اخويا عزم خطيبته منى السيد
المحتويات
مين يعمل كده؟ وليه؟
الست العجوز مسحت دموعها وقالت
أنا مش عارفة مين، لكن فاكرة اللي حصل بالتفصيل.
ماما كانت واقفة مكانها كأنها مش قادرة تتنفس.
قالت
إنتِ وعدتيني إنك مش هتتكلمي!
ردت الممرضة
وعدتك وقتها عشان كنت خايفة... لكن دلوقتي أنا كبيرة في السن، ومش عايزة أموت وأنا شايلة السر ده.
فتحت الملف، وطلعت منه ورقة صفراء قديمة.
في الليلة دي كان فيه طفلين اتولدوا في نفس الوقت تقريبًا. واحد ابن عيلتكم، والتاني بنت العيلة التانية.
أنا بصيت لخطيبة أخويا.
كانت ساكتة ودموعها بتنزل.
الممرضة كملت
بعد الولادة، حصلت حالة طوارئ، وكل الممرضات اتحركوا بسرعة. ولما رجعت، لقيت إن أساور الأطفال اتبدلت.
أخويا قال
وإنتِ متأكدة إن ده كان متعمد؟
هزت رأسها
متأكدة.
ثم أضافت
لأن الشخص اللي بدّل الأساور كان لابس ملابس المستشفى، لكن ما كانش من طاقم التمريض.
ماما سألت
طب ليه؟ كان عايز إيه؟
الممرضة سكتت لحظة وقالت
السبب كان الورث.
الجميع اتصدم.
أخويا قال
الورث؟!
قالت
والدتك وقتها كانت حامل، وعيلتها كانت عندها أملاك كبيرة. وفي نفس الفترة كان فيه حد من الأقارب مستفيد لو الطفل اللي اتولد ما يكونش هو الوريث.
ماما شهقت
مستحيل!
الممرضة ردت
للأسف، ده اللي حصل.
وفجأة خطيبة أخويا قالت
عشان كده بابايا كان دايمًا بيقول إن فيه حد ظلم عيلتين بسبب الفلوس.
بصتلها ماما
أبوكي كان عارف؟
كان شاكك، لكنه ما عرفش الحقيقة كاملة غير قبل وفاته.
أخويا ظل ساكتًا، ثم قال
طيب... دلوقتي نعمل إيه؟
الممرضة ابتسمت بحزن
تعملوا تحليل رسمي، وتثبتوا الحقيقة، وبعدها كل واحد يقرر بنفسه إزاي يتعامل مع الموضوع.
ماما مسكت إيد أخويا وقالت
أنا مهما حصل مش هتخلى عنك.
وخطيبته قربت منه وقالت
وأنا كمان.
بصلها باستغراب
بعد كل اللي عرفناه... لسه عايزة تكملي الجواز؟
ابتسمت وسط دموعها وقالت
إحنا اتعرفنا واتحبينا قبل ما نعرف أي حاجة. واللي حصل ده مش ذنبنا.
لكن في اللحظة دي، الرجل الكبير اللي كان واقف جنب الممرضة قال فجأة
فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما تعملوا أي تحليل.
بصينا له.
قال
أنا كنت مدير المستشفى وقتها.
ماما قالت
وإنت كنت عارف؟
هز رأسه.
كنت أعرف إن السجلات اتبدلت... لكني اكتشفت بعد سنوات إن الشخص اللي عملها كان قريب من العيلتين.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
مدها لأخويا.
أخويا أول ما شاف الصورة، وشه اتغير.
قلت له
مين ده؟
بص للصورة، وقال بصوت مخنوق
ده عمي... أخو بابا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الصورة مكتوب على ظهرها تاريخ اليوم اللي اتولد فيه أخويا...
وتحت التاريخ جملة قصيرة
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة... دوروا على الدفتر الأسود أخويا فضل ماسك الصورة، وعينه مثبتة على الجملة.
الدفتر الأسود... يعني إيه؟
مدير المستشفى القديم قال
كان فيه دفتر بيتسجل فيه كل شيء حصل في النبطشية، خصوصًا الحالات غير الطبيعية. وبعد اختفاء السجلات، الدفتر اختفى هو كمان.
ماما قالت بسرعة
وإحنا هنلاقيه فين؟
الرجل هز رأسه
آخر مرة شفته فيها كانت في مكتب مدير الحسابات القديم بالمستشفى.
خطيبة أخويا سألت
والمستشفى اتقفل من زمان... يعني الدفتر لسه موجود؟
قال
لو محدش أتلفه، ممكن يكون موجود في المخزن القديم.
أخويا وقف وقال
يبقى لازم ندور عليه.
أنا قلت
وأنا جاية معاكم.
ماما بصت لي وقالت
لأ، إنتِ خليكِ هنا.
لكن أخويا رد
خليها تيجي يا ماما. هي أكتر واحدة وقفت جنبي النهارده.
بصيت له بابتسامة صغيرة.
بعد ساعة، كنا كلنا قدام مبنى المستشفى القديم.
المكان كان مهجور، والباب الحديد عليه طبقة تراب كبيرة.
دخلنا مع مدير المستشفى والممرضة.
وبعد بحث طويل، وصلنا لغرفة صغيرة في آخر الممر.
الرجل أشار إلى دولاب خشب قديم.
هنا كان مكتب الحسابات.
فتحنا الأدراج واحدًا وراء التاني.
ولا أثر للدفتر.
فجأة الممرضة قالت
استنوا...
قربت من الحائط، وخبطت عليه.
الصوت كان أجوف.
مدير المستشفى فهم فورًا.
ورا الحيطة دي فيه تجويف.
جاب مفك قديم، وبعد دقائق فتح جزء من الخشب.
ظهر صندوق معدني صغير.
أخويا أخده وفتحه.
جواه أوراق قديمة...
وفوقهم دفتر أسود.
قلبي دق بسرعة.
فتحنا أول صفحة.
كانت أسماء المواليد والتوقيتات مكتوبة بخط اليد.
قلبنا الصفحات لحد ما وصلنا لليلة اللي اتولد فيها أخويا وخطيبته.
وهناك لقينا ملاحظة غريبة
تم تغيير أساور الطفلين بناءً على تعليمات من شخص يدّعي أنه من أقارب الأسرة.
أخويا قال
يعني عمي هو اللي عمل كده؟
مدير المستشفى هز رأسه
مش بالضرورة. لازم نعرف مين كان موجود وقتها.
قلب أخويا الصفحة.
وكانت هناك قائمة بأسماء الزوار.
قرأ الأسماء واحدًا واحدًا.
وفجأة سكت.
قلت
مالك؟
رفع عيني وقال
الاسم ده...
بصينا جميعًا للصفحة.
كان مكتوبًا
محمود عبدالسلام.
ماما شهقت.
محمود؟!
أخويا قال
مين محمود؟
ماما بدأت تبكي وقالت
أبو خطيبتك.
خطيبة أخويا شهقت
بابا؟!
وساد الصمت.
لكن الممرضة هزت رأسها بسرعة وقالت
مستحيل... أبوها كان وقتها شابًا، وكان واقف خارج غرفة الولادة، لكني شوفته بعيني وهو بيسأل عن بنت مولودة قبل ما يعرف أصلًا إن مراته ولدت بنت!
خطيبة أخويا بدأت تبكي
يعني بابا كان عارف؟
ماما مسكت إيدها وقالت
مش لازم يكون هو اللي عمل حاجة.
وقبل ما نكمل، لقيت ورقة صغيرة واقعة من آخر الدفتر.
التقطتها.
كان مكتوب فيها
محمود بريء... الشخص الحقيقي هو من سيبحث عن هذا الدفتر بعد عشرين سنة.
رفعت عيني وأنا مرعوبة.
يعني إيه؟
وفجأة...
سمعنا صوت باب المستشفى بيتقفل بعنف من بعيد.
وبعدها صوت خطوات بتقرب مننا.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم صوت رجل قال من آخر الممر
كان لازم تسيبوا الماضي مدفون الخطوات قربت أكتر، وكلنا اتجمدنا مكاننا.
أخويا وقف قدام خطيبته، ومدير المستشفى قال بصوت منخفض
محدش يتحرك.
ظهر رجل من آخر الممر، وكان ماسك كشاف صغير.
أول ما نور الكشاف على وشه، ماما شهقت
إنت؟!
الرجل وقف مكانه.
كان عمي.
أخويا بص له بصدمة
عمي؟ إنت اللي كنت بتدور على الدفتر؟
عمي نزل عينيه وقال
أيوه.
ماما صرخت
ليه عملت كده زمان؟!
عمي تنهد وقال
أنا ما بدلتش الأطفال عشان الورث.
أخويا قال
أمال ليه؟!
سكت شوية، وبعدين قال
لأن أبوك كان عليه ديون كبيرة، وكان فيه ناس بيضغطوا عليه عشان يبيع البيت والأرض. وأنا كنت خايف إن كل حاجة تضيع.
ماما ردت بغضب
وإيه علاقة الأطفال بالموضوع؟!
قال
مفيش علاقة... ودي كانت أكبر غلطة في حياتي.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
أنا وصلت للمستشفى بعد الولادة، ولقيت حد بالفعل غيّر الأساور. حاولت أصلح الموضوع، لكني خفت. بدل ما أبلغ الشرطة، أخفيت الدليل.
أخويا قال
وإنت عارف مين عملها؟
عمي أومأ.
عرفت بعد سنين.
خطيبة أخويا سألت
مين؟
عمي بص لها بحزن
موظف قديم في المستشفى كان متورطًا في تزوير أوراق المواليد مقابل فلوس.
ماما قالت
طب ليه خبيت الحقيقة كل السنين دي؟
قال
لأن الموظف مات، والموضوع كان هيقلب حياتكم كلها. وأنا كنت جبان.
أخويا فتح الظرف.
جواه ورقة رسمية مختومة.
كانت نتيجة مطابقة سجلات قديمة مع تحاليل عائلية.
وبوضوح، كانت بتأكد إن كل واحد من العيلتين تربى في البيت الخطأ.
أخويا فضل ساكت فترة طويلة.
ثم قال
يعني كل اللي عشناه كان مبني على غلطة؟
ماما قربت منه
الغلطة حصلت زمان... لكن العيلة اللي ربتك عمرها ما كانت غلطة.
خطيبته قالت
وإحنا نقدر نبدأ من جديد.
بص لها، وبعد لحظة ابتسم.
أما أنا، فكنت واقفة بعيد وبفكر في كل اللي حصل من أول الغداء.
وفجأة فهمت ليه كانت مصممة تدخل الشقة، وليه كانت بتدور على الدولاب.
هي ما كانتش بتحاول تضايقني.
كانت بتحاول توصل للحقيقة.
قربت منها وقلت
سامحيني لو فهمتك غلط.
ابتسمت وقالت
وإنتِ كمان
متابعة القراءة