مراتى
خرج الدكتور.
ابتسم وقال
الحمد لله، الأم والطفل بخير.
وقتها بس عيطت.
دخلت لها.
كانت تعبانة جدًا، لكن أول ما شافتني ابتسمت.
قالت
آدم كويس؟
قلت
كويس.
قالت
وأنا؟
قربت منها وقلت
إنتِ أهم حاجة.
ابتسمت.
وقالت
دلوقتي صدقتك.
بعد أيام رجعنا البيت.
كان البيت مليان ضحك.
ابني بيحاول يساعدني.
بنتي عايزة تشيل أخوها.
وسارة قاعدة بتتفرج علينا وهي مبتسمة.
وفي وسط الزحمة، بصيت لها.
وقلت
فاكرة أول يوم خرجتي من البيت؟
قالت
فاكرة.
قلت
كنت فاكر إن خسارتك هي ثمن إني أبقى أب.
سكت.
ثم قلت
طلع العكس.
إزاي؟
قلت
لما حافظت عليكي ربنا رزقني بعيلة أكبر مما كنت أتمنى.
ابتسمت وقالت
بس متنساش إن العيلة دي محتاجة منك شغل كتير.
ضحكت.
حاضر يا مدام.
وبصيت لأولادي الثلاثة.
وقتها أدركت إن الحياة ما رجعتليش الماضي.
الحياة ادتني فرصة أصلح المستقبل.
ومن يومها، بقيت أقول لأي شخص بيسألني عن حكايتي
ما تحكمش على إنسان بسبب شيء خارج عن إرادته.
وما تخليش حلمك، مهما كان جميل، يخليك تظلم الشخص اللي وقف جنبك وقت ما الدنيا كانت ضلمة.
لأن الطفل نعمة
لكن الزوجة الصالحة شريكة عمر.
والبيت الحقيقي مش بيتبني بعدد الأطفال
البيت الحقيقي بيتبني بالرحمة أكمل لك آخر فصل، وفيه موقف بعد سنوات يختبر العيلة كلها ويبين إنهم فعلًا اتغيروا.
عدت عشر سنين.
آدم كبر، وابني وبنتي بقوا شباب صغيرين، وكل واحد فيهم بقى له شخصيته وحياته.
كنت أحيانًا أقعد في البلكونة وأتفرج عليهم وهم بيتخانقوا على أبسط الحاجات، فأضحك وأقول لسارة
فاكرة لما كنت فاكر إن المشكلة في حياتنا إن مفيش أولاد؟
فترد وهي بتضحك
إنت كنت فاكر مشاكل الحياة كلها تتحل بطفل.
كنت غبي.
أيوه.
وفي يوم، حصل موقف رجعني للماضي كله.
ابني رجع من المدرسة وهو متضايق.
سألته
مالك؟
قال
واحد من أصحابي قال لي إن أختي مش أختي الحقيقية.
بصيت له.
سكت.
سارة قربت منه وقالت
مين قالك كده؟
قال
قال إن ماما غير، وهي أمها غير.
حطيت إيدي على كتفه وقلت
اسمعني كويس.
بصلي.
أختك أختك. ومفيش ورقة ولا كلام حد يغير ده.
قال
بس هي مش بنت ماما.
سكت لحظة.
ثم قلت
ممكن تكون مش بنتها اللي ولدت منها، لكن بنتها اللي اختارت تحبها وتخاف عليها وتوقف جنبها.
سارة كانت واقفة ودموعها في عينيها.
ابني بص لها.
وقال
يعني ماما بتحبها زيي؟
ضحكت سارة وقالت
أكتر شوية.
ليه؟
عشان بتتعبني أكتر منك.
ضحكوا.
وفي اليوم ده فهمت إن العيلة اللي بنبنيها بإيدينا أحيانًا تكون أقوى من العيلة اللي اتولدت من غير اختيار.
بعدها بسنة، نهى رجعت تزورنا.
كانت علاقتنا وقتها هادية ومحترمة جدًا.
بنتنا كانت بتحب تقعد مع سارة، وآدم كان متعلق بيها كمان.
وفي آخر الزيارة، نهى قالت لي
أنا عمري ما تخيلت إن النهاية هتكون بالشكل ده.
قلت
ولا أنا.
قالت
بس عارفة إيه؟
إيه؟
قالت
يمكن لو كنت كملت معاك، كنت هفضل طول عمري حاسة إني دخلت حياة كانت ناقصة شخص تاني.
سكت.
قالت
دلوقتي أنا عندي حياتي، وإنت عندك حياتك، والأهم إن أولادنا مرتاحين.
ابتسمت.
أنا مدين لك باعتذار.
قالت
إنت اعتذرت كتير.
وبرضه قليل.
ضحكت.
خلاص، اعتبرني قبلته.
ومشت.
وقفت سارة جنبي.
قالت
هي إنسانة كويسة.
قلت
أيوه.
وأنا مبسوطة إن علاقتكم بقت محترمة.
بصيت لها.
إنتِ عارفة إنك السبب في ده؟
إزاي؟
لأنك علمتيني إن الحب مش معناه إننا نملك بعض.
ابتسمت.
ومرت الأيام.
وفي عيد زواجنا العشرين، صحيت الصبح لقيت سارة حاطة ظرف على الترابيزة.
ضحكت.
مش قولنا بلاش ظروف؟
قالت
افتح.
فتحت الظرف.
كان جواه ورقة واحدة.
لكن المرة دي كانت رسالة بخط إيدها.
قرأتها.
وكان مكتوب
أنا وافقت زمان على جوازك من غيري خوفًا من إني أخسرك.
والنهارده، بعد عشرين سنة، أقدر أقول إن أجمل حاجة حصلت إنك فهمت إن الإنسان مش بيتقاس باللي يقدر يديهولك، لكن باللي بيكونه وهو جنبك.
بصيت لها ودموعي نزلت.
قلت
إنتِ عارفة إنك أقوى إنسانة قابلتها؟
قالت
وعارفة إنك أخيرًا بقيت راجل كويس.
ضحكت.
أخيرًا؟ بعد عشرين سنة؟
قالت
التعلم بياخد وقت.
قربت منها.
وقلت
لو الزمن رجع بيا كنت هختارك من أول يوم.
قالت
ولو الزمن رجع بيا كنت هختارك برضه.
سكتنا.
ومن جوه البيت سمعنا صوت آدم
باباااا!
وبعده صوت ابني
ماماااا!
وبنتي
تعالوا بسرعة!
بصيت لسارة.
وضحتك.
قالت
العيلة بتنادي.
دخلنا سوا.
وأنا لأول مرة فهمت المعنى الحقيقي للجملة اللي قالتها سارة يوم خرجت من البيت
ساعات الحاجة لما تخرج من مكانها، مبتعرفش ترجع له تاني.
هي كانت صح.
سارة ما رجعتش لنفس البيت.
ولا رجعت لنفس العلاقة.
ولا أنا رجعت نفس الإنسان.
إحنا بدأنا من جديد
وبنينا بيتًا جديدًا جوه البيت القديم.
بيت أساسه الرحمة.
وسقفه الاحترام.
وأبوابه مفتوحة لكل أولادنا.
ومن يومها، لو حد سألني
إيه أكتر حاجة ندمت عليها في حياتك؟
بقول له
إني احتجت أخسر إنسانة عظيمة عشان أعرف قيمتها.
ولو سألني
وإيه أكتر حاجة حمدت ربنا عليها؟
بقول
إنه اداني فرصة أصلح قبل ما يكون الندم هو آخر الحكاية.
وهكذا انتهت حكايتي
مش بزواج جديد.
ولا بانتقام.
ولا بانتصار شخص على شخص.
انتهت بحاجة أهم
إنسان غلط واتعلم واتغير وحافظ أخيرًا على بيته.
لأن بعض الأخطاء ممكن تتغفر
لكن أعظم نعمة إنك تتعلم منها قبل ما تكررها أكيد، نكمل بفصل أخير بعد سنوات، وفيه مفاجأة تخص أول حمل لسارة والسر اللي احتفظت به كل السنين
بعد مرور سنتين، كنت قاعد في البيت مع سارة والأولاد، وكل واحد فيهم مشغول بحاجة.
فجأة سارة دخلت علينا وهي ماسكة صندوق خشب صغير.
قالت
عايزاكم كلكم تشوفوا حاجة.
الأولاد اتجمعوا حواليها.
فتحت الصندوق.
طلعت منه صورة سونار قديمة.
بصيت للصورة، واتعرفت عليها فورًا.
كانت صورة الحمل الأول اللي فقدناه.
سكت البيت كله.
آدم سأل
دي صورة إيه يا بابا؟
بصيت لسارة.
هي هزت راسها وقالت
دي كانت أول مرة ماما تعرف إنها هتبقى أم.
الأولاد بصوا لبعض.
بنتي سألت
يعني كان ليا أخ أو أخت؟
سارة قالت بهدوء
كان فيه حمل بس ربنا ما كتبش له يكمل.
آدم قرب منها.
وإنتِ زعلانة لحد دلوقتي؟
سارة ابتسمت.
الذكرى عمرها ما بتختفي، بس الوجع بيتغير.
ابني سألني
وبابا كان موجود وقتها؟
سكت.
ثم قلت
كان المفروض أكون موجود.
ابني فهم من نبرة صوتي إن الموضوع كبير.
قال
يعني إنت غلطت؟
بصيت له وقلت
أيوه.
سأل
وبعدين؟
قلت
وبعدين اتعلمت إن الاعتراف بالغلط مش بيصلحه، لكن ممكن يمنعك تكرره.
سارة ابتسمت.
وبعدين قفلت الصندوق.
قلت لها
ليه طلعتيه النهارده؟
ردت
عشان كنت عايزة أولادي يعرفوا إن أخوهم أو أختهم اللي ماجاش الدنيا كان له مكان في قلوبنا.
وبعدين بصت لي وقالت
وعايزة أنت كمان تبطل تهرب من الذكرى.
سألتها
يعني إيه؟
قالت
إنت لحد دلوقتي كل ما تفتكر اللي حصل بتلوم نفسك.
سكت.
قالت
أنا مش عايزاك تعيش باقي عمرك مذنب.
بس أنا ظلمتك.
وأنا سامحتك.
بس الطفل
قاطعتني
الطفل مش ذنبك.
كانت أول مرة تقولها لي بالطريقة دي.
حسيت بحاجة تقيلة جدًا خرجت من صدري.
قربت منها.
وقلت
شكرًا.
ضحكت وقالت
بس متفتكرش إنك كده خلصت حسابك.
لسه؟
أيوه.
فيه إيه تاني؟
قالت وهي بتضحك
إنت اللي هتغسل مواعين العشا.
الأولاد انفجروا في الضحك.
ضحكت أنا كمان.
وبعد ما دخلوا أوضهم، قعدنا إحنا الاتنين لوحدنا.
قلت لها
تعرفي إيه أكتر حاجة غيرتني؟
إيه؟
إني بقيت أخاف أوجعك أكتر ما بخاف أخسرك.
بصتلي.
وقالت
دي مش حاجة تخاف منها.
أمال؟
دي حاجة تحافظ عليها.
مسكت إيدها.
وقعدنا ساكتين.
وبعدها بفترة، كبر الأولاد أكتر، وكل واحد بدأ يشق طريقه.
وفي يوم، ابني جه وقال لي
بابا، أنا هتجوز.
ضحكت.
بالسرعة دي؟
قال
أنا مش صغير.
بصيت لسارة.
كانت بتضحك.
قلت له
أهم نصيحة أقولها لك؟
قال
إيه؟
قلت
ما تختارش شريكة حياتك على أساس إنها هتديك إيه.
استغرب.
أمال أختارها على إيه؟
قلت
على أساس إنت هتبقى مين وإنت معاها.
سكت.
وبعدين قلت
لو قدرت تبقى إنسان أحسن جنبها، حافظ عليها.
ابني ابتسم.
وقال
أنت اتعلمت الكلام ده متأخر؟
ضحكت.
متأخر جدًا.
من بعيد سارة قالت
بس اتعلمه.
بصيت لها.
ابتسمنا.
وفي اللحظة دي فهمت إن حياتنا ما كانتش حكاية عن طفل اتولد أو طفل ما اتولدش.
كانت حكاية عن إنسان كان فاكر إن السعادة في شيء ناقصه
لحد ما اكتشف إن السعادة كانت واقفة جنبه من البداية.
لكن هو ما كانش شايفها.
النهاية الحقيقية مش إن سارة سامحته.
النهاية الحقيقية إن هو بقى كل يوم يثبت لها إن السماح ده ما راحش هدر.
ومن يومها، كل ما أفتكر الماضي، ما بقيتش أقول
يا ريتني ما عملت كده.
بقيت أقول
الحمد لله إني اتعلمت قبل ما أخسرها للأبد دي النهاية الأخيرة والمقفولة للقصة
مرت الأيام، وكبر أولادنا، وبقى البيت مليان ذكريات جديدة غطّت على وجع السنين القديمة.
وفي يوم، كنت قاعد مع سارة في البلكونة، وهي بتتفرج على أولادنا من بعيد.
بصيت لها وقلت
فاكرة أول يوم خرجتي فيه من البيت؟
قالت
فاكرة كل كلمة.
قلت
وأنا فاكر أكتر كلمة وجعتني.
إيه؟
لما قلتيلي إن الحاجة لما تخرج من مكانها ممكن ما تعرفش ترجع له تاني.
ابتسمت وقالت
بس إنت أثبتلي إن ممكن الإنسان يبني مكان جديد جوه نفس المكان.
مسكت إيدها وقلت
أنا قضيت سنين بدور على طفل يكمّل حياتي، واكتشفت إن اللي كان ناقصني مش طفل كان عندي قلب قدامي ومكنتش شايفه.
سارة سكتت، ودموعها نزلت.
قلت
سامحيني على كل لحظة حسيتِ فيها إنك أقل من حلمي.
قالت
سامحتك من زمان.
وإنتِ ندمانة إنك رجعتي؟
ضحكت وقالت
لو كنت ندمانة، كنت مشيت من زمان.
ضحكت أنا كمان.
وفي اللحظة دي دخل أولادنا علينا، وكل واحد فيهم بيتكلم ويضحك.
بصيت لهم، وبعدين بصيت لسارة.
وفهمت أخيرًا إن العيلة مش عدد أفراد.
العيلة أمان.
رحمة.
احترام.
وإنك تفضل واقف جنب الشخص اللي اختارك حتى لما الدنيا تختبركم.
أما نهى، ففضلت علاقتنا محترمة، وبنتها كبرت وهي عارفة إن ليها أب عمره ما تخلى عنها.
وسارة عمرها ما حاولت تمنعني من بنتي، بالعكس، كانت دايمًا تقول لي
دي بنتك، وحبك ليها مش بينقص من حبك لأولادنا.
وده كان أكبر دليل إنها بقت إنسانة مختلفة عن الست اللي خرجت من البيت مكسورة.
وأنا كمان بقيت مختلف.
لو حد سألني
إيه أكبر غلطة عملتها في حياتك؟
هقول
إني ظنيت إن عدم الإنجاب هو المشكلة، بينما المشكلة الحقيقية كانت في طريقة تفكيري.
ولو سألني
وإيه أعظم نعمة؟
هقول
إن ربنا اداني فرصة أرجع للإنسانة اللي ظلمتها، وأتعلم إن الحب مش امتلاك والحياة الزوجية مش صفقة والإنجاب مش مقياس لقيمة الإنسان.
بصيت لسارة.
وقلت لها
لو رجع الزمن، هختارك من أول يوم.
ابتسمت وقالت
وأنا لو رجع الزمن، هطلب منك حاجة واحدة.
إيه؟
قالت
متستناش تخسرني عشان تعرف قيمتي.
مسكت إيدها.
وقلت
وعد.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف عيلة بتعدي بأزمة، أفتكر حكايتي وأقول لنفسي
الإنسان ممكن يغلط لكن أسوأ غلطة إنه يعرف إنه غلط ويكرر نفس الغلط.
أما أنا
فكان عندي حظ نادر.
غلطت.
وخسرت.
وندمت.
لكن ربنا اداني فرصة أصلح.
وسارة
كانت آخر فرصة في حياتي.
والمرة دي، ما ضيعتهاش.
تمت.