دخلت المحكمه

لمحة نيوز

عن المؤسسة.
كويس.
كنت عايز أقولك حاجة.
اتفضل.
قال
زمان كنت فاكر إن النجاح إن الناس كلها تعرف اسمي.
وسكت.
دلوقتي عرفت إن النجاح الحقيقي إن اسمك يبقى سبب في تغيير حياة ناس.
ابتسمت.
اتعلمت أخيرًا.
ضحك.
متأخر بس اتعلمت.
مد إيده.
صافحته.
من غير حب قديم، ومن غير ندم.
مجرد شخصين عاشوا عشر سنين مع بعض، واتعلموا من بعض، وبعدين كل واحد كمل حياته.
وأنا وأنا ماشية، افتكرت أول يوم دخلت فيه المحكمة.
كنت فاكرة إني داخلة علشان أخسر.
لكن الحقيقة؟
كنت داخلة علشان أكتشف إن الحاجة الوحيدة اللي ما ينفعش أخسرها هي نفسي.
رفعت إيدي، وبصيت للساعة.
ثم ابتسمت.
لأن الساعة اللي صدمت أهل مازن يوم المحكمة
ما كانتش رمز للغنى.
كانت رمز لأول مرة في حياتي أقول فيها لنفسي
أنا أقدر.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف واحدة خايفة من بداية جديدة، أقول لها
ما تخافيش من الصفحة الأخيرة ساعات الصفحة الأخيرة بتكون أول صفحة في أجمل فصل في حياتك بعد ما افتكرت إن فعلًا مفيش أسرار تاني، حصل شيء ما كانش في الحسبان.
في صباح يوم، وصلتني مكالمة من المحامي.
قال بصوت جاد
سلوى، لازم تقعدي معايا النهارده.
سألته في إيه؟
قال الموضوع يخص الشركة القديمة واسم والد مازن.
رحت له على طول.
حط قدامي ملف جديد.
قال
فاكرة الحساب اللي لقيناه في البنك؟
أيوه.
طلع مش الحساب الوحيد.
فتح صفحة جديدة.
كان فيه حساب استثماري قديم باسم مشروع لم أسمع عنه من قبل.
والأغرب إن تاريخ فتحه كان قبل جوازي من مازن بشهور.
قلت مين فتحه؟
قال
والد مازن.
وليه؟
رد
لأن والد مازن كان عنده سبب قوي جدًا يخليه يثق فيكي من قبل الجواز.
اتصدمت.
بس هو ما كانش يعرفني وقتها!
المحامي سكت لحظة.
ثم أخرج صورة قديمة.
بصيت للصورة
وكانت لوالدي واقف جنب والد مازن.
أنا ما كنتش أعرف إنهم اتقابلوا قبل كده.
قلت
إيه اللي بيحصل؟
قال
والدك ووالد مازن كانوا يعرفوا بعض من زمان، وكان بينهم شغل قديم.
وقتها بدأت قطع اللغز تركب مع بعضها.
والدي كان موظفًا بسيطًا، لكن قبل ما يشتغل في الحكومة كان اشتغل فترة قصيرة في تجارة الأدوات الكهربائية.
وفي الوقت ده، اتعرف على والد مازن.
كان بينهم تعامل تجاري صغير، وانتهى من سنين.
لكن والد مازن كان شايف إن أبويا راجل أمين جدًا.
وعندما عرف أن ابنه يريد الزواج مني، بحث عني بنفسه.
مش علشان فلوسي.
لكن علشان يعرف إذا كنت مناسبة لابنه.
واللي عرفه عنه كان أكثر مما كنت أتخيل.
قال المحامي
هو كان كاتب في مذكراته سلوى بنت راجل أمين، وعندها شخصية مستقلة. لو مازن حافظ عليها، هتبقى سند حقيقي له.
حسيت بدموعي تنزل.
لكن المحامي كمل
وفيه آخر شيء.
إيه؟
حط قدامي ورقة.
كانت عبارة عن رسالة بخط والد مازن.
قرأتها
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى مازن فقد الشخص اللي كان لازم يحافظ عليه. ما تندميش يا سلوى على العشر سنين. خدي منهم خبرتك، وسيبي وجعهم وراكي.
قفلت الورقة.
وقلت
هو كان عارف إن ده ممكن يحصل؟
المحامي قال
كان بيخاف من غرور ابنه، آه.
رجعت البيت وأنا بفكر.
وفي نفس الليلة، أبويا كان قاعد معايا.
حكيت له كل حاجة.
سكت شوية.
وبعدين قال
أنا كنت عارف إن والد مازن كان بيسأل عنك قبل الجواز.
بصيت له بدهشة
وإنت ما قلتليش؟
ضحك
كنتِ بتحبيه، وأنا كنت شايف إنه شاب كويس.
سألته
طب ليه ما قلتليش إنك تعرف والده؟
قال
علشان جوازك ما كانش صفقة. كان اختيارك إنتِ.
الكلمة دي أثرت فيا جدًا.
وقتها فهمت إن كل اللي حصل في حياتي ما كانش صدفة.
لكن برضه
ما كانش مكتوب عليّ أكمل مع مازن للأبد.
يمكن بعض الناس يدخلوا حياتنا علشان يعلمونا درس.
مش علشان يفضلوا فيها طول العمر.
بعد فترة، استخدمت جزءًا من الأموال الموجودة في الحساب القديم لتمويل منح تدريبية للشباب والبنات.
وسميت المنحة
منحة البداية.
وفي أول يوم توزيع للمنح، وقفت قدام المتقدمين وقلت
أنا عايزة كل واحد فيكم يفتكر حاجة واحدة.
القاعة سكتت.
قلت
البداية الصغيرة مش عيب. العيب إنك تصدق إنك أقل من حلمك.
وفي الصفوف الخلفية، كان مازن موجودًا.
لكنه ما قربش.
ولا حاول يتكلم.
بس ابتسم من بعيد.
وأنا ابتسمت له.
لأننا أخيرًا وصلنا للنقطة اللي بقينا فيها نقدر نحترم بعض
من غير ما نحتاج نرجع لبعض.
خرجت من القاعة.
الشمس كانت بتغيب.
رفعت إيدي.
ساعة الدهب لمعت تحت ضوء الشمس.
ابتسمت.
وقلت لنفسي
زمان الساعة دي كانت بتفكرني باللي انتهى دلوقتي بتفكرني باللي بدأ.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه سر نجاحك؟
أبتسم وأقول
إني في يوم خسرت كل حاجة كنت فاكرة إنها حياتي فاكتشفت إن حياتي الحقيقية كانت لسه هتبدأ وبعد ما افتكرت إن كل الأسرار اتكشفت، ظهر سر أخير سر ما كانش له علاقة بمازن ولا بفلوسه.
في صباح يوم هادي، دخلت المؤسسة لقيت موظف الاستقبال بيقول
مدام سلوى، فيه راجل كبير مستني حضرتك من بدري، وبيقول إن عنده حاجة تخص والد مازن.
استغربت، وطلبت منه يدخله.
دخل راجل في أواخر الستينات، وكان ماسك شنطة جلد قديمة.
قال أنا اسمي عم جابر كنت شغال مع والد مازن زمان.
قعد قدامي وفتح الشنطة.
طلع منها دفتر قديم.
ده كان دفتر حسابات أبو مازن الشخصي.
قلبت الصفحات.
ولقيت تواريخ قديمة، ومبالغ صغيرة، وملاحظات بخط إيده.
لكن في آخر صفحة كان فيه عنوان واضح
سلوى.
قلبي دق.
قلت هو كان بيكتب عني؟
قال عم جابر كان بيقول دايمًا إنك أكتر واحدة فاهمة الشغل، وإنه نفسه في يوم تشوفي قيمتك بعينك.
ثم أضاف
بس فيه حاجة تانية.
طلع صورة قديمة جدًا.
كانت ليا أنا ومازن يوم أول محل.
لكن ورا الصورة كان مكتوب
لو ابني نسي مين وقفت جنبه، خلي الصورة دي تفكره.
سكتُّ طويلًا.
قلت ليه ما ادانيش الدفتر ده قبل كده؟
قال كان ناوي، لكن المرض اشتد عليه.
ثم مد لي مفتاحًا صغيرًا.
وده أهم حاجة.
سألته مفتاح إيه؟
قال مخزن قديم كان والد مازن محتفظ فيه بكل أوراق المشروع الأولى.
تاني يوم رحت مع المحامي للمخزن.
فتحنا الباب.
كان مليان صناديق قديمة.
أول صندوق فتحناه كان فيه فواتير المحل الأول.
الثاني كان فيه عقود الموردين.
والثالث
كان فيه عشرات الأوراق المكتوبة بخط إيدي.
حسابات، ملاحظات، خطط توسع، وأفكار لفروع جديدة.
المحامي بصلي وقال
دي مش أوراق مساعدة لزوجك.
ثم ابتسم
دي أوراق شريكة مؤسسة.
مسكت واحدة من الورق.
وكان مكتوب في أعلاها
خطة سلوى لتطوير المحل خلال خمس سنوات.
ضحكت.
لأني افتكرت إنّي كنت بكتب الخطط دي على أمل نفتح فرع تاني.
لكننا فتحنا بعدها عشرات الفروع.
وقتها أدركت إنّي ما كنتش مجرد جزء من قصة نجاح مازن.
أنا كنت جزءًا أساسيًا من صناعتها.
وبعد أيام، قررت أحط كل الأوراق دي في متحف صغير داخل المؤسسة.
سميته
من الصفر.
وعلى الحائط كتبت جملة واحدة
كل نجاح كبير بدأ يومًا بورقة بسيطة كتبها شخص كان يؤمن بحلمه.
وفي يوم الافتتاح، حضر مازن.
وقف قدام الأوراق فترة طويلة.
ثم قال
أنا لأول مرة أشوف كل اللي عملتيه.
قلت
كان موجود قدامك طول الوقت.
هز رأسه.
أنا اللي ما كنتش شايف.
وبعدين بص للصورة القديمة.
وقال
تعرفي إيه أكتر حاجة موجعاني؟
إيه؟
إن الست اللي في الصورة دي كانت مؤمنة بيا أكتر من نفسي.
ابتسمت.
وأنت دلوقتي مؤمن بنفسك؟
قال
أخيرًا.
صافحني.
ومشي.
وقفت وحدي أمام الصورة.
أنا ومازن، واقفين جنب أول محل.
ملامحنا كانت بسيطة.
لا فلوس، ولا عربيات فخمة، ولا شركات.
بس كان عندنا حلم.
ابتسمت وأنا ببص للصورة.
وقلت
إحنا ما كناش عارفين وقتها إن الطريق هيبقى طويل.
ثم لمست الساعة في إيدي.
بس أنا عرفت في النهاية إن أهم حاجة مش إنك توصل لنهاية الطريق المهم ما تضيعش نفسك وإنت ماشي فيه.
ومن يومها، بقيت أعتبر الساعة دي مش مجرد ذكرى.
كانت وعدًا.
وعد إني مهما بدأت من جديد، هبدأ وأنا عارفة قيمتي.
وهنا فعلًا
انتهى آخر سر.
لكن بدأت أجمل مرحلة في حياة سلوى
مرحلة ما فيهاش زوج يحدد قيمتها، ولا أهل يحكموا عليها، ولا ماضي يخوفها.
فقط امرأة عرفت نفسها
وبنت مستقبلها بإيديها أكيد، دي نهاية مقفولة ومؤثرة للحكاية
مرت خمس سنين على اليوم اللي دخلت فيه المحكمة وأنا فاكرة إني جاية أكتب نهاية حياتي.
لكن الحقيقة إن اليوم ده كان بداية جديدة تمامًا.
مؤسسة منحة البداية كبرت، وبقت بتساعد مئات الشباب والسيدات يبدأوا مشروعاتهم.
أما أنا، فبقيت واحدة من أصحاب الأعمال الناجحين، لكن عمري ما نسيت الأيام اللي كنت فيها قاعدة في محل صغير، بمسك الكشكول وأحسب كل جنيه.
وفي يوم، كنت في مكتبي، وفجأة وصلتني رسالة من مازن.
كانت قصيرة جدًا
سمعت إن والدك تعبان. لو محتاجة أي مساعدة، أنا موجود.
قفلت الموبايل، وبعدها ابتسمت.
مش كل شخص خرج من حياتنا لازم يتحول لعدو.
أحيانًا الإنسان يتعلم، ويتغير، ويكمل طريقه.
وبعد فترة، قابلته صدفة في افتتاح أحد المشروعات.
وقفنا نتكلم دقائق.
قال لي
عاملة إيه؟
قلت
الحمد لله مرتاحة.
ابتسم وقال
ده أهم من كل الفلوس.
بصيت له وقلت
إنت كمان شكلك اتغير.
ضحك
اتعلمت بالطريقة الصعبة.
سكتنا.
وبعدين قال
كنت فاكر إن خسارتي ليكي هي أكبر خسارة حصلتلي.
سألته
ودلوقتي؟
قال
دلوقتي شايف إنها كانت أكبر درس.
ابتسمت.
يبقى خلاص.
مد إيده.
صافحته.
وكانت دي آخر مرة نتقابل فيها.
كل واحد رجع لحياته.
أنا رجعت لمؤسستي، وهو رجع لشغله.
وفي مساء اليوم نفسه، رجعت البيت، ووقفت قدام المراية.
بصيت لإيدي.
ساعة الدهب كانت لسه مكانها.
افتكرت أول مرة دخلت بيها المحكمة.
وقتها أهل مازن بصوا للساعة، وافتكروا إني بحاول أستعرض فلوسي.
لكنهم ما كانوش يعرفوا السر.
الساعة ما كانتش غالية علشان تمنها.
كانت غالية لأنها كانت أول حاجة اشتريتها من فلوسي أنا.
كانت أول مرة أقول لنفسي
أنا أقدر أبني حاجة تخصني.
ولما خرجت من المحكمة بعد الطلاق، ما كنتش مكسورة.
كنت خايفة، آه.
لكن كنت حرة.
ومع مرور السنين، فهمت إن الإنسان مش بيتقاس بالبيت اللي عايش فيه، ولا بالعربية اللي بيركبها، ولا بالفلوس اللي في البنك.
الإنسان بيتقاس بقدرته إنه يفضل واقف لما الدنيا تحاول توقعه.
وفي يوم افتتاح أكبر فرع لمؤسستي، طلعت على المسرح.
بصيت للناس وقلت
أنا سلوى، ومن خمس سنين دخلت المحكمة وأنا فاكرة إني داخلة أخسر.
ضحك بعض الحاضرين.
فكملت
لكن خرجت وأنا كسبت أهم حاجة نفسي.
صفق الناس.
رفعت إيدي، ولمعت الساعة تحت أضواء القاعة.
وقلت
لو فيه واحدة فيكم بتبدأ من الصفر، ما تخافش. الصفر مش عيب. كل حاجة عظيمة بدأت من نقطة صغيرة.
ثم سكتُّ لحظة.
بس أوعدي نفسك بحاجة واحدة مهما حبيتي حد، ومهما وقفتي جنبه، ما تنسيش نفسك.
نزلت من على المسرح.
وأمي حضنتني.
وأبويا ابتسم لي وقال
كنت عارف إنك هتوصلي.
ضحكت وقلت
وأنا كمان عرفت.
خرجت من القاعة، والليل كان هادي.
وقفت لحظة، وبصيت للساعة.
ثم ابتسمت.
لأنها كانت آخر شيء أخدته معايا من حياتي القديمة
وأول شيء فضل شاهدًا على حياتي الجديدة.
وفي النهاية، ما كانش سر الساعة إنها دهب.
سرها الحقيقي إنها كانت بتفكرني كل يوم إن قيمتي ما كانتش يومًا في شخص اتجوزته ولا في بيت سكنته ولا في ثروة امتلكتها.
قيمتي كانت فيا أنا.
ومن يومها، لما حد يسألني
إيه أكبر خسارة في حياتك؟
أبتسم وأقول
اللي كنت فاكرة إنها خسارة طلعت أعظم بداية.
تمت.

تم نسخ الرابط