جوزى سافر المصيف حكايات توتا

لمحة نيوز

المحامي سامي.
قال
رانيا، العقد الأصلي معايا.
قلت
تمام.
قال
لكن فيه حاجة جديدة.
إيه؟
وصلني استدعاء رسمي بخصوص الأرض.
سألته
من مين؟
قال
من شركة عايزة تشتري الأرض.
سألته
اسمها؟
ذكر الاسم.
كان نفس اسم الشركة اللي كانت التحويلات بتروح لها.
شركة عمّي.
قلت
يعني بدأ يتحرك رسميًا.
قال
أيوه.
قفلنا المكالمة.
بصيت لمحمود.
خلاص.
إيه؟
بدل ما ندافع عن نفسنا، هنثبت كل حاجة.
رجعنا الفيوم.
وفي اليوم التالي، قدمنا كل المستندات للجهات المختصة.
كشوف الحساب.
سجل الدخول للملف.
التوقيع المزور.
العقد الأصلي.
والفلاشة اللي فيها الأدلة.
وبعد أيام، ظهرت الحقيقة.
الورقة اللي كان عليها توقيعي كانت مزورة.
والتحويلات المالية لم تكن من محمود.
وكان فيه أكثر من شخص متورط في استخدام بياناتنا.
أما عمي...
فاضطر يواجه التحقيقات، وتوقفت كل إجراءات نقل الأرض.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت من المحامي.
قال لي
أبوكي كان أذكى مما تتخيلي.
ليه؟
ابتسم وقال
قبل وفاته، كان سجل جزءًا كبيرًا من الأرض باسمك، وترك تعليمات تمنع أي بيع أو تنازل بدون موافقتك الشخصية.
بصيت لمحمود.
ثم للأرض اللي قدامي.
وفهمت إن أبويا كان بيحميني حتى بعد رحيله.
أما محمود...
فبعد كل اللي حصل، رجع البيت واعتذر لي وللولاد.
واتفقنا إن أي حساب مالي من اليوم ده لازم يكون واضح ومشترك، وكل واحد يحترم خصوصية التاني.
وبعد كام أسبوع، رجعنا الفيوم مرة تانية.
لكن المرة دي مش عشان نهرب من مشكلة.
كنا رايحين نبدأ موسم حصاد الدرة السكري.
محمود وقف وسط الأرض وقال
فاكرة لما قلت لك إن شوية شغل هيفيدك؟
بصيت له وابتسمت.
فاكرة.
قال
طلعت أنا اللي محتاج أتعلم.
ضحكت.
ووقتها عرفت إن الدرس الحقيقي ماكانش في الأرض.
كان في إن الإنسان لازم يعرف قيمة اللي في إيده...
وقيمة الشخص اللي واقف جنبه.
والأهم من كل ده
إن الثقة لو اتكسرت، ممكن تتصلح... لكن لازم الأول الحقيقة كلها تظهر أكيد، دي نهاية أقوى ومقفولة للحكاية، ومن غير خيانة أو الكلمات اللي طلبتي إزالتها
بعد شهور من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
ثبت إن عمي كان بيحاول يستغل ارتفاع قيمة الأرض بعد المشروع الجديد، وإنه استعان بأشخاص لتغيير بعض البيانات واستخدام مستندات غير صحيحة.
أما محمود، فثبت إنه أخطأ فعلًا لما حاول يتصرف في بيانات رانيا المالية من غير إذنها، لكنه ماكانش طرفًا في تزوير عقد الأرض.
ورانيا استردت كل حقوقها، واتأكد رسميًا إن عقد والدها الأصلي سليم، وإن الأرض ملكها ولا يجوز التصرف فيها إلا بموافقتها.
أما الفلوس اللي خرجت من حسابها، فقد تم إيقاف التعاملات المشبوهة، وبدأت الإجراءات لاسترداد المبالغ.
وبعد كل اللي حصل، رجعت رانيا الفيوم.
وقفت وسط أرض أبوها، وبصت للدرة السكري وهي بتتجهز للحصاد.
محمود وقف جنبها وقال
أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية.
رانيا ردت بهدوء
الاعتذار بداية، لكن اللي يرجع الثقة هو التصرفات.
هز رأسه.
وأنا مستعد أثبت لك ده كل يوم.
بصت لأولادها، لقت يوسف وليان بيضحكوا وهما بيساعدوا العمال في تجهيز المحصول.
ابتسمت.
وقالت
أهم حاجة عندي إن ولادنا يتعلموا إن مفيش بيت يعيش بالكلام لوحده... البيت محتاج احترام وصدق ومسؤولية.
محمود قال
وأنا اتعلمت الدرس.
رانيا بصت للأرض وقالت
وأنا كمان.
لأنها اكتشفت إن الأرض اللي كانت فاكرة إنها مجرد ورث من أبوها...
كانت في الحقيقة آخر أمانة تركها لها.
وأبوها كان مخطط يحميها من أي شخص يحاول استغلالها، حتى بعد رحيله.
ومن يومها، رانيا قررت تدير الأرض بنفسها.
وساعدت أهل المنطقة في تسويق المحصول، وبدأ المشروع يكبر سنة بعد سنة.
أما محمود، فغيّر طريقته تمامًا في التعامل مع فلوس البيت، وبقى كل شيء واضحًا بينهما.
وبعد سنة، في نفس يوم الحصاد، وقفوا وسط الأرض.
محمود ابتسم وقال
فاكرة أول يوم؟
رانيا ضحكت
يوم ما سبتني وقلت لي شوية شغل هيفيدك؟
قال
أيوه.
ردت
بصراحة... الشغل فادني فعلًا.
استغرب
إزاي؟
قالت وهي بتبص لأولادها
علّمني إن اللي يستهين بحاجة، ممكن يكتشف بعدين إنها أغلى حاجة عنده.
وسكتت لحظة.
ثم قالت
والأهم إن اللي يحافظ على حقه، مايبقاش ظالم... يبقى عارف قيمة تعبه.
رفع محمود عينه للأرض وقال
وأرض أبوكي؟
ابتسمت رانيا
دي مش أرض أبويا بس.
أمال إيه؟
قالت
دي أمانة لأولادي.
ومشت ناحية يوسف وليان.
وفي اللحظة دي، كانت الشمس بتغرب فوق أرض الفيوم، والدرة السكري بتتجمع في صفوف طويلة.
رانيا وقفت تبص للمشهد، وحست لأول مرة إن كل اللي حصل انتهى فعلًا.
لا سفر.
ولا فاتورة فندق.
ولا أوراق مزورة.
ولا أسرار.
بس عيلة اتعلمت درس صعب...
إن الفلوس ممكن تتعوض، والأرض ممكن تتحافظ عليها، لكن الثقة لما تتكسر محتاجة وقت وصدق وأفعال عشان ترجع.
ومن يومها...
بقت رانيا هي المسؤولة عن الأرض.
وبقى محمود أول واحد يساعدها في موسم الحصاد.
أما جملة
شوية شغل هيفيدوكي إنتي كمان
ففضلت ذكرى بتضحكهم كل سنة...
لأن رانيا فعلًا استفادت.
لكن مش من حصاد الدرة بس...
استفادت إنها عرفت قيمة نفسها، وقيمة تعبها، وقيمة الأمانة اللي أبوها سابها لها.

تم نسخ الرابط