جبت خدامه بقلم زهرة الربيع
المحتويات
ردش فورًا.
حط الكيس اللي في إيده على الترابيزة، وبدأ يفتحه بحذر.
أول ما شفت اللي جواه، حسيت بقشعريرة في جسمي.
كان عبارة عن علبة بلاستيك صغيرة، جواها بقايا أوراق ناشفة وحاجات غريبة متجمعة.
بصيت لأنيتا.
إيه ده؟
فضلت ساكتة.
الشرطي سألها مرة تانية
الحاجة دي بتاعتك؟
هزت راسها بالنفي.
لأ.
أمال بتاعة مين؟
هنا أنيتا بصت ناحية غرفة عمر.
وبصوت متقطع قالت
دي كانت موجودة هنا قبل ما أسافر.
قلت لها بعصبية
وإنتِ كنتِ عارفة ومخبية عليا؟!
نزلت عينيها في الأرض وقالت
كنت خايفة تقولي إني السبب.
الشرطي قرب منها وقال
السبب في إيه؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت
الحشرات دي ما ظهرتش أول ما أنا جيت هنا... هي كانت موجودة قبل كده، بس محدش كان شايفها.
أنا اتصدمت.
إنتِ بتقولي إيه؟!
ردت
أنا أول ما دخلت البيت شفتها.
وليه ما قولتيليش؟
لأن شكلها كان مألوف بالنسبة لي.
الشرطي عقد حاجبيه.
مألوف إزاي؟
أنيتا أخذت نفس طويل وقالت
في بلدي، كان عندنا مكان قديم كانت بتظهر فيه نفس الحشرات... وكنا بنعرف إنها بتعيش في الأماكن اللي فيها رطوبة ومخابئ كتير.
قلت لها
طب إزاي اختفت لما سافرتي؟
هنا سكتت.
وبعد لحظات قالت
عشان أنا كنت بحط لها أكل.
الشرطي بص لها بسرعة.
وأنا حسيت إني مش فاهمة حاجة.
أكل؟! إنتِ بتأكلي الحشرات دي؟!
قالت
مش أنا اللي بدأت.
أمال مين؟
قبل ما تجاوب، رن موبايل الشرطي.
رد، وسكت شوية، وبعدها ملامحه اتغيرت.
بص لي وقال
المستشفى اتصلت.
قلبي وقع.
عمر حصل له حاجة؟
قال
الدكتور بيقول إن حالة ابنك مستقرة، لكن...
سكت.
صرخت
لكن إيه؟!
قال
عمر لما فاق وسألوه عن اللي حصل، قال جملة غريبة جدًا.
قال إيه؟
الشرطي بص لأنيتا.
ثم قال
قال إن الحشرة ما كانتش لوحدها.
اتجمدت مكاني.
يعني إيه؟
الشرطي رد بصوت منخفض
قال إنه شاف أكتر من واحدة... وإنهم كانوا خارجين من مكان محدد في أوضته.
بصيت ناحية غرفة عمر.
وكان بابها لسه مفتوح.
لكن المفاجأة إن أنيتا فجأة اندفعت ناحية الباب وهي بتصرخ
اقفلوا الباب! ما حدش يدخل هناك!
الشرطي مسكها قبل ما تدخل.
ليه؟!
أنيتا كانت بتترعش لأول مرة.
وأشارت ناحية الحائط جنب سرير عمر وقالت
لأن المكان ده... مش المفروض يكون مفتوح كمل...
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أستوعب كلام أنيتا.
مخصوص عشان عمر؟! مين اللي فتحه؟!
أنيتا ما ردتش.
الشرطي نزل لمستوى الفتحة، ووجه الكشاف جواها، وبعد لحظات قال
فيه ممر ضيق تحت الأرض... بس محتاجين نعرف رايح فين قبل ما حد يقرب منه.
وفجأة سمعنا صوت عمر من الصالة
ماما!
جريت عليه.
كان واقف جنب الكنبة، ماسك ورقة صغيرة في إيده.
لقيتها تحت مخدتي.
أخدت الورقة منه، ولما فتحتها اتجمدت.
كانت مرسوم عليها رسمة لطفل واقف قدام باب، وحواليه حشرات كتير.
وفي أسفل الورقة كان مكتوب بخط طفل
ما تفتحش الباب التاني.
بصيت لعمر بسرعة.
إنت اللي رسمت دي؟
هز راسه
لأ يا ماما.
طب مين رسمها؟
قال بمنتهى البراءة
الراجل اللي كان بييجي عندي بالليل.
سكت كل اللي في البيت.
الشرطي قرب منه بهدوء
أي راجل يا عمر؟
عمر بص له وقال
مش عارف اسمه... بس كان بيقف عند الباب ومش بيدخل.
أنا حسيت ببرودة في جسمي.
وإنت ما قلتليش الكلام ده ليه؟
قال
عشان كان بيقولّي ما أخافش... وإنه مستني الوقت المناسب.
الشرطي تبادل النظرات مع زميله.
وبعدين سأل
عمر، الراجل ده كان بيقولك إيه تاني؟
عمر فكر شوية، ثم قال
كان بيسألني كل مرة...
بيسألك عن إيه؟
عمر بص لي مباشرة وقال
عن ماما.
أنا شهقت.
أنيتا غطت وشها بإيدها.
والشرطي سألها
إنتِ تعرفي الشخص ده؟
فضلت ساكتة.
أنيتا، جاوبي!
رفعت عينيها ببطء وقالت
أنا ما شفتوش هنا...
وبعد لحظة أضافت
لكن شفت صورته قبل كده.
الشرطي قرب منها
فين؟
أنيتا بصت ناحية الحائط وقالت
في نفس المكان اللي لقيتوا فيه الورقة.
ثم فجأة انطفأت أنوار الشقة كلها.
سمعنا صوت حركة من ناحية أوضة عمر.
وبعدها...
تك... تك... تك...
لكن المرة دي الصوت ما جاش من الحائط.
الصوت كان جاي من تحت الأرض مباشرةً.
والفتحة اللي تحت السرير بدأت تتحرك ببطء...
كأن حد من الناحية التانية بيحاول يفتحها كمل...
أول ما أنيتا قالت الجملة دي، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
حد كان بيربيها؟! يعني إيه؟ مين كان بيعمل كده؟
الشرطي رفع إيده وقال
اهدي الأول، خلينا نفهم اللي بيحصل.
لكن أنيتا كانت مركزة في التجويف الموجود في الحائط.
قالت
المكان ده مش معمول للحشرات بس... فيه حاجة تانية.
الشرطي قرب بالكشاف، وبدأ يفحص الجوانب.
وفجأة قال
استنوا...
طلع من جوه التجويف ظرف ورق قديم، عليه اسم مكتوب بالقلم.
قربت منه وأنا بترعش.
الاسم كان...
اسم ابني عمر.
صرخت
مستحيل!
أنا متأكدة إن الورقة دي أقدم من عمر نفسه بسنين!
الشرطي فتح الظرف بحذر، وطلع منه مجموعة صور قديمة للشقة.
وفي آخر صورة...
كان نفس حائط أوضة عمر، لكن الغريب إن الصورة كانت متصورة قبل ما الشقة تتجدد.
وكان واقف قدام الحائط رجل مجهول ماسك دفتر صغير.
الشرطي قلب الصورة، فلقينا جملة مكتوبة خلفها
لو رجعت الحشرات تظهر، يبقى المكان اتفتح من جديد.
سألت وأنا صوتي بيتهز
يعني إيه المكان اتفتح؟
أنيتا ردت بسرعة
حد لعب في الحائط من قريب.
الشرطي بص لي.
هل عملتي أي تجديدات في أوضة ابنك الفترة الأخيرة؟
فكرت شوية.
وبعدين افتكرت.
آه... من حوالي شهرين، النجّار فك الدولاب القديم وركب واحد جديد.
الشرطي سأل
والدولاب القديم كان ملاصق للحائط ده؟
هزيت راسي.
أيوه.
أنيتا قالت فجأة
يبقى هو اللي فتح الطريق.
سألتها
طريق لإيه؟
قبل ما تجاوب...
سمعنا صوت من أوضة عمر.
تك... تك... تك...
نفس الصوت اللي سمعناه من جوه الحائط.
الشرطي جري ناحية الغرفة.
وأنا وراه.
لكن أول ما دخلنا...
ماكانش فيه أي حاجة على الأرض.
ولا حشرة.
ولا حركة.
بس كان فيه شيء واحد اتغير.
السرير كان متحرك من مكانه لوحده.
وتحته ظهرت فتحة صغيرة في الأرض.
الشرطي انحنى وبص جواها، وبعد ثواني قال
دي مش فتحة عادية.
أنيتا وقفت خلفنا، ووشها شحب.
قالت
لأ...
الشرطي بص لها
إنتِ عارفة دي إيه؟
هزت رأسها ببطء.
دي بداية النفق.
سألتها
نفق؟!
بصت لي وقالت
وأنا كنت فاكرة إنهم قفلوا المكان ده من سنين...
ثم نظرت ناحية عمر، وقالت جملة خلتني أتجمد
بس واضح إن حد فتحه تاني... مخصوص بعد ما ابنك بدأ ينام في الأوضة دي كمل...
الفتحة بدأت تتحرك أكتر...
الشرطي بسرعة رجّعني أنا وعمر لورا، وطلب من زميله يجيب أدوات عشان يثبت الغطاء.
لكن قبل ما يلحق يعمل حاجة...
طَق!
الغطاء اتفتح فجأة.
خرجت منه شوية تراب، وبعدها ظهرت حزمة أوراق قديمة مربوطة بخيط.
الشرطي انحنى وأخذها.
فتح أول ورقة، وبدأ يقرأ بصوت منخفض.
وفجأة رفع عينه وبص لي.
مدام... إنتِ قلتي إنك اشتريتي الشقة دي من صاحبها القديم؟
قلت
أيوه.
ومحدش قالك إن كان فيه طفل ساكن هنا قبل كده؟
هزيت راسي بالنفي.
لأ... محدش قال أي حاجة.
عمر قرب مني ومسك إيدي.
ماما، هو ده الدفتر اللي الراجل كان ماسكه.
أنا بصيت للشرطي.
عمر شاف الدفتر ده قبل كده؟
الشرطي قلب الصفحات بسرعة.
وفي صفحة من النص لقينا جدول مكتوب فيه تواريخ، وتحت كل تاريخ ملاحظات قصيرة عن ظهور الحشرات.
لكن آخر سطر كان مختلف تمامًا.
كان مكتوب
بعد عودة الأنثى... سيظهر الطفل.
سكتنا كلنا.
بصيت لأنيتا.
كانت واقفة مكانها ووشها أصفر.
قلت لها
أنيتا... إنتِ فاهمة الكلام ده؟
قالت بصوت ضعيف
أيوه.
يعني إيه بعد عودة الأنثى؟
ما ردتش.
الشرطي ضغط عليها
لازم تتكلمي دلوقتي.
أنيتا أخدت نفس طويل وقالت
أنا ما جيتش البيت ده صدفة.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قالت
المكتب اللي جابني ليكي... ماكانش أول مرة يتعامل معايا.
الشرطي سأل
مين طلب منك تيجي هنا؟
أنيتا سكتت شوية، وبعدها قالت
شخص كان عارف إن الحشرات رجعت تظهر.
أنا قربت منها
ومين الشخص ده؟
أنيتا بصت لي مباشرة.
زوجك.
وقعت الكلمة عليّ كأنها صدمة.
جوزي؟! مستحيل!
هزت رأسها بسرعة.
هو ما يعرفش كل حاجة... بس هو اللي سأل عني بالاسم.
الشرطي فتح عينيه بدهشة.
وفي نفس اللحظة، موبايل زوجي اللي كنت سايباه على الترابيزة من شوية...
رن.
بصيت للشاشة.
كان هو المتصل.
لكن قبل ما ألحق أرد...
وصلتني منه رسالة واحدة
ما تثقيش في أنيتا... هي عارفة أكتر مما قالت لك كمل...
فضلت ماسكة الموبايل ومش عارفة أعمل إيه.
رسالة جوزي كانت بتتكرر قدام عيني
ما تثقيش في أنيتا... هي عارفة أكتر مما قالت لك.
رفعت عيني لأنيتا وقلت
جوزي بيقول إنك بتخبي عني حاجة... قولي الحقيقة!
أنيتا بصت للموبايل، وبعدها بصت للشرطي.
هو قال كده؟
الشرطي رد بحزم
أيوه. وإنتِ من دلوقتي لازم توضحي كل حاجة.
أنيتا قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها.
أنا ما كنتش عايزة الموضوع يوصل لكده...
قلت لها
موضوع إيه؟!
رفعت رأسها وقالت
قبل ما أشتغل عندك، جوزك كلمني.
سألتها بسرعة
ليه؟
قالت
سألني عن البيت.
البيت؟!
أيوه... وسألني تحديدًا عن الحشرات.
الشرطي قرب منها
وإنتِ قلتي له إيه؟
قالت
قلت له إني أعرف نوعها، وإنها ظهرت قبل كده في مكان تاني.
سألتها
وإيه علاقة ده بعمر؟!
أنيتا سكتت.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت
متابعة القراءة