رقبتك مش بتاع أخوكي...
ثم نظر إليها مباشرة.
ده كان بتاع أمك أريام لمست الخاتم بإيد مرتعشة.
بتاع أمي؟!
الشيخ العجوز هز رأسه.
أمك سلمته لأبوكي ليلة اختفائها، وقالت له لو حصل لي حاجة، ما تديهولهاش غير لما تكبر وتكون قادرة تعرف الحقيقة.
أريام بصت لعمها.
وإنت كنت عارف؟
عمها نزل عينيه.
أيوه.
وأبويا؟
كان عارف أكتر مني.
أريام بدأت تبكي
ليه كل الناس كانت عارفة وأنا الوحيدة اللي مش عارفة؟
يامن قال بهدوء
لأن الحقيقة دي كانت ممكن تقتلك.
أريام بصت له بغضب
وإنت كمان كنت عارف؟
يامن سكت.
الصمت كان كفاية.
أريام تراجعت خطوة.
يعني كنت بتراقبني من الأول؟
كنت بحميكي.
من مين؟
قبل ما يرد، الشيخ العجوز قال
من الرجل اللي أمك هربت منه.
أريام سألت
مين هو؟
العجوز قرب منها، لكنه توقف قبل ما يلمس الخاتم.
الاسم موجود جواه.
إزاي؟
افتحيه.
يامن انتبه فجأة.
استنى...
لكن أريام كانت قد نزعت الخاتم.
العجوز قال
اضغطي على الحجر الصغير.
ضغطت.
صدر صوت طقة.
وانفتح جزء دقيق من الخاتم.
سقطت منه قطعة ورق ملفوفة بحجم ظفر الإصبع.
أريام فتحتها.
كان عليها اسم واحد فقط
راشد.
يامن اتجمد.
أريام لاحظت تغير وجهه.
مين راشد؟
يامن قال بصوت منخفض
الاسم ده... كان الاسم الحركي لأخطر رجل في الملف كله.
ومين هو؟
يامن نظر إلى عمها.
عمها قال
الشخص اللي كان أبوكي بيحاول يحميه.
أريام صرخت
مين؟!
قبل أن يجيب أحد...
جاء صوت محرك سيارة من فوق الأرض.
ثم صوت باب يُغلق.
الشيخ العجوز همس
وصل.
يامن رفع سلاحه.
مين؟
العجوز قال
الرجل اللي كنا خايفين يظهر من البداية.
أريام اقتربت من مدخل الممر.
وفجأة سمعت صوتًا تعرفه جيدًا.
صوت والدها.
لكن الشيخ خلف كان واقفًا بجانبها.
أريام تجمدت.
ده... صوت بابا.
يامن نظر إلى الشيخ خلف.
ثم قال
إنت كنت هنا معانا... مين اللي فوق؟
الشيخ خلف لم يجب.
ثم سمعوا الصوت مرة أخرى
أريام... اطلعي يا بنتي.
أريام بدأت ترتجف.
لأن الصوت كان مطابقًا تمامًا لصوت والدها...
لكن والدها كان واقفًا أمامها.
يامن همس
حد بيقلد صوته.
وفجأة جاء صوت ثالث من أعلى السلم
لا يا يامن...
صوت رجل آخر.
ده مش بيقلد صوته... ده هو فعلًا.
الشيخ خلف رفع رأسه ببطء.
وأريام بصت إليه.
بابا... مين اللي فوق؟أكيد، دي النهاية
الشيخ خلف بصّ لأريام، ووشه كان مليان خوف.
أريام... مهما سمعتي، متصدقيش غير اللي هقولهولك.
جاء الصوت من فوق السلم مرة تانية
متسمعيش له يا بنتي!
أريام رفعت رأسها.
بابا... مين اللي فوق؟
الشيخ خلف أخذ نفسًا عميقًا وقال
أخوكِ الكبير.
أريام اتجمدت.
إيه؟!
يامن اندفع ناحية السلم، لكن قبل ما يطلع، ظهر رجل من الظلام.
كان يشبه أخاها فعلًا...
لكن أريام عرفت فورًا إن فيه حاجة غلط.
ده مش أخويا.
يامن نظر إليه، ثم قال
صح.
الرجل ابتسم.
ذكية.
خلع القناع عن وجهه.
كان واحدًا من رجال الشيخ الكبير، وكان قد استخدم تسجيلات قديمة وصوتًا مسجلًا لخداعهم.
لكن الصدمة الأكبر كانت أن الشيخ خلف نفسه لم يكن يعرف مكان أخيها الحقيقي.
أريام التفتت إلى والدها
فين أخويا؟
خلف أخرج ورقة قديمة.
أخوكي ما ماتش يوم الهجوم.
أريام شهقت.
يعني إيه؟
يامن قال
هو اختفى، وإحنا كنا فاكرين إنه مات.
وفجأة سمعوا صوت سيارة تتوقف فوق الأرض.
ثم صوت رجل
أريام!
هذه المرة كان الصوت حقيقيًا.
خرجوا من الممر، وكانت الصدمة...
أخوها واقف أمامهم.
حي.
أريام جريت عليه، وانهارت من البكاء.
إنت عايش!
ضمها أخوها وقال
كنت لازم أختفي عشان أحميكي.
ثم نظر إلى يامن.
وأنت عملت اللي وعدتني بيه.
يامن ابتسم.
اتأخرت شوية.
أخوها قال
المهم إنك وصلت.
الشيخ خلف اقترب منه.
ليه ما رجعتش؟
أخوها رد
لأن اللي قتل إخواتي كان واحد من أقرب الناس لينا.
ثم أخرج هاتفًا يحتوي على تسجيلات وأسماء وحسابات وتحويلات تثبت شبكة تجارة السلاح والخيانات التي كانت تدور حول القبيلة.
كل الأدلة هنا.
يامن أخذ الهاتف.
كده الملف كامل.
وبعد أيام، تم القبض على المتورطين، وانتهت شبكة السلاح التي دمرت عائلات كثيرة.
أما الشيخ خلف، فقرر تسليم نفسه والتحقيق في كل ما حدث، لأنه اعترف أنه أخطأ عندما حاول حماية أسرته بعيدًا عن القانون.
وأريام...
لم تعد البنت الخائفة التي كانت تهرب من اسم أبيها.
وقفت أمام قبر إخوتها بعد انتهاء كل شيء، ووضعت الخاتم فوق شاهد القبر.
وقالت
سامحوني... اتأخرت، بس وعدي ليكم إني مش هسمح لحد يكمل الطريق ده.
وقف يامن بعيدًا ينتظرها.
اقتربت منه وقالت
كنت بتقول إنك تاجر سلاح.
ضحك
وكنتِ مصدقة؟
لأ... بس كنت مستفزة
منك.
وأنا كنت مستفز منكِ برضه.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
ثم نظرت للصحراء وقالت
أخيرًا خلصت الحكاية.
يامن رد
لأ.
أريام بصت له باستغراب.
إزاي؟
أشار إلى الهاتف الذي ما زال في يده.
لأن في اسم واحد في كل الملفات...
سكت لحظة.
اسم صاحب الشبكة الحقيقي لسه مش معروف.
أريام عقدت حاجبيها.
يعني كل اللي حصل ده كان مجرد البداية؟
يامن نظر إلى الأفق.
بالضبط.
وهنا انتهت حكاية أريام الأولى...
لكن الحقيقة التي اكتشفتها بعد ذلك كانت أخطر من كل شيء عرفته من قبل.