المارينز
المارينز رموا مجندة في هجوم كلب حراسة من غير ما يعرفوا إنها هي اللي ربّت كل الكلاب هناك!
البوابة اتفتحت بعنف بصوت معدني دوّى في ساحة التدريب كلها.
وفجأة، رينجر خرج منها زي الصاروخ.
كلب مالينوي بلجيكي وزنه حوالي 90 رطل، عضلات وسرعة وتدريب عسكري سنين، اندفع بكل قوته ناحية الجندية إلينا كروز.
كفوفه كانت بتشق الحصى، والتراب بيتطاير وراه، وسنانه ظهرت وهو بياخد وضعية مرعبة لحيوان متدرب إنه يقفل المسافة بينه وبين أي شخص في ثواني.
ورا السور الحديدي المقوّى، كان المارينز واقفين بيتفرجوا من غير ما حد يتحرك.
كان الرقيب أول كيلرمان واقف أقرب واحد للبوابة، فكه مشدود وذراعيه متقاطعين.
جنبه كان فيه اتنين من مدربي كلاب ال، وكام مدرب تاني، ومجموعة من المجندين اللي اتجمعوا يتفرجوا على اللي كيلرمان سماه اختبار تحمّل تحت الضغط.
لكن الكل كان عارف الحقيقة.
دي كانت اختبار.
كانوا عايزين إلينا أخيرًا تتفاعل.
عايزين يشوفوا خوف، ذعر، أي رد فعل يثبت إنها في الآخر إنسانة زي أي حد.
لكن إلينا فضلت واقفة لوحدها في نص الساحة، وبصت لرينجر وهو بيجري ناحيتها بأقصى سرعته.
ماجريتش.
ما رفعتش إيديها.
ماصرختش.
وساعتها تحديدًا، كيلرمان حس لأول مرة بحاجة باردة بتتسلل لجواه.
الشك.
قبل تلات أيام بس، كان فاكر إنه فاهم إلينا كروز.
دلوقتي بدأ يتساءل
هو فعلًا فاهمها؟
قبل كده بأسبوعين، وصلت إلينا لجزيرة باريس زي آلاف المجندين اللي جم قبلها.
باب الأتوبيس اتفتح، والأسماء اختفت، وشخصياتهم اختفت معاها تحت الأوامر والصوت العالي والزي الموحد والإرهاق والعرق والانضباط.
كانت علامات البداية مستنياهم.
وكذلك مدربي التدريب.
إلينا كانت بتنفذ كل أمر.
ودي كانت أول حاجة غريبة فيها.
معظم المجندين بييجوا وهم شايلين حاجة واضحة عليهم.
توتر.
فخر.
حيرة.
خوف.
وأحيانًا غرور.
لكن إلينا ماكانش باين عليها أي حاجة من دول.
لما حد كان بيصرخ في وشها على بُعد سنتيمترات، كانت بتركز في الكلام نفسه بدل ما تتأثر بعلو الصوت.
ولما غيرها كان بيتلخبط في التشكيلات، إلينا كانت بتصحح نفسها قبل حتى ما المدربين يلاحظوا.
ماكانتش الأسرع.
ولا الأقوى.
هي بس كانت بتستحمل.
وده كان مضايق كيلرمان أكتر بكتير من لو كانت ضعيفة.
فزوّد عليها الضغط.
جري أطول.
تدريبات أصعب.
تكرارات زيادة.
وقت راحة أقل.
وتوبيخ شديد على أخطاء كان بالكاد بياخد باله منها مع غيرها.
لكن ردها ماكانش بيتغير.
حاضر يا رقيب أول.
بعد الأسبوع التاني، المجندين بدأوا يتهامسوا.
بعضهم افتكر إنها كانت في الخدمة قبل كده.
وغيرهم شك إنها اتدربت في الشرطة أو في جهة أمنية.
إلينا تجاهلت كل ده.
ولما حد سألها هي جاية منين، قالت
ساوث كارولاينا.
سألوها
وكنتِ بتشتغلي إيه قبل ما تيجي هنا؟
قالت ببساطة
مع الحيوانات.
الإجابة دي فتحت أسئلة أكتر ما جاوبت.
وبعدين كيلرمان لاحظ حاجة تانية.
إلينا كانت بتظهر بشكل متكرر حوالين منشآت كلاب ال.
المنطقة الممنوعة كان فيها الكلاب العاملة، وكمان كلاب أكبر سنًا، وكلاب متقاعدة، وكلاب مؤقتًا مش بتشارك في التدريبات العادية.
كتير من الكلاب دي كانوا شاركوا في مهمات خارج البلاد، وشافوا ضرب نار وانفجارات وأعمال شغب وتفتيش عربيات ودوريات بالليل وحتى مواقف قتالية.
وبعضهم رجع من المهام وهو صعب التعامل معاه.
ورينجر كان واحد منهم.
أول مرة كيلرمان شاف إلينا واقفة جنب السور، افتكر إنها صدفة.
ماكانتِش بتصفر.
ولا بتنادي على الكلاب.
ولا بتحاول تلمسهم.
كانت بس بتقف بعيد عن المنطقة الممنوعة
وتتفرج.
بعد أسبوع، كيلرمان شافها هناك تاني.
وبعدها للمرة التالتة.
والدلوقتي، وهو واقف ورا السور الحديدي المقوّى، ورينجر بيندفع بكل قوته ناحية إلينا في ساحة التدريب، افتكر فجأة كل المرات اللي شافها فيها واقفة هناك في صمت.
كان رينجر خلاص قرب منها.
ثواني قليلة كانت فاضلة بين أسنانه وبين جسمها.
لكن إلينا لسه ما اتحركتش.
وبعدين
بهدوء غريب
نزلت إيدها ببطء
وكأنها كانت عارفة بالضبط رينجر هيعمل إيه.
هل كانت إلينا فعلًا خايفة؟
ولا كانت مخبية سر محدش في القاعدة يعرفه؟
وهل رينجر كان داخل يهجم عليها فعلًا
ولا كان فيه سبب تاني لكل اللي بيحصل؟
مستنيين تشوفوا إيه اللي هيحصل بعد كده؟
حكايات زيزي
رينجر بقى على بُعد خطوات قليلة منها.
كيلرمان شدّ جسمه فجأة، وواحد من مدربي ال قال بصوت منخفض
كفاية!
لكن كيلرمان رفع إيده يمنعه.
كان عايز يشوف إلينا هتعمل إيه.
في اللحظة اللي رينجر اندفع فيها آخر اندفاعة، إلينا أخيرًا حرّكت إيدها.
مش بسرعة.
ومش بعنف.
بس حركة صغيرة جدًا
إشارة محددة بأصابعها.
وفجأة، رينجر فرمل بكل قوته.
الحصى اتناثر تحت كفوفه، وجسمه اندفع لقدام، لكنه توقف قبل إلينا بمسافة قصيرة جدًا.
الساحة كلها سكتت.
رينجر وقف قدامها، صدره بيطلع وينزل بعنف، وعينيه ثابتة عليها.
إلينا ما تراجعتش.
بالعكس
مدت إيدها ببطء.
ورينجر قرّب رأسه منها.
مدرب ال فتح بقه من الصدمة.
مستحيل
كيلرمان بص له
إيه اللي مستحيل؟
المدرب ما ردش.
كان باصص لرينجر.
لأن الكلب اللي من ثواني كان بيتصرف كأنه في هجوم حقيقي، دلوقتي كان واقف قدام إلينا بهدوء غريب.
وفجأة
إلينا قالت كلمة واحدة
رينجر.
الكلب حرّك ودانه.
وبعدين عمل حاجة خلت كل الموجودين يتجمدوا مكانهم.
قعد.
كيلرمان قرب من السور خطوة.
مين علّم الكلب ده الأمر ده؟
المدرب بص له بتوتر
أنا.
وإنت ما اديتوش الأمر.
عارف.
كيلرمان سكت.
إلينا كانت لسه واقفة قدام رينجر.
لكنها بدأت تتكلم معاه بصوت منخفض جدًا، كأن بينهم لغة قديمة محدش تاني بيفهمها.
رينجر مال برأسه ناحية اليمين.
إلينا كررت حركة بإيدها.
فوقف.
وبعدين مشي ناحيتها خطوة.
ثم خطوة تانية.
لحد ما وقف ملاصق تقريبًا لساقها.
واحد من المجندين همس
هي بتعرفه؟
المدرب رد بصوت شبه هامس
دي مش معرفة عادية.
كيلرمان لف ناحيته
وضّح.
المدرب بلع ريقه وقال
رينجر وصل هنا من أربع سنين وهو جرو.
سكت لحظة، وبص لإلينا.
وفي أول ست شهور كان في مدربة مدنية بتيجي مخصوص تساعد في تأهيله.
كيلرمان عقد حاجبيه.
اسمها؟
المدرب فتح ملف صغير كان في إيده.
لكن قبل ما يجاوب
إلينا التفتت ناحية السور.
ولأول مرة منذ وصولها للقاعدة، نظرت مباشرة في عينَي كيلرمان.
وقالت
إنت عايز تعرف أنا مين؟
كيلرمان ما ردش.
إلينا ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم أشارت لرينجر.
اسأله.
وفي اللحظة دي
صدر صوت نباح قوي من داخل منشأة ال.
ثم نباح تاني.
ثم ثالث.
وفجأة بدأت الكلاب كلها تتحرك ناحية السور.
واحد وراء التاني.
كأنها سمعت صوتًا لا يسمعه البشر.
كيلرمان استدار ببطء.
إيه اللي بيحصل؟
المدرب كان شاحب الوجه.
دي كلاب مش بتستجيب لحد غير مدربيها
ثم بص لإلينا.
إلا لو
إلينا قاطعته بهدوء
إلا لو افتكرتني.
وساعتها فقط، بدأ كيلرمان يفهم إن اختبار اليوم ماكانش اختبار لإلينا.
كان اختبارًا له هو.
لأنه اختار بنفسه الكلب الخطأ
واختار الشخص الخطأ عشان يحاول يكسره.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه ما ظهرتش.
لأن باب منشأة ال اتفتح
وخرج منه كلب متقاعد ضخم، كان ممنوع تمامًا من الاقتراب من أي مجند.
أول ما شاف إلينا
اندفع ناحيتها.
لكن بدل ما يهجم
خفض رأسه.
ثم جلس أمامها.
والمدرب قال بصوت مرتجف
يا نهار أبيض
كيلرمان بص له
إيه؟
المدرب فتح الملف بسرعة، وقلب صفحاته.
وبعدين رفع عينه لإلينا.
اسم المدربة اللي كانت بتأهل رينجر والكلاب التانية
سكت.
إلينا كروز.
الهواء نفسه كأنه اختفى من الساحة.
كيلرمان بص لإلينا، وهي واقفة وسط الكلاب اللي بدأت تتجمع حولها.
وسألها
إنتِ اللي ربّيتيهم؟
إلينا ما جاوبتش.
بدل كده، بصت ناحية مبنى الإدارة وقالت
مش كلهم.
ثم أضافت بهدوء
في كلب واحد هنا أنا جيت مخصوص عشانه.
كيلرمان اتجمد.
مين؟
إلينا بصت ناحية البوابة الداخلية.
ومن خلفها
صدر صوت خدش قوي على الباب الحديدي.
مرة.
ثم مرة تانية.
ثم سمعوا صوت أنين خافت.
إلينا تغيرت ملامحها لأول مرة.
وقالت
هو لسه عايش. هو لسه عايش.
الجملة وقعت على الساحة كأنها قنبلة.
كيلرمان ثبت عينيه عليها.
مين؟
إلينا ما ردتش فورًا.
كانت بتبص للباب الحديدي اللي وراه الصوت.
خدش
ثم خدش أقوى.
الكلاب الموجودة في الساحة بدأت تتحرك بعصبية، ورينجر وقف فجأة ومد جسمه قدام إلينا، كأنه بيحاول يمنع أي حد من الاقتراب منها.
كيلرمان قال بحزم
افتحوا الباب.
واحد من المدربين تردد.
سيدي، الحيوان ده مش مسموح بخروجه.
قلت افتحوا الباب.
المدرب اتحرك، لكن إلينا رفعت إيدها.
لأ.
كيلرمان بص لها بحدة.
إنتِ مش في موقع يسمح لك بإصدار أوامر.
إلينا ردت بهدوء
عارف.
ثم بصت للباب مرة تانية.
بس لو فتحتوه بالطريقة دي، هتخوفوه.
كيلرمان سكت.
لأن نبرة صوتها ماكانتش نبرة شخص بيحاول يستعرض.
كانت نبرة شخص عارف بالضبط إيه اللي موجود ورا الباب.
اقتربت إلينا من السور وقالت
ابعدوا كل الناس عن هنا.
ليه؟
لأنه مش شايفكم كأشخاص.
كيلرمان عقد حاجبيه.
أمال شايفنا إيه؟
إلينا بصت له.
تهديد.
ساد الصمت.
ثم أضافت
وأنا الوحيدة اللي ممكن أخليه يصدق إن المكان آمن.
كيلرمان أشار للجنود.
الكل يرجع للخلف.
المجندون تحركوا فورًا.
وبمجرد ما فضيت المنطقة
إلينا مشت ناحية الباب.
خطوة.
ثم خطوة.
رينجر حاول يلحقها.
لكنها رفعت يدها من غير ما تبص له.
فتوقف.
وصلت إلينا أمام الباب الحديدي مباشرة.
وضعت كفها عليه.
وقالت بصوت منخفض
أنا هنا.
الصوت من الداخل توقف.
ولا خدش.
ولا أنين.
ولا حركة.
ثانيتين
ثلاثة
ثم جاء صوت خافت جدًا من الداخل.
أنين قصير.
إلينا أغمضت عينيها.
فاكرني؟
جاء الرد بخدشة واحدة على الباب.
ابتسمت إلينا بحزن.
لكن كيلرمان كان واقف خلفها، وعينه على الباب.
افتحي.
إلينا هزت رأسها.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأنه اتساب لوحده فترة طويلة.
كيلرمان سأل
مين سابه؟
إلينا لم تجبه.
فجأة سمعوا صوت خطوات قادمة من مبنى الإدارة.
أحد الضباط اقترب مسرعًا، وفي إيده ملف.
الرقيب أول كيلرمان!
إيه؟
الضابط مد له الملف.
لازم تشوف ده.
كيلرمان فتحه.
في الصفحة الأولى كانت صورة قديمة لكلب صغير.
وتحت الصورة اسم
K9 Atlas.
لكن الشيء الذي جعل وجه كيلرمان يتغير
كان اسم المسؤول عن تأهيله.
رفع عينيه ببطء ناحية إلينا.
ثم قلب الصفحة التالية.
وهنا ظهرت صورة إلينا نفسها
لكنها كانت أصغر بسنوات.
واقفة وسط مجموعة من الكلاب.
والتاريخ على الصورة كان قبل دخولها الخدمة بسنوات.
كيلرمان همس
إنتِ كنتِ هنا قبل كده
إلينا ردت
أيوه.
وإيه اللي حصل لأطلس؟
إلينا سكتت.
ومن خلف الباب
صدر صوت ارتطام عنيف.
الكل التفت.
الباب اهتز مرة واحدة.
ثم مرة ثانية.
رينجر بدأ ينبح.
وإلينا رفعت رأسها فجأة.
ملامحها