حماتى

لمحة نيوز

طبيعي.
قلت له
مالك؟ حصل حاجة؟
قال
لازم ندخل نتكلم.
دخلنا، وقفل الباب، وطلع ورقة من جيبه.
الورقة دي وصلتني النهارده.
مسكتها، ولقيتها إنذار قانوني بخصوص ملكية المحل.
اتوترت
بس إحنا حلينا الموضوع!
قال
إحنا حليناه لكن ظهر شخص بيقول إن له حق قديم في المكان.
سكتنا.
وفي نفس اللحظة، جالنا اتصال من حماتي.
كانت بتقول
تعالى يا ابني الشخص ده عندي.
جوزي اتصدم
مين؟
قالت
صاحب المحل القديم.
روحنا بسرعة.
ولما دخلنا، لقينا راجل كبير قاعد مع حماتي.
أول ما شاف جوزي، قال
أبوك كان صاحبي.
جوزي قعد قدامه.
وإنت عايز إيه؟
قال
مش عايز فلوس أنا عايز أرجع حق كان أبوك سايبه عندي.
طلع ملف قديم.
جوزي فتحه.
واتضح إن والد جوزي كان بالفعل شريكًا معه في مشروع قديم، لكن قبل وفاته حصل خلاف بينهم، واحتفظ الرجل ببعض الأوراق لحين تسوية الحسابات.
وبعد مراجعة الأوراق، اكتشفنا إن المحل أصلًا جزء من الشراكة القديمة.
أخت جوزي اتوترت وقالت
يعني المحل مش ملكنا؟
الرجل ابتسم وقال
كان ممكن يبقى ملككم لو أبوكم خلّص الإجراءات.
حماتي بصت للأرض بحزن.
لكن المفاجأة كانت إن الرجل قال
أنا مش جاي أخده.
كلنا بصينا له.
قال
أبوكم وقف جنبي في أصعب وقت، وأنا مش هكون سبب في مشكلة لأولاده.
واتفق معهم على تسوية عادلة، واحتفظ بجزء صغير من الملكية مقابل حقه القديم، والباقي أصبح للعيلة.
أخت جوزي قالت له
ليه ما طالبتش بحقك من زمان؟
قال
كنت مستني أشوف أولاد صاحبي هيعملوا إيه مع بعض.
سألناه
يعني إيه؟
ابتسم وقال
لو لقيتكم متخانقين وطمعانين في بعض، كنت هاخد حقي كامل.
ثم نظر لنا وقال
لكن لما شفتكم واقفين جنب بعض قلت إن صاحبكم ربّى ولاده صح.
حماتي بكت.
وجوزي مسك إيد أخته.
وأنا حسيت إن كل المشاكل اللي عدينا بيها كانت بتوصلنا للحظة دي.
الرجل قام، وقبل ما يمشي قال
خليكم كده لأن الفلوس ممكن تتعوض، لكن الأخ وأخته لو خسروا بعض، صعب يرجعوا زي الأول.
بعد ما خرج، أخت جوزي بصت لي وقالت
فاكرة أول يوم كنت بغير منك؟
ضحكت.
فاكرة.
قالت
كنت غبية.
حماتي ردت
لأ كنتِ خايفة.
أخت جوزي بصت لها.
فكملت حماتي
والخوف ساعات بيخلينا نعمل حاجات نندم عليها.
سكتنا.
وبعدين أخت جوزي قربت مني وقالت
شكرًا إنك ما سبتيش العيلة وقت ما أنا كنت السبب في المشاكل.
حضنتها وقلت
إحنا اتعلمنا كلنا.
جوزي ابتسم وقال
خلاص، كفاية دراما حد يطلب لنا أكل!
ضحكنا.
لكن قبل ما نخرج من البيت، حماتي قالت جملة خلتنا كلنا نسكت
أنا مش عايزة أملاك ولا فلوس أنا عايزة أضمن إنكم بعد ما أموت تفضلوا إيد واحدة.
جوزي رد فورًا
وإنتِ عايشة، وبعد عمرك الطويل، إحنا إيد واحدة.
وأخته قالت
وعد.
وأنا قلت
وعد.
حماتي ابتسمت.
ومن اللحظة دي، حسيت إن الحكاية فعلًا وصلت لنهايتها.
مش لأن كل المشاكل اختفت
لكن لأننا أخيرًا عرفنا نواجهها سوا.
واتعلمت إن البيت اللي فيه حب وصراحة وحدود واضحة
ممكن يعدّي من أصعب العواصف.
وإن أحيانًا الشخص اللي كنتِ شايفاه سبب مشاكلك
ممكن يكون هو نفسه الشخص اللي يقف جنبك وقت الشدة.
وفي النهاية، العيلة مش اللي عمرها ما تختلف العيلة هي اللي تعرف ترجع لبعض بعد الاختلاف ومرت الأيام، وبدأنا فعلًا نعيش بهدوء لأول مرة من سنين.
لكن في ليلة، وأنا قاعدة مع حماتي في البلكونة، قالت لي فجأة
يا بنتي أنا عايزة أقولك سر ما قلتهوش لحد.
بصيت لها باستغراب
سر إيه؟
طلعت من جيبها صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لحماتي وهي صغيرة، وبجانبها بنت صغيرة.
قالت
دي أختي.
استغربت
طب وإيه علاقة ده باللي حصل؟
قالت
لأن اللي حصل بيني وبين بنتي فكّرني بحاجات حصلت في عيلتنا زمان.
وحكت لي إن زمان، كان فيه خلاف كبير بين أختها ووالدتها بسبب تقسيم ميراث، وإن الخلاف استمر سنوات، لحد ما الأخوات بقوا غرباء عن بعض.
وقالت
وأنا من يومها وأنا بخاف أولادي يكرروا نفس الغلطة.
فهمت وقتها ليه كانت بتحاول تجمعنا دايمًا.
قلت لها
بس إنتِ عملتي اللي تقدري عليه.
هزت رأسها وقالت
كان لازم أتكلم من الأول، بدل ما أسيب كل واحدة تفسر تصرفات التانية لوحدها.
وفي اليوم التالي، جمعت حماتي أولادها وقالت لهم
عندي طلب واحد.
جوزي سأل
إيه؟
قالت
لو اختلفتم، اختلفوا قدامي ما تسيبوش الزعل يكبر في السر.
أخته قالت
حاضر يا ماما.
وبعدين بصت لي وقالت
وإنتِ كمان لو زعلتي مني، قولي.
ضحكت
حاضر.
جوزي قال
وأنا كمان لو غلطت في حق أي حد، هسمع قبل ما أحكم.
حماتي ابتسمت.
كده أنا مطمنة.
وبعدها بشهور، حصلت مفاجأة جميلة.
أخت جوزي كانت حامل، وجت لنا وهي بتضحك وبتقول
عندي خبر!
حماتي فرحت جدًا.
وأنا حضنتها وباركت لها.
قالت لي
عايزاكي تكوني أول واحدة تساعديني أجهز للبيبي.
ضحكت وقلت
من عيوني.
ومن يومها، البيت كله اتغير.
بقينا نجهز مع بعض، نختار الحاجات، ونضحك على ذكريات الخلاف القديم.
وفي يوم، أخت جوزي قالت لي
فاكرة لما كنت ببص على حاجاتك وأطلبها؟
قلت
فاكرة طبعًا.
ضحكت وقالت
دلوقتي لو عجبني حاجة عندك هطلب منك ترشيح مكان أشتري منها زيها!
ضحكنا كلنا.
حماتي قالت
أهو كده!
وبصت لنا وقالت
أنا كنت فاكرة إن أكبر نعمة في حياتي هي الفلوس اللي أبوكم سابها
وسكتت لحظة.
لكن طلعت أكبر نعمة إن أولادي رجعوا لبعض.
وقتها عرفت إن كل اللي حصل ما كانش نهاية عيلة
كان بداية جديدة.
ومن يومها، كل ما يحصل بينا خلاف بسيط، نفتكر الأيام الصعبة ونقول
إحنا مش ناقصين نضيّع بعض.
فنضحك، ونتصالح.
لأننا أخيرًا فهمنا إن اللي يستاهل نحافظ عليه مش المال، ولا الممتلكات، ولا حتى أي حق مادي
اللي يستاهل نحافظ عليه هو الإنسان اللي بيحبنا بجد أكيد، دي نهاية مقفولة ومؤثرة للحكاية، من غير خيانة ولا سحر حقيقي
مرت الشهور، وجاء اليوم اللي أخت جوزي ولدت فيه.
أول ما سمعت صوت حفيد حماتي، شفتها بتعيط من الفرحة.
قربت منها، فقالت لي
شايفة يا بنتي؟ ربنا عوضنا عن كل حاجة.
بصيت لها وابتسمت.
الحمد لله يا ماما.
بعدين أخت جوزي بصت لي من على السرير، وقالت
أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية على كل اللي عملته.
مسكت إيدها وقلت
المهم إنك اتغيرتي.
قالت
وإنتِ عارفة إيه أكتر حاجة اتعلمتها؟
إيه؟
ابتسمت وقالت
إن حب أمي ليكي عمره ما كان معناه إنها بتحبني أقل.
دموعي نزلت.
حماتي قربت مننا، وحضنتنا إحنا الاتنين.
وقالت
أنا عندي بنتين ومش عايزة واحدة فيكم تشوف التانية منافسة.
جوزي ضحك وقال
وأنا كده بقيت الوحيد اللي محدش واخد باله منه!
ضحكنا كلنا.
وبعدها بأيام، أخت جوزي ردت آخر جزء من المبلغ اللي كانت أخدته، رغم إن جوزي قال لها إنها مش مضطرة.
وقالت
لأ أنا عايزة أقفل الصفحة دي بحقها.
وبالفعل، انتهى كل شيء.
الأوراق اتظبطت، الأزمة المالية عدت، المشروع نجح، وعلاقتنا رجعت أحسن من الأول.
أما الرجل اللي كان بيحاول يستغل مشاكل العيلة، فقد انتهى أمره قانونيًا، ولم يعد له أي علاقة بنا.
وأنا؟
أنا اتعلمت أهم درس في حياتي.
اتعلمت إن الطيبة مش معناها إني أدي كل اللي عندي.
وإن مساعدة الناس جميلة، لكن لازم يكون لها حدود.
وإن الغيرة لما تدخل بين أفراد العيلة ممكن تعمل مشاكل أكبر من الفلوس نفسها.
وفي آخر يوم من السنة، كنا كلنا قاعدين في بيت حماتي.
بصت لنا وقالت
فاكرين أول يوم حصلت فيه المشكلة؟
جوزي قال
يا ماما، خلينا ننسى!
ضحكت وقالت
لأ، نفتكره علشان ما نكررش الغلط.
بعدين رفعت
إيدها وقالت
ربنا يخليكم لبعض.
أخت جوزي مسكت إيدي.
جوزي مسك إيد أمه.
وأنا بصيت لهم وقلت
طول ما إحنا إيد واحدة، محدش يقدر يفرقنا.
ابتسمت حماتي وقالت
أهو ده اللي كنت مستنياه.
وفي اللحظة دي، بصيت للبيت اللي دخلته من سنين وأنا مجرد زوجة ابن
واكتشفت إني بقيت فعلًا بنت البيت.
مش بالكلام
لكن بالمواقف.
وعرفت إن أجمل نهاية لأي خلاف مش إن طرف يكسب والتاني يخسر
أجمل نهاية إن الكل يتعلم، والقلوب ترجع صافية، والعيلة تفضل واقفة جنب بعض.
ومن يومها، كل ما حد يسأل حماتي
مين أقرب بنت ليكي؟
كانت تضحك وتقول
عندي بنتين ولو واحدة زعلت من التانية، أنا هزعل منهم هما الاتنين!
فنضحك كلنا.
وهكذا انتهت الحكاية
مش بانتصار واحدة على التانية، لكن بانتصار المحبة على الغيرة، والصراحة على الأسرار، والعيلة على كل خلاف.

تم نسخ الرابط