ابنى عنده 13 سنة حكايات صافى هانى

لمحة نيوز

وتلعب وتعيش سنك... مش تشيل هم الدنيا كلها.
ضحك كريم.
وبعدين سكت لحظة وقال
خلاص يا ماما، أوعدك مش هخبي عليك حاجة تاني.
قلت
وأنا أوعدك بحاجة.
إيه؟
مهما حصل، مش هخليك تواجه الدنيا لوحدك.
ابتسم.
وفي اللحظة دي فهمت إن أغلى حاجة رجعتلي مش فلوس، ولا حق، ولا حتى اسم جوزي اللي اتبرأ.
أغلى حاجة رجعتلي كانت ابني.
الولد اللي كنت فاكرة إنه بيكدب عليا عشان العجلة...
طلع بيحاول يساعد إنسان محتاج، ويدافع عن اسم أبوه، وفي نفس الوقت يحافظ على حلم صغير كان نفسه يحققه.
ومن يومها، كل يوم سبت، كان كريم يركب عجلته ويروح يتمشى في الشارع.
وأنا أقف من الشباك أبص عليه.
كل مرة كان يلف ويرجع يبصلي ويبتسم.
وأنا أبتسم له.
لأنني أخيرًا فهمت معنى الجملة اللي قالها صاحب المطعم يومها
إنتي عارفة ابنك بيعمل إيه بكل مرتب بياخده؟
كنت فاكرة إني هكتشف مصيبة...
لكنني اكتشفت إن ابني، رغم صغر سنه، كان عنده قلب أكبر من سنه بكتير.
ومن يومها، بقى عندي قانون واحد في البيت
مفيش أسرار بيني وبين كريم... ومفيش طفل المفروض يشيل هم الدنيا لوحده ممكن نعمل تكملة قصيرة كخاتمة إضافية، فيها مفاجأة أخيرة تقفل القصة بشكل مؤثر
بعد مرور سنة، كنت قاعدة في المطبخ بجهز الغدا، وفجأة سمعت صوت مفتاح الباب.
دخل كريم وهو بيضحك.
قال
ماما، عندي خبر!
بصيتله وقلت
خير؟
حط شنطته على الكرسي وقال
صاحب المطعم كلمني.
قلبي اتقبض للحظة.
حصل إيه؟
ضحك وقال
قالي إن عنده منحة تدريب صيفي للطلبة، وعايزني أشارك فيها.
فرحت، لكن سألته
وشغلك؟
قال بسرعة
لا يا ماما، دي مش شغل. تدريب بسيط في الإجازة وبموافقتك.
ضحكت وقلت
كده الكلام.
وبعدين مد إيده وطلع ظرف صغير.
ده إيه؟
قال
فلوس كنت بحوشها.
فتحت الظرف، لقيت مبلغ صغير.
بصيتله باستغراب
إنت بتحوش تاني من ورايا؟
ضحك وقال
لأ، المرة دي قلتلك من أول يوم.
ضحكت وضمّيت الظرف في إيده وقلت
وإنت عايز تعمل بيهم إيه؟
ابتسم وقال
عايز أجيب هدية لعم صابر.
سكت لحظة.
وبعدين سألته
وإنت؟
قال
أنا؟ أنا شبعت من الهدايا.
ضحكت وقلت
لا يا كريم، أنت كمان ليك هدية.
طلعنا للبلكونة.
كانت العجلة القديمة واقفة هناك، لكن جنبها كانت فيه عجلة جديدة تمامًا.
كريم وقف مكانه.
دي لمين؟
قلت
ليك.
بصلي بصدمة
بس أنا عندي عجلة!
قلت
دي مش عشان تعوضك عن اللي حصل.
وقربت منه وقلت
دي عشان تفتكر إنك مش لازم تحرم نفسك عشان تساعد غيرك.
ابتسم كريم، وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال
ماما؟
نعم؟
أنا لما أكبر عايز أبقى زي بابا.
ابتسمت رغم الدموع اللي لمعت في عيني.
خليك أحسن منه يا ابني.
ليه؟
قلت
لأن أبوك كان راجل كويس...
ثم مسحت دموعي وقلت
لكن أنت لسه قدامك عمر طويل تعمل فيه حاجات أكبر بكتير.
خرج كريم بالعجلة الجديدة.
وقفت أراقبه من الشباك لحد ما اختفى في آخر الشارع.
وساعتها فهمت إن بعض الأسرار لما بتتكشف بتوجعنا...
لكن بعضها بيكشف لنا حقيقة أجمل مما كنا متخيلين.
وأنا كنت فاكرة إن ابني أخفى عني فلوسه...
لكن الحقيقة إنه كان بيعلمني، من غير ما يقصد، إن الخير مش مرتبط بالسن، وإن الشجاعة مش معناها إنك تواجه الدنيا لوحدك... الشجاعة الحقيقية إنك تعرف إمتى تطلب مساعدة.
ومن يومها، كل ما أفتكر مكالمة صاحب المطعم، أبتسم.
لأن الجملة اللي خوفتني وقتها
كل اللي الولد بيقولهولك كدب.
طلعت مش نهاية الحكاية...
دي كانت أول خطوة عشان أعرف الحقيقة كاملة أكيد، نقدر نعمل فصل جديد بعد ما افتكرنا إن القصة خلصت، ونفتح سرًا صغيرًا يخص والد كريم، من غير خيانة.
مرت سنتين.
كريم بقى عنده 15 سنة، واتغير جدًا.
بقى أهدى، أكثر ثقة في نفسه، وبقى دايمًا يقولي أي حاجة بتحصل معاه، حتى لو حاجة صغيرة.
وفي يوم وأنا برتب دولاب قديم كان بتاع أبوه، لقيت صندوق خشب صغير مستخبي ورا مجموعة كتب.
الصندوق كان عليه اسم جوزي.
فتحتُه، ولقيت بداخله ساعة قديمة، وصور، وكام ورقة.
لكن كان فيه ظرف مقفول ومكتوب عليه
لمنى... لو كريم كبر.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب بخط جوزي.
منى...
لو إنتي بتقري الرسالة دي، يبقى كريم بقى كبير كفاية يعرف الحقيقة.
أنا عارف إنك طول السنين اللي فاتت كنتي فاكرة إن وفاتي كانت حادثة عادية.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
قبل ما أموت، كنت بدأت مشروع صغير بعيد عن شغلي الأساسي.
المشروع ده كان هدفه مساعدة العمال اللي فقدوا قدرتهم على العمل، خصوصًا اللي عندهم أسر وأطفال.
ولو المشروع نجح، كنت ناوي أخليه باسم كريم لما يكبر.
وقفت عن القراءة.
مشروع باسم كريم؟
كملت
أنا ما قدرتش أكمل المشروع، لكن كل الأوراق والمبلغ اللي جمعته موجودين في مكان آمن.
ومهما حصل، ما تستخدميش الفلوس دي لنفسك.
استخدميها في حاجة تخلي كريم يفهم إن الإنسان مش بقيمة الفلوس اللي معاه، لكن بالخير اللي يقدر يعمله.
وقتها دموعي نزلت.
لأنني فهمت فجأة إن كل اللي حصل مع كريم خلال السنتين اللي فاتوا...
ما كانش مجرد صدفة.
كان ابني بيكرر نفس الطريق اللي بدأه أبوه.
لكن قبل ما أقفل الرسالة، لقيت سطر أخير
ولو كريم اختار بنفسه إنه يكمل المشروع، افتحي له الصندوق الموجود عند الأستاذ عادل.
تجمدت.
الأستاذ عادل!
نفس الشخص اللي ظهر في أول الحكاية.
في المساء، حكيت لكريم كل حاجة.
فضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال
ماما... هو بابا كان عايزني أعمل إيه؟
قلت
مش عايزك تعمل حاجة غصب عنك.
طب لو أنا عايز أكمل اللي بدأه؟
بصيت في عينه.
كان عنده نفس النظرة اللي شفتها وهو عنده 13 سنة.
نظرة طفل عايز يساعد الناس، لكنه بدأ يتعلم إنه ما ينفعش يعمل ده لوحده.
قلت له
يبقى نعملها سوا.
تاني يوم رحنا لعادل.
أول ما شاف كريم، ابتسم وقال
كنت مستني اليوم ده.
سأله كريم
بابا كان عارف إنك هتساعدني؟
قال
كان متأكد.
وأخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
حطه في إيد كريم وقال
ده مفتاح المكان اللي أبوك كان مخبي فيه كل حاجة.
كريم بص للمفتاح.
وبصلي.
وبهدوء قال
نروح؟
ابتسمت.
نروح.
لكن إحنا ما كناش نعرف إن المكان ده...
هيكون فيه شيء واحد فقط.
شيء تركه والده لكريم قبل وفاته.
شيء هيكشف آخر سر في حياة أبوه نكمّل من لحظة دخول كريم للمكان، ونكشف السر الأخير بشكل إنساني ومشوق.
وصلنا لمخزن قديم في آخر شارع جانبي.
عادل فتح الباب بالمفتاح، ودخلنا.
المكان كان مليان صناديق وملفات قديمة.
كريم بص حواليه وقال
هو بابا كان بيعمل كل ده هنا؟
عادل ابتسم وقال
كان بيحلم يعمل حاجة أكبر من نفسه.
فضلنا ندور لحد ما لقينا صندوق خشب عليه اسم كريم.
كريم قرب منه ببطء.
ده بتاعي؟
قلت
افتحه.
فتح الصندوق.
جواه كان فيه دفتر صغير، وصورة لوالده وهو ماسك كريم وهو طفل، وكارت مكتوب عليه
لما تكبر.
كريم فتح الدفتر.
في أول صفحة كان مكتوب
يا كريم، لو وصلت للرسالة دي، فأنا غالبًا مش موجود جنبك.
عايزك تعرف حاجة واحدة
أنا ما سبتلكش فلوس عشان تبقى غني.
أنا سبتلك فكرة.
كريم بدأ يقرأ بصوت مرتجف.
الفكرة إن أي إنسان مهما كانت ظروفه، يستحق فرصة.
لو قدرت تساعد حد، ساعده.
ولو ما قدرتش، ما تخجلش إنك تطلب المساعدة لنفسك.
ومتفتكرش أبدًا إنك لازم تبقى راجل كبير قبل وقتك.
كريم وقف عن القراءة.
بصلي، ودموعه على خده.
قال
بابا كان عارف إني هعمل كده؟
قلت
يمكن ما كانش عارف التفاصيل...
ثم ابتسمت
لكنه كان عارف قلبك.
في آخر الدفتر، لقينا قائمة بأسماء ناس كان أبو كريم بيساعدهم.
وكان اسم عم صابر موجود بينهم.
كريم شهق
تم نسخ الرابط