بنتي الصغيرة بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

للشقة 18.
ثم انقطع الصوت.
عصام مسك المفاتيح.
هنروح.
قلت
كلنا.
هز رأسه.
أيوه... كلنا.
خرجنا من البيت بسرعة.
طول الطريق، ماحدش اتكلم.
ولما وصلنا العمارة القديمة، كانت الأنوار مطفأة بالكامل.
طلعنا السلم لحد الدور الثالث.
الشقة رقم 18 كانت فعلًا مفتوحة.
عصام وقف قدام الباب.
كان بيتنفس بصعوبة.
قلت
افتح.
فتح الباب.
دخلنا.
الشقة كانت مليانة تراب، لكن في وسط الصالة كان فيه كرسي صغير.
وعليه صورة حديثة.
صورة يوسف.
نور شهقت.
ده أخويا!
قربت من الصورة.
كان يوسف واقف قدام مكان مفتوح، وبيضحك.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
الصورة دي اتاخدت النهارده.
عصام مسك الصورة وإيده بتترعش.
وفجأة سمعنا صوت طفل من الغرفة الداخلية
بابا؟
عصام رفع رأسه.
ونور صرخت
يوسف!صرخت وأنا بجري ناحية الصوت
يوسف!
عصام حاول يمسكني.
استني!
لكنني دخلت الغرفة قبله.
كانت فاضية.
مفيش طفل.
مفيش حد.
بس كان فيه تسجيل شغال من جهاز صغير فوق الترابيزة.
وصوت طفل واضح خرج منه
ماما...
وقفت مكاني.
كان صوت يوسف.
نفس نبرة صوته بالضبط.
نور قربت من الجهاز وهي بتبكي
ده صوت أخويا.
عصام دخل الغرفة، ولما سمع التسجيل، قعد على الكرسي كأنه فقد قوته.
لأ...
سامح بص له
إنت كنت عارف.
عصام هز رأسه.
كنت شاكك.
من إمتى؟
عصام ما ردش.
الرجل الغريب قال
من يوم الحادثة.
بصيت له
طب ليه سبتني أعيش كل السنين دي وأنا فاكرة إن ابني مات؟
رد بصوت هادي
لأن الحقيقة وقتها كانت هتدمر عيلتكم.
صرخت
والحقيقة دلوقتي مش هتدمرنا؟!
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت خطوات في الممر.
كلنا سكتنا.
خطوة...
ثم خطوة تانية...
وبعدها ظهر طفل عند باب الغرفة.
كنت مستعدة أشوف أي حد إلا هو.
نفس الطول تقريبًا اللي كان عليه يوسف يوم وفاته.
نفس شكل الشعر.
نفس التيشيرت اللي كان لابسه في آخر صورة.
نور همست
يوسف؟
الطفل بص لها.
ثم بص لي.
وقال
ماما؟
جريت عليه وضميته.
لكن عصام ما اتحركش.
كان واقف مكانه، ودموعه نازلة.
قلت وأنا مش مصدقة
ده ابني!
عصام قال بصوت مكسور
لأ...
بصيت له.
يعني إيه لأ؟
أشار للطفل وقال
ده مش يوسف.
الطفل رجع خطوة لورا.
وفي اللحظة نفسها، دخلت امرأة مسنة من باب الشقة.
قالت
عصام عنده حق.
ثم بصت لي وقالت
يوسف الحقيقي لسه عايش... لكن الطفل اللي قدامك هو أخوه التوأم.
اتسعت عيني.
توأم؟!
عصام غمض عينيه.
والمرأة قالت
وكان المفروض محدش يعرف بوجوده أصلًا.
نور مسكت إيدي.
ماما... يبقى مين اللي مات يومها؟
المرأة ردت
طفل بريء...
ثم نظرت لعصام وأضافت
وعصام أخفى الحقيقة لأنه كان يعرف إن كشفها هيكشف سر أكبر.
وفجأة سمعنا صوت سيارة توقفت أسفل العمارة.
سامح بص من الشباك.
وشه اتغير.
في ناس جاية.
سألته
مين؟
رد
الشرطة.
لكن الرجل الغريب ابتسم وقال
مش الشرطة.
ثم أخرج هاتفه وورّانا رسالة وصلت له للتو
لقد وصلوا... والآن سيعرف الجميع من هو يوسف الحقيقي بصيت للرجل الغريب وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
يعني إيه مش الشرطة؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت باب العربية بيتقفل تحت العمارة.
سامح قرب من الشباك وبص بحذر.
في عربيتين.
عصام قال بسرعة
لازم نمشي من هنا.
لكن المرأة المسنة وقفت قدام الباب.
مفيش وقت للهروب.
بص لها عصام بعصبية
إنتِ مش فاهمة!
ردت
أنا فاهمة أكتر منك يا عصام... وعشان كده لازم تسمعني للمرة الأخيرة.
الطفل كان واقف في الركن، ساكت، وباصص لي طول الوقت.
قربت منه وسألته
اسمك إيه؟
بص لي وقال
آدم.
نور مسكت إيدي.
ماما... يوسف فين؟
قبل ما أجاوب، الطفل آدم قال
يوسف مش هنا.
اتجمدت.
إنت تعرف يوسف؟
هز رأسه.
أعرفه.
عصام قرب منه فجأة
مين قالك اسمه؟
آدم بص له بخوف، وبعدها أشار ناحية الحيطة.
كان فيه باب صغير مستخبي ورا دولاب قديم.
قال
هو هناك.
فتحنا الباب بسرعة.
وراه كان فيه ممر ضيق نازل لتحت.
الرجل الغريب أضاء الكشاف وقال
المكان ده متعمل من سنين.
عصام بص له باستغراب
أنا أول مرة أشوفه.
رد عليه
لأنك ما كنتش عايز تشوفه.
نزلنا الممر، وكل خطوة كانت بتخليني أحس إننا بنقرب من الحقيقة اللي دمرتنا سنين.
وفجأة سمعنا صوت طفل من تحت
نور؟
نور شهقت.
ده صوت يوسف!
جرينا ناحية الصوت.
لكن قبل ما نوصل، النور انطفى.
وسمعنا صوت باب بيتقفل.
صرخت
يوسف!
وجالي صوته من الناحية التانية
ماما... متصدقيش بابا!
عصام وقف مكانه كأنه اتصدم.
وبعد ثواني اشتغل النور من جديد.
لكن يوسف ما كانش موجود.
كان فيه بس ظرف أبيض على الأرض.
فتحته بإيد مرتعشة.
جواه ورقة واحدة مكتوب عليها
لو وصلتي للمكان ده، يبقى عرفتي إن الطفل اللي مات ماكانش يوسف... لكن لسه ما عرفتيش مين اللي اختار الطفل يموت مكانه.
وتحت الجملة كان فيه اسم واحد.
عصام.
رفعت عيني ناحية جوزي.
كان واقف قدامي، ووشه شاحب.
قلت له
إنت عملت إيه يا عصام؟عصام ما ردش.
فضل باصص للورقة كأن اسمه المكتوب عليها كان حكم صدر ضده.
كررت سؤالي
إنت عملت إيه؟
رفع عيني لي، وقال بصوت متقطع
أنا ما اخترتش حد يموت يا نادية.
أمال الورقة دي معناها إيه؟!
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت ارتطام قوي من فوق.
نور صرخت
آدم!
طلعنا نجري على السلم.
لما وصلنا للشقة، لقينا الباب مفتوح.
آدم اختفى.
والرجل الغريب اختفى هو كمان.
وسامح كان واقف في نص الصالة، ماسك ورقة جديدة.
بص لي وقال
لقيتها تحت الباب من ثواني.
خدت الورقة منه.
كان مكتوب
لو عايزة تشوفي يوسف الحقيقي، متدوريش عليه في الماضي... دوري على الاسم اللي اتسجل يوم ولادته.
وتحتها كان فيه اسم.
يوسف عصام حسن.
اتجمدت.
حسن؟
بصيت لعصام.
عم حسن؟
عصام ما ردش.
سامح قال
عم حسن مش مجرد شاهد يا نادية.
نور قربت مني
أمال هو مين؟
وفجأة رن هاتف عصام.
بص للشاشة، وشه اصفر.
المتصل كان مكتوب باسمه
يوسف.
إيدي ارتعشت.
عصام ما قدرش يرد.
أنا خطفت الهاتف وضغطت إجابة.
وسكتنا كلنا.
جاء صوت طفل من الطرف الآخر
ماما... أنا يوسف.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قلت
يوسف؟ إنت فين؟
الصوت رد
في المكان اللي بابا وعدني عمره ما يوديني له تاني.
بصيت لعصام.
هو كان عارف المكان.
قال بسرعة
اقفلي!
لكن الصوت سبقني
ماما... متسمعيش كلام بابا.
ثم انقطع الاتصال.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة جديدة على هاتف عصام
دلوقتي دورك تختار... تقول الحقيقة لنادية، ولا تخسر يوسف للمرة التانية.
رفعت عيني له وقلت
المرة التانية؟!
عصام غمض عينيه.
ثم قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
يوسف ما اختفاش النهارده يا نادية...
وسكت لحظة.
يوسف اختفى من بيتنا قبل حادثة موته بثلاث أيام وقفت أبص له وأنا مش قادرة أستوعب.
قبل الحادثة بثلاث أيام؟! يعني إيه يا عصام؟!
عصام مسح وشه بإيده وقال
يوسف اختفى من البيت فعلًا... بس أنا رجعته.
رجعته إزاي؟!
سكت.
سامح تدخل
لأن اللي أخد يوسف وقتها ماكانش عايز فلوس.
بصيت له
أمال كان عايز إيه؟
رد
كان عايز الهوية.
هوية مين؟
المرأة المسنة قربت مني، ومدت لي ظرف قديم.
هوية يوسف الحقيقية.
فتحت الظرف.
كان جواه شهادة ميلاد قديمة، وصورة لطفلين حديثي الولادة، وتحت الصورة اسمين.
يوسف عصام حسن.
و...
آدم عصام حسن.
رفعت عيني ناحية الطفل اللي كان واقف بعيد.
آدم ويوسف... توأم؟
هزت المرأة رأسها.
أيوه.
عصام قال
بس يوسف كان مختلف عن آدم في حاجة مهمة.
إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت المفتاح في باب الشقة.
كلنا اتجمدنا.
المفتاح لف مرة...
وبعدين مرة تانية.
الباب اتفتح.
ودخل عم حسن.
لكن المفاجأة إنه ماكانش لوحده.
كان ماسك إيد طفل صغير.
نفس ملامح يوسف.
نفس عينيه.
نفس الابتسامة اللي حفظتها من الصور.
الطفل بص لي وقال
ماما؟
أنا ماقدرتش أتكلم.
نور جريت عليه.
يوسف!
الطفل حضنها.
أما عصام، ففضل واقف مكانه.
عم حسن بص له وقال
كفاية كذب يا عصام.
عصام رد بصوت مكسور
كنت بحميه.
عم حسن قال
لا... إنت كنت بتحمي السر.
ثم حط ظرف تاني على الترابيزة.
وده الدليل اللي يثبت مين كان عايز يوسف من البداية.
مديت إيدي ناحية الظرف.
لكن قبل ما ألمسه، عم حسن قال
افتحيه لو مستعدة تعرفي ليه نور اتلامت في موت طفل ماكانش يوسف أصلًا فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
جواه كانت صور قديمة، وورقة من المستشفى، وتقرير مكتوب فيه إن يوسف وآدم اتولدوا توأم، لكن في يوم خروجهم من المستشفى حصل خطأ في تسجيل البيانات، وعصام استغل الخطأ وخلى وجود آدم يفضل سر.
لكن الحقيقة الأكبر كانت في آخر ورقة.
كانت بتثبت إن قبل الحادثة بثلاث أيام، يوسف الحقيقي اتاخد من البيت بواسطة سامح، بعد ما اكتشف إن ناس كانوا بيدوروا عليه بسبب قضية تخص والده.
سامح اعترف بكل حاجة.
هو أخد يوسف وخباه مؤقتًا، واتفق مع عصام إنه يرجعه، لكن لما رجعه حصل تبديل بين الطفلين بسبب خوفهم من إن الأشخاص اللي بيراقبوهم يعرفوا مكان يوسف.
وفي يوم الحادثة، نور زقت الطفل اللي كانت فاكرة إنه يوسف.
لكن الطفل ده كان آدم.
يوسف الحقيقي كان بعيد عن البيت وقتها.
عصام كان عارف الحقيقة، لكنه خاف يقولها.
خاف يخسر يوسف، وخاف إن الناس اللي بتدور عليه توصل له، والأسوأ إنه خاف يعترف إنه أخفى الحقيقة عني وعن نور.
وعشان كده، لما شاف نور منهارة وبتقول
أنا موته...
سكت.
وسكوته دمر طفولتها سنين.
قربت منه وأنا ببكي وقلت
كنت سايب بنتك تعيش وهي شايلة ذنب مش ذنبها؟
عصام نزل عينيه.
كنت جبان.
نور كانت واقفة جنب يوسف، ولما سمعت الكلام، قربت من أبوها وقالت
أنا مش زعلانة إنك خفت يا بابا... أنا زعلانة إنك خلتني أكره نفسي.
عصام انهار في البكاء، وطلب منها تسامحه.
لكن نور ما قالتش سامحتك.
قالت بس
هحتاج وقت.
وبعد أيام، اتكشفت كل الحقيقة رسميًا، واتثبت إن موت آدم كان حادثًا مأساويًا، وإن نور لم تكن تعرف الحقيقة ولم يكن عليها أي ذنب.
أما عم حسن، فاتضح إنه كان بيحاول يحمي يوسف طول السنوات دي، لأنه كان عارف إن كشف هويته في الوقت الخطأ ممكن يعرضه للخطر.
يوسف رجع للبيت.
وكان أصعب يوم بالنسبة لي هو أول ليلة دخل فيها غرفته القديمة.
وقفت عند الباب، وبصيت للسرير اللي فضلت سنين أفتكر إن ابني مات عليه.
يوسف بص لي وقال
ماما... أنا ممكن أنام هنا؟
ابتسمت وسط دموعي.
دي أوضتك يا حبيبي.
أما نور، فدخلت ووقفت جنبه.
يوسف مسك إيدها وقال
إنتِ أختي؟
نور ضحكت لأول مرة من سنين.
أيوه.
قال لها
طب متزعليش مني.
ضحكت وهي بتعيط
أنا اللي كنت فاكرة إني زقيتك.
ومن اليوم ده، بدأت العيلة تتعالج من جرحها الحقيقي.
مش جرح فقدان يوسف...
لكن جرح الكذبة اللي خلتهم كلهم يعيشوا سنين في خوف وذنب.
أما عصام، ففضل شايل نتيجة اختياراته، واشتغل فترة طويلة عشان يصلح علاقته بنور، من غير ما يطلب منها تنسى.
لأن بعض الأخطاء ممكن تتصلح...
لكن آثارها محتاجة وقت.
وأنا اتعلمت إن أخطر شيء ممكن يحصل لعيلة
مش إن الحقيقة تكون مؤلمة...
إن الخوف من الحقيقة يخلي الأبرياء يدفعوا ثمنها.

تم نسخ الرابط