كان جوزي
كان جوزي بيرقص مع مراته الثانية الحامل قدام أهله كلهم، والضحكة مالية وشه كأنه خلاص حط نهاية لسنين جوازنا
وفجأة المزيكا وقفت.
وقفت ريناد السيوفي على طرف التراس، وفي إيدها ملف أسود تقيل.
الكل سكت.
ساهر بص لها، وابتسامته اختفت بالتدريج.
لكن ريناد ما عيطتش، وما صرختش.
بصت في عينه بثبات وقالت
أنا مش جاية أعاتبك على قرارك ولا على جوازك أنا جاية أسترد اسمي وحق السنين اللي قضيتها وأنا ببني الشركة دي من الصفر.
الصدمة كانت واضحة على وشوش الجميع.
لأن الحقيقة إن ساهر ما كانش بيخون ريناد.
من سنتين، وبعد مشاكل طويلة بينهم، كان هو وهي اتفقوا إن زواجهم يستمر رسميًا، لكن كل واحد يعيش حياته بطريقته، وساهر اتجوز هنا زواجًا شرعيًا بعلم ريناد وأهل العيلة.
ريناد وقتها اختارت تسكت.
مش ضعفًا
لكن لأنها كانت مقتنعة إن شغلها أهم من كلام الناس.
كانت هي العقل الحقيقي وراء نجاح مجموعة الألفي.
هي اللي بدأت من مكتب صغير.
هي اللي صممت أول فندق.
هي اللي سافرت بين المحافظات عشان تخلص التصاريح.
وهي اللي أقنعت المستثمرين بمشروع الجونة اللي كان الجميع شايفه في البداية مجرد حلم مستحيل.
لكن الليلة دي
اكتشفت إن في حد كان بيحاول يمحو اسمها من كل حاجة.
قبل نص ساعة، كانت ريناد جاية من بيتها في الزمالك لفيلا العيلة في الشيخ زايد، وهي شايلة خبر كانت متأكدة إنه هيقلب حياة الجميع.
التصاميم النهائية لأكبر مشروع سياحي في تاريخ الشركة.
المشروع اللي كان ممكن يضاعف قيمة مجموعة الألفي مرات.
كانت داخلة تعمل مفاجأة لساهر.
لكن المفاجأة كانت مستنياها في الجراج.
لمحت عربية ساهر السوداء.
وعربية والدته نيرة هانم.
وعربية هنا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت لنفسها
واضح إن العيلة كلها متجمعة.
دخلت من الباب الجانبي.
وفي اللحظة اللي وصلت فيها للتراس، شافت ساهر بيرقص مع هنا وسط العيلة.
هنا كانت حامل، والجميع فرحان بالمولود المنتظر.
نيرة هانم رفعت كأس العصير وقالت
ربنا يتمم بخير ويبارك في حفيد الألفي.
صفق الجميع.
وريناد وقفت بعيد.
لم تكن غاضبة من هنا.
ولا من الطفل.
ولا حتى من ساهر.
لكنها كانت تراقب شيئًا آخر.
الملف الموجود فوق الطاولة.
ملف عليه شعار الشركة.
تقدمت بخطوات هادئة.
وفجأة سمعت نيرة هانم تقول لساهر
المهم تخلص موضوع القروض قبل بداية المشروع الجديد. البنوك مستنية توقيع مجلس الإدارة.
ساهر رد
اطمني يا أمي. كل حاجة تحت السيطرة.
ريناد وقفت مكانها.
لأنها كانت تعرف أن الجملة دي مستحيل تكون صحيحة.
فهي نفسها كانت مسؤولة عن الملف المالي.
وآخر قرار أصدرته كان واضحًا
ممنوع توقيع أي التزام مالي جديد قبل مراجعة العقود.
اقتربت أكثر.
فلاحظت ورقة على الطاولة.
سحبتها بهدوء.
وقرأت أول سطر.
اتسعت عيناها.
كان عقد تمويل ضخم باسم الشركة
وتحته توقيع يشبه توقيعها تمامًا.
رفعت ريناد عينيها ناحية ساهر.
وقالت بهدوء
مين اللي مضى العقد ده؟
ساهر اتجمد.
نيرة هانم حاولت تاخد الورقة منها، لكن ريناد سحبتها بعيدًا.
سيبي الورقة يا ريناد.
ريناد ابتسمت.
ليه؟
نيرة قالت بعصبية
دي أمور شركة، وإنتِ مش ناقصة مشاكل الليلة دي.
ريناد ردت
بالعكس أنا جاية مخصوص عشان أحل أكبر مشكلة في الشركة.
ساهر اقترب منها.
ريناد، مش وقت الكلام ده.
فتحت الملف الأسود الذي كانت تحمله.
وأخرجت منه مجموعة مستندات.
وضعتها أمامه.
بالعكس يا ساهر ده أنسب وقت.
نظر إلى الأوراق.
ثم تغيّر لون وجهه.
كانت مستندات من البنك.
تقارير قانونية.
ونسخة أصلية من عقد تأسيس الشركة.
وآخر ورقة
كانت أخطر واحدة.
رفعتها ريناد أمام الجميع وقالت
قبل ما حد يفرح بالمشروع الجديد لازم يعرف إن الشخص اللي حاول يرهن الشركة كلها من ورايا ارتكب غلطة واحدة.
ساهر ابتلع ريقه.
غلطة إيه؟
اقتربت منه ريناد وقالت
إنه نسي إن كل توقيعاتي موجودة عند محامي الشركة وإن التوقيع اللي في العقد ده مزور.
ساد الصمت.
هنا وضعت يدها على بطنها بقلق.
نيرة هانم قالت بسرعة
إنتِ بتتهمي مين؟
ريناد بصت لها.
لسه ما اتهمتش حد.
ثم أضافت
بس عندي سؤال واحد.
لفتت نظرها إلى ساهر.
مين اللي كان عايز يبيع الشركة اللي أنا بنيتها بإيدي ويخليني أنا المسؤولة عن ديونها؟
ساهر لم يرد.
وفي اللحظة دي
رن هاتف ريناد.
نظرت إلى الشاشة.
كان المتصل هو محامي العائلة.
ردت.
جاءها صوته المرتبك
مدام ريناد لازم تيجي المكتب فورًا.
سألته
ليه؟
صمت لثوانٍ.
ثم قال
لقينا حاجة أخطر من موضوع التوقيع المزور.
ريناد عقدت حاجبيها.
إيه؟
قال بصوت منخفض
حد غيّر ملكية جزء كبير من أسهم الشركة من غير علمك.
ريناد رفعت عينيها ببطء نحو ساهر.
وفي نفس اللحظة
ابتسم ساهر ابتسامة غريبة.
كأن الخبر لم يكن مفاجأة له.
وهنا فقط فهمت ريناد
إن حكاية التوقيع المزور كانت مجرد البداية خرجت ريناد من الفيلا من غير ما تستنى رد من أي حد.
لكن قبل ما توصل لعربيتها، سمعت صوت ساهر وراها
استني يا ريناد.
وقفت.
ما بصتش له.
قال وهو بيقرب
إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
ضحكت بسخرية وقالت
أنا بقالي خمس سنين بفهم في العقود والأرقام والصفقات مش هبدأ أفهم غلط النهارده.
ساهر سكت.
ريناد لفتت له أخيرًا.
أنا مش زعلانة إنك اتجوزت هنا. أنا كنت عارفة ووافقت، والولد اللي جاي ملوش ذنب في أي حاجة.
اتنهدت، ثم رفعت الملف.
أنا زعلانة إن في حد حاول يستخدم اسمي في حاجة أنا ما وافقتش عليها.
ساهر مد إيده للملف.
اديني المستندات.
رجعت ريناد خطوة.
ليه؟
عشان أشوف مين عمل كده.
الغريب إنك أول واحد المفروض أسأله.
تجمد ساهر.
قبل ما يرد، رن هاتفه.
بص للشاشة.
كان مدير البنك.
رد بسرعة.
أيوه؟
ثواني قليلة، وملامحه اتغيرت.
إيه؟!
ريناد ركزت معاه.
ساهر أنهى المكالمة وقال
البنك وقف كل الإجراءات.
ريناد ابتسمت.
طبيعي.
طبيعي إزاي؟
فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة صغيرة.
لأني من الصبح كنت حاطة تنبيه قانوني يمنع أي عملية نقل ملكية أو رهن للأسهم من غير توقيعي الشخصي.
ساهر بص لها بدهشة.
إنتِ كنتِ شاكّة؟
ردت بهدوء
من حوالي شهر.
في مين؟
ريناد لم تجبه.
ركبت عربيتها، وقبل ما تقفل الباب قالت
هتعرف.
ثم انطلقت.
وصلت مكتب المحامي بعد أقل من عشرين دقيقة.
كان المحامي منتظرها ومعاه ملف ضخم.
أول ما دخلت، قال
مدام ريناد اللي لقيناه مش مجرد تزوير توقيع.
جلست أمامه.
اتكلم.
فتح الملف.
حد حاول يعمل شركة جديدة بنفس اسم مجموعة الألفي تقريبًا، ونقل إليها عقود مشروع الجونة.
ريناد اتصدمت.
يعني إيه؟
يعني لو المشروع نجح، الأرباح كانت هتروح للشركة الجديدة.
سكتت لحظة.
ثم سألت
ومين صاحب الشركة الجديدة؟
المحامي دفع ورقة ناحيتها.
ريناد قرأت الاسم.
وتجمدت.
لأن الاسم لم يكن اسم ساهر.
ولا اسم والدته.
ولا اسم هنا.
كان اسم شخص لم يخطر على بالها إطلاقًا.
والدها.
رفعت عينيها ببطء.
بابا؟!
المحامي هز رأسه.
الاسم باسمه فعلًا لكن هو نفسه مش موقّع.
ريناد وقفت.
يبقى حد استخدم اسمه هو كمان.
قال المحامي
بالضبط.
رن هاتف ريناد.
كان رقم والدها.
ردت فورًا
بابا، إنت عامل شركة جديدة؟
جاء صوته مرتبكًا
شركة إيه يا ريناد؟ أنا معرفش حاجة!
سكتت.
ثم سألها بصوت خافت
مين قالك الكلام ده؟
المحامي.
صمت والدها ثواني.
ثم قال
ريناد متروحيش الفيلا تاني.
قلبها دق بسرعة.
ليه؟
قال
لأني افتكرت حاجة.
إيه؟
من شهر تقريبًا، جالي شخص وقال إنه من طرف ساهر وطلب مني أمضي على شوية أوراق تخص المشروع.
ريناد شعرت ببرودة في أطرافها.
ومضيت؟
مضيت على ورقة واحدة بس.
مين كان الشخص؟
والدها قال اسمًا واحدًا.
ريناد لم تتوقعه.
أخو ساهر الأصغر أدهم.
في نفس اللحظة، وصلتها رسالة على هاتفها.
رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة لورقة من داخل مكتب الشركة.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين بيحرك الكل من ورا الستار ارجعي للفيلا قبل الساعة عشرة.
ريناد بصت للساعة.
كانت التاسعة وأربعين دقيقة.
بصت للمحامي.
اتصل بالشرطة لو اتأخرت.
ثم أخذت حقيبتها وخرجت.
لكنها لم تكن تعرف
أن الشخص الذي أرسل لها الرسالة كان واقفًا بالفعل داخل الفيلا.
وكان ينتظر وصولها.
وعندما دخلت ريناد من البوابة
سمعت صوتًا من الظلام يقول
أخيرًا جيتي.
استدارت بسرعة.
لكنها لم تجد أحدًا.
ثم أضاءت أنوار الحديقة فجأة
وظهر أدهم واقفًا أمامها، وفي إيده ملف قديم.
قال
قبل ما تتهمي أخويا لازم تعرفي الحقيقة اللي عيلتنا مخبياها عنك من خمس سنين.
فتحت ريناد عينيها بدهشة.
حقيقة إيه؟
أدهم مد لها الملف.
الحقيقة إن جوازك من ساهر ما بدأش زي ما إنتِ فاكرة.
وقبل ما تفتح الملف
خرج ساهر من خلفه وقال بصوت غاضب
أدهم إياك تديها الملف ده.
ريناد بصت بين الاثنين.
ثم مدت إيدها ببطء نحو الملف.
وقالت
دلوقتي بالذات أنا لازم أشوفه ريناد مدت إيدها ناحية الملف.
لكن ساهر سبقها وخطفه من إيد أدهم.
قلتلك محدش يفتح الملف ده!
ريناد بصت له بذهول.
ليه؟
ساهر سكت.
أدهم ضحك بمرارة.
عشان لو فتحته كل اللي بناه ساهر من خمس سنين هيقع.
ريناد قربت منهم.
أنا مش فاهمة حاجة.
أدهم بص لساهر وقال
قولها.
ساهر صرخ
اسكت يا أدهم!
لكن ريناد كانت خلاص فقدت صبرها.
إنتوا هتفضلوا تتخانقوا قدامي كتير؟ اديني الملف.
ساهر ظل ممسكًا به.
ريناد قالت بهدوء مخيف
لو ما اديتهوليش دلوقتي، هاعتبر إنك موافق إن المحامي يفتحه قدام الشرطة.
ساهر بص في عينيها.
وببطء
سلّمها الملف.
فتحت ريناد أول ورقة.
كانت صورة من عقد زواجها.
لكن تحت العقد كان فيه مستند آخر بتاريخ أقدم من زواجها بسنة.
قرأت السطر الأول.
إقرار بالتنازل عن نسبة من ملكية المشروع لصالح شركة الألفي للاستثمار.
ريناد قطبت حاجبيها.
إيه ده؟
أدهم قال
ده العقد اللي بدأ منه كل شيء.
قلبت الصفحة.
فوجئت بتوقيع والدها.
ثم توقيع ساهر.
ثم توقيع شخص ثالث.
توقفت عند الاسم.
نيرة الألفي.
رفعت عينيها ناحية والدة ساهر.
كانت واقفة بعيدًا، وملامحها تغيرت تمامًا.
ريناد قالت
ماما نيرة كانت شريكة في المشروع من البداية؟
أدهم هز رأسه.
مش شريكة.
سكت.
ثم قال
هي كانت صاحبة الفكرة.
ريناد ضحكت من الصدمة.
فكرة إيه؟
أدهم اقترب.
المشروع اللي إنتِ فاكرة إنك بنيتيه لوحدك.
ساد صمت ثقيل.
ريناد بصت لساهر.
يعني إيه؟
ساهر أخيرًا تكلم
ريناد أنا كنت عايز أحميكي.
صرخت لأول مرة
تحميني من إيه؟!
قال
من إنك تعرفي إن والدك كان مديون.
تجمدت.
بابا؟
أيوه.
وإيه علاقة ده بالمشروع؟
ساهر أخد نفسًا عميقًا.
والدك كان داخل في مشروع كبير وفشل. وكان عليه ديون ممكن تضيع كل أملاكه.
ريناد بدأت تستوعب.
وإنت؟
أنا سددت جزء كبير من الديون.
مقابل إيه؟
ساهر لم يرد.
أدهم قال
مقابل إن ريناد تدخل شريكة في مجموعة الألفي.
ريناد هزت رأسها.
أنا مش فاهمة.
أدهم قال
أبوك وافق على الشراكة، لكن بشرط واحد.
إيه؟
نظر إلى ساهر.
إنك تتجوزيه.
ريناد اتجمدت.
إيه؟!
ساهر قال بسرعة
لكن الجواز ما كانش صفقة!
ريناد بصت له.
يبقى كان إيه؟
ساهر اقترب منها.
أنا كنت بحبك قبل الجواز.
سكتت.
وأبوك كان عارف إني بحبك، لكن الاتفاق ده كان وسيلة تحمي بيها شركتك وشركته من الانهيار.
ريناد رجعت خطوة.
كل ذكرياتها مع ساهر بدأت تمر قدام عينيها.
أول مرة قابلته.
أول مشروع اشتغلوا عليه.
كل مرة وقف جنبها.
كل مرة كانت تفتكر إنه ساعدها لأنه زوجها
لكن الحقيقة كانت أعقد بكثير.
فجأة، رن هاتف أدهم.
بص للشاشة.
ثم قال
المحامي بيتصل.
رد.
ثوانٍ قليلة فقط
وبدأت ملامحه تتغير.
إيه؟
سكت.
ثم نظر إلى ريناد.
المحامي بيقول إن في حد دخل على النظام البنكي للشركة من عشر دقايق.
ريناد سألت
مين؟
أدهم قال
الحساب اللي اتحول منه مبلغ التمويل اتفتح باستخدام كلمة السر الخاصة بيكي.
ساهر صُدم.
مستحيل.
لكن ريناد لم تتكلم.
لأنها كانت بدأت تفهم.
الموضوع لم يكن مجرد تزوير.
حد كان يستخدم اسمها
وحساباتها
وتوقيعاتها
والمشروع كله.
والأخطر من كده
إن الشخص ده كان قريبًا منهم جدًا.
رفعت ريناد رأسها.
وقالت
هاتولي تسجيلات كاميرات الشركة.
أدهم سأل
ليه؟
ردت
لأن اللي عمل كده لازم يكون دخل المكتب بنفسه.
ثم نظرت إلى ساهر.
ولو طلع حد من العيلة أنا مش هسكت.
وفجأة
جاء صوت نيرة هانم من خلفهم
متدوريش كتير.
الجميع التفت إليها.
كانت واقفة وملامحها هادئة بشكل مخيف.
وقالت
أنا عارفة مين عمل كل ده.
ريناد اقتربت منها.
مين؟
نيرة ابتسمت ابتسامة غامضة.
الشخص اللي طول عمرك فاكرة إنه واقف في صفك.
ثم أشارت ببطء
نحو ساهر ريناد بصت ناحية ساهر، وكأنها لأول مرة تشوفه بالشكل ده.
ساهر؟
نيرة هانم كررت كلامها
هو أكتر واحد كان عارف كل حاجة.
ساهر اتقدم خطوة.
ماما، كفاية.
ريناد رفعت إيدها تمنعه.
خليه يتكلم.
ساهر سكت.
أدهم قال
أنا حذرتك يا أخويا. كان لازم تعرفها من زمان.
ريناد بصت لساهر.
قول الحقيقة.
ساهر أخيرًا قال
أيوه أنا كنت عارف إن في حد بيحاول ينقل الأسهم.
ريناد شهقت.
وعرفت إمتى؟
من شهر.
وسكت؟
كنت بحاول