دخلت المحكمه
دخلت وقالت
مدام سلوى، فيه راجل كبير مستني حضرتك بره، وبيقول إن الموضوع مهم جدًا.
خرجت أشوفه.
وأول ما شوفته، اتعرفت عليه.
كان واحد من أقدم العاملين مع مازن.
قلت له حضرتك؟ خير؟
رد بتردد أنا جاي أقولك حاجة اتأخرت سنتين.
قعد قدامي، وطلع من شنطته صندوق صغير.
حطه على المكتب.
ده كان عند والد مازن.
فتحت الصندوق.
ولقيت جواه كشكول قديم جدًا.
قلبت أول صفحة
واتصدمت.
كان بخط إيدي.
نفس الكشكول اللي كنت براجع فيه حسابات أول محل بقالة فتحناه.
قلت ده كان عندي من زمان اختفى بعد ما نقلنا.
قال والد مازن أخده قبل وفاته، وكان بيكتب ملاحظاته على اللي شافه بعينه.
فتحت الصفحة الأخيرة.
وكان مكتوب
سلوى مش مجرد زوجة ابني. لو حصل في يوم خلاف بينهم، لازم تعرف إن نصف النجاح اللي وصل له مازن بدأ من تعبها هي.
دموعي نزلت.
لكن كان فيه سطر تحت الكلام ده
وأنا خايف إن مازن في يوم من الأيام ينسى ده.
قفلت الكشكول.
وسألت الرجل
ليه جبتلي ده دلوقتي؟
قال
لأن مازن طلب مني أوصلهولك لو في يوم احتجتي تعرفي الحقيقة كاملة.
استغربت.
هو اللي طلب؟
هز رأسه.
أيوه.
في اليوم نفسه اتصلت بمازن.
قلت وصلني كشكول والدك.
سكت طويلًا.
ثم قال
كنت عارف إنك لازم تشوفيه في يوم من الأيام.
ليه ما ادتهوليش بنفسك؟
قال
لأني كنت عارف إنك مش محتاجة تسمعي مني كلام عن قيمتك كنت محتاجة تشوفيه من شخص ما كانش له مصلحة يجاملني.
سكتُّ.
ثم سألته
إنت عامل إيه؟
ضحك بهدوء.
ببدأ من جديد.
نجحت؟
قال لسه بس المرة دي مرتاح.
ابتسمت.
وده أهم.
بعدها انتهت المكالمة.
ما رجعناش لبعض.
وما كانش فيه سبب نرجع.
كل واحد فينا أصبح عنده حياة مختلفة.
لكن من يومها، احتفظت بالكشكول في درج مكتبي.
وكل ما كنت أشوف بنت خايفة تبدأ من الصفر، كنت أفتحه قدامها وأقول
شايفة الكلام ده؟ ده دليل إن تعبك ممكن يختفي من عين الناس لكن عمره ما بيختفي من الحقيقة.
وبعد سنوات، وأنا في حفل افتتاح أكبر مشروع عملته في حياتي، طلعت على المسرح.
الناس كانت بتصفق.
وأنا بصيت ناحية الصف الأول.
كان أبويا وأمي قاعدين، وأختي جنبهم.
رفعت إيدي
وكانت ساعة الدهب لسه في معصمي.
قلت
الناس بتفتكر إن أصعب لحظة في حياتي كانت يوم الطلاق.
سكتُّ لحظة.
لكن الحقيقة؟ أصعب لحظة كانت اليوم اللي اكتشفت فيه إني كنت طول الوقت بقيس قيمتي من خلال نجاح شخص تاني.
الجمهور سكت.
وأكملت
يومها فهمت إن الإنسان ممكن يخسر علاقة، أو بيت، أو مشروع لكن ما ينفعش يخسر نفسه.
صفق الناس.
نزلت من على المسرح.
وأثناء خروجي، لقيت رسالة وصلت على موبايلي.
من مازن.
فتحتها.
كان كاتب
مبروك يا سلوى المرة دي أنا فخور بيكي من بعيد، من غير ما يكون ليا أي فضل في نجاحك.
ابتسمت.
قفلت الموبايل.
وبصيت للساعة.
ثم قلت لنفسي
الحكاية بدأت يوم دخلت المحكمة وأنا فاكرة إني جاية أخسر جوزي لكنها انتهت يوم خرجت منها وأنا لاقية نفسي.
ومن يومها، ما بقيتش أقول
أنا كنت مرات مازن.
بقيت أقول بكل ثقة
أنا سلوى الست اللي بدأت من الصفر، وبنت حياتها بإيديها.
ودي كانت أغلى نهاية ممكنة للحكاية كلها لكن بعد ما عدت تلات سنين، حصلت مفاجأة رجعتني لنقطة البداية من جديد
كنت في مكتبي، وفجأة السكرتيرة قالتلي
مدام سلوى، فيه ست كبيرة مستنياكي بره، وبتقول إنها قريبة من مازن.
خرجت أشوفها.
وأول ما شفتها، اتصدمت.
كانت أخت والد مازن.
الست اللي عمري ما قابلتها قبل كده.
قالتلي
أنا عارفة إن وجودي هنا غريب بس أبو مازن قبل ما يموت سابلي أمانة.
قلت أمانة إيه؟
طلعت ظرف قديم من شنطتها.
قال لي ما تديهولهاش غير لما سلوى تكون وقفت على رجليها، ومبقاش بينها وبين مازن أي مصلحة.
مسكت الظرف وإيدي ارتعشت.
فتحته.
لقيت جواه صورة قديمة جدًا لأول محل فتحناه.
أنا ومازن واقفين قدامه.
وفي ظهر الصورة مكتوب
من هنا بدأت الحكاية لكن النجاح الحقيقي هيكون لسلوى لو عرفت تكمل لوحدها.
دموعي نزلت.
لكن كان فيه ورقة تانية.
قرأتها
وكانت المفاجأة إن والد مازن كان عامل حسابًا ماليًا منفصلًا من أول سنة، وحاطط فيه جزء من أرباح المحل، باسم مشروع مستقل لسلوى.
يعني قبل ما الخلافات تبدأ بسنين، كان شايف إن لازم يكون ليّا شيء خاص بيا.
الست قالت
هو كان بيقول دايمًا إنك أذكى واحدة شافها في إدارة الفلوس.
ضحكت وسط دموعي.
الغريب إن ابنه كان آخر واحد فهم ده.
قالت
يمكن لأنه كان شايفك كل يوم والناس ساعات ما بتقدرش الحاجة اللي قدام عينها.
احتفظت بالورقة.
لكن ما أخدتش الفلوس.
قلت
لو الفلوس دي حق قانوني ليا، هاخدها بالطريق القانوني. ولو كانت هدية منه، هخليها باسم المركز.
سألتني
ليه؟
قلت
لأن الراجل ده كان مؤمن إني أقدر أبدأ لوحدي. وأنا عايزة أخلي إيمانه بيا يساعد ناس تانية تبدأ.
وبالفعل، استخدمت المبلغ في إنشاء برنامج مجاني لتدريب السيدات اللي عايزين يبدأوا مشروعات صغيرة.
بعد شهور، البرنامج نجح جدًا.
وفي يوم الافتتاح، وقفت قدام مجموعة من السيدات وقلت
أنا مش هقولكم إن الحياة سهلة ولا هقولكم إن كل حد هنثق فيه هيحافظ علينا.
سكتُّ لحظة.
لكن هقولكم حاجة واحدة ما تسيبوش حقكم في إنكم يكون ليكم اسم، وحلم، وحياة مستقلة.
وفي آخر القاعة، كان فيه شخص واقف.
مازن.
استنيته لما خلص الحفل.
قرب وقال
أبويا كان هيبقى فخور بيكي.
ابتسمت.
وأنا كمان فخورة إني نفذت حاجة كان نفسه فيها.
سكت شوية وقال
سلوى أنا مش جاي أطلب حاجة.
عارفة.
بس كنت محتاج أشوف النهاية بعيني.
بصيت حواليا.
السيدات اللي بدأوا مشروعاتهم، والموظفين، والناس اللي المركز ساعدهم.
وقلت
دي مش النهاية يا مازن.
استغرب.
قلت
دي البداية.
ابتسم.
ولأول مرة، مشينا كل واحد في طريقه من غير وجع ولا غضب.
وأنا خرجت من المكان، رفعت إيدي وبصيت لساعة الدهب.
الساعة اللي بدأت بيها الحكاية
واللي فضلت شاهدة على كل حاجة.
وقتها فهمت إن السر اللي خبّيته سنين ما كانش سر فلوس ولا أملاك.
السر الحقيقي كان إن سلوى، من أول يوم، كانت أقوى مما كانت تتخيل.
وإن أحيانًا
أكبر خسارة في حياتنا بتكون هي الباب اللي بيخلينا نكتشف نفسنا لكن بعد كل اللي حصل، كنت فاكرة إن الماضي خلاص انتهى لحد ما في يوم، وأنا في المؤسسة، دخلت عليا بنت صغيرة اسمها مريم.
كانت في أوائل العشرينات، ماسكة ملف بلاستيك قديم، ووشها مليان خوف.
قالت مدام سلوى أنا محتاجة مساعدتك.
ابتسمت لها اتفضلي، احكيلي.
حطت الملف قدامي وقالت أبويا مات من كام شهر، وسابلي محل صغير. عمي بيقول إن المحل بتاعه، وإن أبويا كان مجرد موظف عنده.
فتحت الأوراق.
وأول ما شفت العقد، اتجمدت.
نفس الصيغة.
نفس البنود.
ونفس الطريقة اللي كان بيتعمل بيها تسجيل الملكية زمان.
قلت إنتِ متأكدة إن والدك هو اللي كان بيدير المحل؟
قالت أيوه. من أول يوم.
بصيت لها.
وفجأة افتكرت نفسي وأنا في بداية حياتي.
نفس الخوف.
نفس الإحساس إن تعب الإنسان ممكن يضيع لأن حد أقوى منه بيقول إنه صاحب الفضل.
قلت لها ما تخافيش.
وبدأت أراجع الأوراق.
خلال أيام، اكتشفنا إن والدها كان فعلًا شريكًا أساسيًا، وإن فيه مستندات قديمة تثبت ده.
ساعدناها تاخد حقها بشكل قانوني.
وبعد شهرين، رجعتلي مريم.
لكن المرة دي كانت بتضحك.
قالت أنا فتحت فرع جديد.
ضحكت.
بسرعة كده؟
قالت اتعلمت منك.
بصيت للوحة المعلقة على الحائط.
كان مكتوب عليها
ساعد غيرك لأنك لا تعرف كم شخصًا يحتاج فقط لمن يصدقه.
وقتها أدركت إن دي كانت أحلى نتيجة لكل اللي حصل.
مش الفلوس.
ولا الشركات.
ولا حتى إن مازن عرف قيمتي.
لكن إن الألم اللي عشته اتحول لسبب يخلي حياة ناس تانية أفضل.
وفي نفس اليوم، جالي ظرف بالبريد.
فتحت الظرف.
كان من مازن.
جواه ورقة واحدة.
كتب فيها
سلوى
أنا عارف إن حياتنا انتهت من زمان، وعارف إنك مش مستنية مني حاجة.
بس فيه شيء واحد لازم أقوله.
أبويا كان شايف فيكي حاجة أنا ما شفتهاش.
وأنا كنت فاكر إن خسارتك معناها إن حياتي هتتوقف.
لكن الحقيقة إن خسارتك كانت أكبر درس في حياتي.
مش علشان رجعنا لبعض
لكن علشان أخيرًا اتعلمت أحترم الشخص اللي وقف جنبي من البداية.
أتمنى تفضلي زي ما إنتِ.
قوية، لكن من غير ما تخلي القوة تقسي قلبك.
قفلت الورقة.
وحطيتها في الدرج.
ما بكيتش.
ابتسمت بس.
لأنّي كنت أخيرًا وصلت للمكان اللي ما بقيتش محتاجة فيه اعتذار من أي حد.
وفي المساء، رجعت البيت.
أمي كانت مستنياني.
بصت لإيدي وقالت
الساعة دي لسه معاكي؟
ضحكت وقلت
هتفضل معايا طول العمر.
قالت ليه؟
بصيت لها وقلت
علشان كل مرة أبص عليها، أفتكر اليوم اللي كنت فاكرة إني خسرت كل حاجة.
وسكت لحظة.
وأفتكر إني في الحقيقة كنت بكسب نفسي.
دخلت أوضتي.
حطيت الساعة فوق الكومودينو.
وبصيت لها للمرة الأخيرة قبل ما أنام.
وقتها فهمت إن بعض الأشياء قيمتها مش في سعرها.
قيمتها في الذكريات اللي شايلة أثرها.
ساعة دهب بدأت بيها صدمة أهل مازن وانتهت بيها حكاية سلوى مع الخوف.
ومن يومها، ما بقيتش أخاف من كلمة البداية.
لأني عرفت إن الإنسان ممكن يبدأ من الصفر
وممكن يبني عالم كامل.
بس بشرط واحد ما يستناش حد يصدّق فيه قبل ما هو نفسه يصدق في نفسه لكن بعد مرور سنة، حصل موقف خلاني أفتح ملف الماضي من جديد
كنت في مكتبي، والبرنامج اللي عملته للسيدات بقى ناجح جدًا، لدرجة إن ناس كتير بدأت تطلب مني أوسع المشروع.
وفي يوم، جالي اتصال من رقم ما أعرفوش.
مدام سلوى؟ أنا مدير فرع البنك القديم.
قلت أيوه، خير؟
قال فيه خزنة باسم حضرتك، موجودة من أكتر من عشر سنين، واتفتح ملفها للمراجعة. محتاجين حضرتك تحضري بنفسك.
استغربت جدًا.
خزنة باسمي؟ أنا معنديش خزنة.
قال عشان كده لازم تيجي.
تاني يوم رحت البنك.
الموظف دخلني غرفة صغيرة، وحط قدامي مفتاح قديم.
قال الخزنة دي اتفتحت لأول مرة من سنين طويلة.
دخلنا.
فتح الخزنة
ولقيت جواها ملف بني صغير.
وعقد.
وصورة.
الصورة كانت ليا وأنا ومازن في أول يوم افتتحنا فيه المحل.
لكن العقد كان المفاجأة.
كان عقد تأسيس مشروع باسم سلوى وحدها، مؤرخ من أول سنة جوازنا.
بصيت للمحامي اللي كان موجود معايا.
أنا مش فاهمة إيه ده؟
قال واضح إن والد مازن كان متابع كل حاجة، وكان عامل حساب للمستقبل.
قلبت الورق.
لقيت جملة مكتوبة بخط إيده
لو في يوم حصل خلاف بين سلوى ومازن، المشروع ده يفضل حق سلوى وحدها، لأنها أثبتت إنها قادرة تبني من الصفر.
وقتها فهمت إن والد مازن كان شايف اللي إحنا نفسنا ما كناش شايفينه.
كان عارف إن الأيام ممكن تتغير.
لكن قبل ما أقفل الملف، لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها
سلوى لو وصلتي للورقة دي، يبقى إنك قدرتي تقفي لوحدك. ما تستخدميش المال ده علشان تعيشي أفضل استخدميه علشان تخلي غيرك يعيش أفضل.
وقفت ساكتة.
وبعدها قررت أعمل أكبر خطوة في حياتي.
بعت جزء من المشروع، وخصصت قيمته لإنشاء مؤسسة لدعم أصحاب المشروعات الصغيرة.
وفي يوم الإعلان الرسمي، الصحافة سألتني
إيه اللي خلاكي تعملي كل ده؟
ابتسمت وقلت
لأني كنت في يوم من الأيام ست خايفة تبدأ من جديد.
سألوني
وإيه اللي حصل؟
بصيت للساعة الدهب في إيدي.
وقلت
بدأت.
بعد الحفل، لقيت مازن واقف بعيد.
قرب مني وقال
أنا سمعت