ابنى عنده 13 سنة حكايات صافى هانى

لمحة نيوز

عم صابر كان يعرف بابا؟
عادل قال
أيوه.
اتصلنا بعم صابر.
ولما جه، أول ما شاف الدفتر، دموعه نزلت.
قال
أبوك كان سبب إني أبدأ من جديد.
ثم بص لكريم وقال
وأنا عمري ما نسيت إنه ساعدني من غير ما يستنى مقابل.
كريم سكت شوية.
وبعدين قال
يبقى لازم نكمل اللي بدأه.
مرت الشهور.
وبمساعدة عادل وصاحب المطعم وناس تانية، بدأنا المشروع من جديد.
ما بقاش مشروع كبير في البداية.
كان مجرد صندوق صغير للمساعدات.
لكن كل شهر كان فيه طفل محتاج أدوات مدرسة، أو عامل محتاج دواء، أو أسرة محتاجة مساعدة بسيطة.
وكريم كان بيتعلم.
مش بس إزاي يساعد الناس...
لكن إزاي يطلب مساعدة لما يحتاجها.
وفي يوم، رجع كريم من المدرسة ومعاه ورقة.
قال
ماما، أنا اتقبلت في مسابقة للمشروعات الطلابية.
بصيت للورقة.
كان كاتب اسم المشروع
فرصة.
سألته
ليه سميته كده؟
ابتسم وقال
عشان بابا ما سابليش فلوس...
وسكت لحظة.
سابلي فرصة أعمل حاجة كويسة.
حطيته في حضني وقلت
وأنا فخورة بيك.
وبعدها بسنين، لما كريم بقى شاب، كان دايمًا يحكي للناس عن أول مرتب أخده من غسيل المواعين.
كان يقول
كنت فاكر إني بجمع فلوس عشان عجلة.
لكن اكتشفت إن المرتب ده كان أول خطوة خلتني أعرف أنا عايز أبقى مين.
أما أنا...
فكل ما أفتكر اليوم اللي صاحب المطعم اتصل بيا وقال
كل اللي الولد بيقولهولك كدب.
أبتسم.
لأن أكبر كذبة قالها كريم وقتها...
كانت إنه كان بيجمع فلوس للعجلة.
لكن الحقيقة؟
كان بيجمع قلبه قطعة قطعة...
عشان يبقى الإنسان اللي أبوه كان نفسه يشوفه أكيد، نكمل بعد ما بقى كريم شاب ونخلي فيه موقف أخير يختبر كل اللي اتعلمه.
عدّت سنين طويلة.
كريم بقى عنده 22 سنة، وفرصة ما بقتش مجرد صندوق مساعدات صغير.
بقت مؤسسة حقيقية بتساعد أسر كتير، وكل ده بدأ من مرتب طفل كان بيغسل المواعين عشان يشتري عجلة.
وفي يوم، كريم رجع البيت بدري، وكان ساكت بشكل غريب.
قلتله
مالك؟
قعد قدامي وقال
ماما، فاكرة عم صابر؟
ابتسمت.
طبعًا.
قال
اتصل بيا النهارده.
خير؟
سكت شوية وقال
قال إن ابنه رجع من السفر، وعايز يبدأ مشروع صغير... بس محتاج مساعدة.
قلت
وإنت هتساعده؟
قال
مش عارف.
استغربت.
ليه؟
قال
عشان المبلغ كبير، ولو ساعدناه ممكن المشروع ينجح وممكن يفشل.
ابتسمت وقلت
وإنت شايف إيه؟
قال
شايف إن المساعدة مش معناها إني أدي أي حد فلوس وخلاص.
هنا ابتسمت أكتر.
أهو كده بقيت كبير.
ضحك.
وبالفعل، كريم ما ادّاش الفلوس مباشرة.
قعد مع الراجل، درس فكرته، واتفق معاه على خطة، وخلّى جزء من المساعدة في صورة معدات بدل فلوس.
بعد سنة، المشروع نجح.
والراجل بقى بيشغل معاه شباب من نفس المنطقة.
وفي يوم الافتتاح، كريم طلب مني أروح معاه.
وأول ما دخلنا، لقيت صورة كبيرة معلقة على الحائط.
كانت صورة جوزي.
وتحتها جملة
الخير اللي بتبدأه بإيدك، ممكن يكمل بعدك بسنين.
وقفت قدام الصورة ودموعي نزلت.
كريم وقف جنبي وقال
كنت عايز بابا يفضل موجود في كل حاجة بنعملها.
قلت
هو موجود.
إزاي؟
حطيت إيدي على قلبه وقلت
هنا.
ابتسم.
وبعدين أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
نفس المفتاح اللي أخده من عادل سنين طويلة.
وقال
لسه محتفظ بيه.
ضحكت
ليه؟
قال
عشان أفتكر أول يوم اكتشفت فيه إن بابا سايبلي حاجة أهم من الفلوس.
إيه؟
بصلي وقال
سابلي مسؤولية.
سكتنا لحظة.
ثم قال
بس المرة دي، أنا مش هعمل زي زمان.
ضحكت
يعني إيه؟
قال
زمان كنت بحاول أحل كل حاجة لوحدي.
ثم ابتسم
دلوقتي عندي فريق كامل.
ضحكت من قلبي.
وبينما إحنا خارجين، وقف كريم فجأة.
ماما؟
نعم؟
فاكرة العجلة القديمة؟
قلت
اللي كانت سبب كل الحكاية؟
قال
لسه عندي.
استغربت
إنت محتفظ بيها لحد دلوقتي؟
ابتسم
أيوه.
ليه؟
قال
عشان كل ما أشوفها أفتكر الولد اللي كان فاكر إن أكبر حلم في حياته إنه يشتري عجلة...
وسكت.
ثم أكمل
وما كانش يعرف إن ربنا مخبيله حلم أكبر بكتير.
مسكت إيده.
ومشينا سوا.
وساعتها فهمت إن الحكاية اللي بدأت بمكالمة خوفتني...
ما كانتش حكاية فلوس ولا عجلة.
كانت حكاية أم اكتشفت إن ابنها الصغير عنده قلب كبير...
وولد اكتشف إن أعظم ميراث ممكن يسيبه الأب لابنه مش المال.
إنما السيرة الطيبة دي نهاية مختصرة ومؤثرة تقفل كل خيوط القصة
بعد سنين من اللي حصل، بقى كريم شاب ناجح، ومؤسسة فرصة بقت بتساعد أطفال وأسر كتير.
وفي يوم، رجع البيت ومعاه ظرف قديم.
قلتله
إيه ده؟
ابتسم وقال
ده أول مرتب خدته من المطعم.
فتحت الظرف، ولقيت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها
فلوس العجلة.
ضحكت وقلت
لسه محتفظ بيها؟
قال
أيوه... عشان أفتكر اليوم اللي فهمت فيه إن الحياة مش دايمًا بتدينا اللي بنطلبه، لكنها ساعات بتدينا حاجة أكبر بكتير.
سألته
وإيه اللي أخدته؟
بصلي وقال
أخدت منك الثقة، ومن بابا سيرته، ومن عم صابر معنى الخير.
ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا.
وده؟
قال
مفتاح أول مكان بدأنا منه فرصة.
بصيت له وقلت
وأكبر حاجة اتعلمتها؟
ابتسم وقال
إن الطفل مش لازم يشيل الدنيا لوحده... وإن طلب المساعدة مش ضعف.
حضنته وأنا بعيط وقلت
أنا كنت خايفة يوم صاحب المطعم اتصل وقال إن كل كلامك كذب.
ضحك وقال
وأنا كنت خايف يومها إنك تزعقيلي.
ضحكنا سوا.
وبعدين بصيت للعجلة القديمة اللي لسه محتفظ بيها في ركن البيت.
قلت
العجلة دي عاشت أكتر من المتوقع.
رد كريم
لأنها مش عجلة يا ماما...
سكت لحظة وقال
دي أول صفحة في حياتي.
ومن يومها، كل ما حد يسأله عن بداية مشواره، كان يشاور على العجلة ويقول
أنا بدأت وأنا عندي 13 سنة... لكن أكبر درس في حياتي اتعلمته من أمي إن مساعدة الناس شيء جميل، بس لازم نعرف كمان إمتى نطلب المساعدة.
أما أنا، فكنت دايمًا أقول
ابني ما كانش بيكدب عليا عشان يخبي مصيبة... كان بيخبي حلمًا، وأنا كنت محظوظة إني عرفت الحقيقة قبل ما يكبر.
وهكذا انتهت الحكاية...
لا بالعجلة،
ولا بالفلوس،
ولا حتى بالسر اللي أخفاه أبوه.
لكن انتهت بأم وابنها عرفوا أخيرًا إن أجمل ميراث ممكن يسيبه الإنسان بعده هو قلب يعرف يعمل الخير.

تم نسخ الرابط