قبل الولاده بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

له كلنا.
عادل بص له
هو قال لي أروح لوحدي.
المدير رد بحزم
وده بالضبط اللي ما ينفعش تعمله.
عادل سكت شوية، وبعدين بص لي.
أنا فهمت من نظرته إنه مش عايز يسيبني لوحدي، خصوصًا بعد كل اللي حصل.
قلت له
روح بس ما تروحش لوحدك.
عادل هز راسه.
وبعد دقائق، كنا في الطريق لعنوان الدكتور فؤاد.
العنوان كان في شارع جانبي هادي، وبيت قديم جدًا.
عادل خبط على الباب.
مفيش رد.
خبط تاني.
فجأة الباب اتفتح لوحده.
دخلنا بحذر.
الصالة كانت مليانة ملفات وكراتين قديمة.
وعلى الحيطة صور كتير لمستشفى قديم.
الدكتور فؤاد خرج من آخر الممر.
راجل كبير، وشه مرهق، وفي إيده مفتاح صغير.
بص لعادل وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
عادل قال
أنا عايز السجل.
الدكتور رد
هديهولك.
المدير اتفاجئ
بالسهولة دي؟
الدكتور ابتسم ابتسامة حزينة.
لأني تعبت من حمله.
راح ناحية مكتبة، وطلع دفتر مغلف بقماش قديم.
حطه قدام عادل.
عادل مد إيده.
لكن الدكتور قال
قبل ما تفتحه لازم تعرف حاجة.
عادل سكت.
الدكتور قال
أبوك ما كانش هو اللي عمل الغلطة.
عادل اتنفس ببطء.
أمال مين؟
الدكتور رد
أنا.
الصمت وقع على المكان.
أبو عادل اتصدم
إنت؟!
الدكتور هز راسه.
بس مش بالشكل اللي إنت فاكره.
عادل قال
فسّر.
الدكتور فتح الدفتر.
وأشار لأول صفحة.
في يوم ولادتك، حصلت مشكلة في تسجيل مجموعة من الملفات بسبب عطل في نظام الأرشيف.
ثم أشار لسطر معين.
وأنا كنت المسؤول.
عادل قال
يعني إنت لخبطت البيانات؟
الدكتور رد
لأ أنا اكتشفت اللخبطة قبل ما تحصل.
عادل اتوتر.
أمال إيه اللي حصل؟
الدكتور بص له مباشرة وقال
لقيت إن ملفك اتحط في مكان غلط لكن قبل ما أصلحه، وصلني أمر إني ما ألمسوش.
عادل سأل
من مين؟
الدكتور سكت.
ثم أخرج ورقة قديمة.
وقال
من الشخص اللي كان وقتها مسؤول عن اعتماد السجلات.
عادل أخد الورقة.
قرأ الاسم.
وشه اتغير.
لأن الاسم كان هو نفس الاسم اللي ظهر في الصورة القديمة.
لكن المفاجأة الأكبر
إن جنب الاسم كان فيه توقيع والد عادل.
عادل قال
أبويا وقّع هنا!
الدكتور هز راسه.
أيوه.
عادل بص له بغضب
يبقى أبويا كان عارف!
الدكتور قال
كان عارف إن فيه مشكلة لكنه ما كانش عارف مين السبب.
ثم أشار للسطر اللي تحت التوقيع.
وقال
اقرأ ده.
عادل قرأ.
وكان مكتوب
تم إيقاف التصحيح بناءً على طلب ولي الأمر.
عادل رفع عينه
ولي الأمر مين؟
الدكتور فؤاد قال
دي الحاجة الوحيدة اللي ما قدرتش أعرفها.
عمه فجأة اتكلم
أنا أعرف.
الكل بص له.
عادل قال
إنت تعرف؟!
عمه قرب من الدفتر وقال
لأن أبوك قبل وفاته بأسبوع قال لي اسم الشخص.
عادل سأله
مين؟
عمه مد إيده للدفتر.
وقبل ما يتكلم، وقع نظره على الصفحة المفتوحة.
وفجأة اتجمد.
قال بصوت منخفض
لا مستحيل.
عادل سأله
إيه؟
عمه أشار إلى خانة التوقيع.
التوقيع ده مش توقيع أبوك.
الدكتور فؤاد قال
وده اللي كنت بحاول أقوله لكم من البداية.
عادل قرب من الصفحة.
وكان تحت التوقيع مباشرة رقم هاتف قديم.
عمه بمجرد ما شاف الرقم قال
الرقم ده لسه عندي.
عادل سأله
رقم مين؟
عمه رفع عينه له وقال
رقم الشخص اللي طلب وقف التصحيح.
ثم أضاف
وأنا آخر مرة كلمته كانت قبل وفاة أبوك بيومين.
عادل سأله
ومين هو؟
عمه فتح موبايله القديم، وبدأ يدور في الأرقام.
وبعد ثواني، ظهر الاسم على الشاشة.
عادل بص للموبايل
وفجأة وشه اتغير.
لأن الاسم اللي ظهر قدامه
كان اسم شخص قريب جدًا من العيلة، والشخص ده كان لسه بيتردد على بيتهم لحد وقت قريب عادل فضل باصص للموبايل في إيد عمه، مش قادر يستوعب الاسم.
قال بصوت مخنوق
إنت متأكد؟
عمه رد
متأكد الاسم ده عمره ما كان غريب عن بيتنا.
عادل خطف الموبايل من إيده، وبص للاسم مرة تانية.
كان عمّه الأكبر أخو أبوه.
الرجل اللي طول عمره بيقول إنه كان أقرب واحد لأخوه، واللي كان دايمًا يدخل بيتهم من غير استئذان.
عادل حس إن رجليه مش شايلاه.
قال
يعني عمي هو اللي طلب يوقف التصحيح؟
الدكتور فؤاد هز راسه
أنا مش هتهمه بحاجة من غير دليل. لكن توقيعه موجود في سجل الدخول، واسمه موجود في الطلب.
عادل فتح الدفتر بسرعة.
وفي آخر الصفحة لقى ورقة مطوية.
فتحها.
كانت رسالة بخط أبوه.
قرأها بصوت مرتجف
لو وصلت الورقة دي لابني يبقى الخطأ ظهر من جديد. أنا حاولت أصلحه، لكني اكتشفت إن الموضوع أكبر من مجرد ورقة. حافظوا على الحقيقة لحد ما ييجي الوقت.
وتحتها جملة واحدة
ابني لازم يعرف الحقيقة بنفسه.
عادل رفع عينه للدكتور
إيه الحقيقة؟!
الدكتور أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
الحقيقة إن ملف ولادتك كان فيه بيانات ناقصة، واتعمل له تصحيح بعد سنين لكن التصحيح اتعمل بطريقة غلط.
سمر قالت
يعني إيه بطريقة غلط؟
الدكتور بص لها
يعني إن بيانات عادل الحالية صحيحة لكن فيه مستند قديم اتسجل عليه رقم ملف شخص تاني بالغلط.
عادل قال
والطفل التاني؟
الدكتور رد فورًا
ملفه اتصحح من زمان.
سمر ارتاحت قليلًا.
لكن الدكتور أكمل
المشكلة إن الشخص اللي صحح الملف ما سجلش سبب التعديل.
عادل سأل
وليه؟
الدكتور أخرج آخر ورقة من الظرف.
وقال
لأن أبوك هو اللي طلب منه ما يكتبش السبب.
عادل اتصدم.
أبويا؟!
الدكتور هز رأسه.
أيوه.
ثم مد له الورقة.
كانت موقعة باسم والده.
لكن تحت التوقيع جملة صغيرة
لا يتم فتح الموضوع إلا إذا تكرر الخطأ في سجل أحد الأبناء.
عادل بص لسمر.
ثم بص لابنه الصغير اللي كان في حضنها.
وفجأة فهم.
عشان ابني
الدكتور قال
بالضبط.
الخطأ القديم ظهر مرة تانية أثناء مراجعة بيانات مولد ابنك.
لكن المرة دي، ظهر معاه المستند اللي كان أبوك مخبيه.
عادل فضل ساكت.
ثم قال
وعمي كان عارف كل ده؟
عمه الأكبر، اللي كان اسمه في الورقة، لم يكن موجودًا في البيت.
لكن في اللحظة دي، موبايل عادل رن.
الاسم ظهر على الشاشة
عمي.
عادل رد.
جاله صوت عمه من الناحية التانية
إنت فتحت السجل؟
عادل قال
أيوه.
سكت عمه ثواني.
ثم قال
يبقى خلاص أبوك مات وهو شايل السر، وأنا مش هقدر أشيله أكتر.
عادل سأله
إيه السر؟
عمه قال
أنا اللي طلبت من أبوك يخبي المستند.
عادل اتجمد.
ليه؟
قال عمه
لأن لو المستند ده ظهر وقتها كان هيضيع حق ناس مالهمش ذنب.
عادل ضغط على الموبايل
حق مين؟!
عمه قال
حقك إنت وحق أبوك وحق أسرة تانية كانت هتتظلم بسبب غلطة موظف.
ثم سكت لحظة وقال
بس أهم حاجة لازم تعرفها إن أبوك طول عمره كان بيحميك، مش بيخبي عنك حاجة.
المكالمة انتهت.
عادل فضل واقف مكانه.
وبص ليا.
وبعدين بص لأبنه.
ثم رجع فتح الدفتر للمرة الأخيرة.
في آخر صفحة، لقى سطر مكتوب بخط والده
يا عادل لو قريت الكلام ده، اعرف إن الفلوس اللي خدتَها من مراتك يوم ولادتها عمرها ما كانت أهم من وقفتك جنبها. لو يومًا ظلمتها بسبب جنيه، افتكر إن أغلى حاجة في حياتك كانت دايمًا الإنسان اللي وقف جنبك وقت الشدة.
عادل نزل عينه.
افتكر يوم ما اتهمني قدام أبويا.
افتكر ال جنيه.
افتكر إزاي كنت بحاول أوفر فلوسي وأحافظ على كل جنيه.
وبدون ما يقول كلمة، رجع معايا البيت.
أول حاجة عملها إنه دخل على أبويا.
وقف قدامه، وحط ال جنيه اللي كانوا باقيين من المبلغ على الترابيزة.
وقال
أنا جيت أرجعلك حقك بس اكتشفت إن أنا اللي عليّا حق.
أبويا بص له باستغراب.
عادل كمل
أنا ظلمت بنتك وافتكرت الفلوس أهم من تعبها.
وبعدين بص لي وقال
سامحيني.
أنا ما رديتش بسرعة.
مش لأنّي كنت عايزة أعاقبه
لكن لأنّي لأول مرة حسيت إن الكلام اللي كنت مستنياه منه من زمان، أخيرًا اتقال.
ومن يومها، عادل ما بقاش يسألني
صرفتي كام؟
بقى يسألني
إنتِ محتاجة إيه؟
أما دفتر المستشفى، فاتحفظ في مكان آمن، واتعمل تصحيح رسمي لكل البيانات من غير ما يتظلم أي شخص.
والأهم
إن عادل فهم إن ال ألف جنيه ما كانواش مجرد فلوس للولادة.
كانوا اختبارًا صغيرًا جدًا
كشف له هو بنفسه مين كان بيحافظ على بيته وقت الشدة، ومين كان مستعد يظلم أقرب الناس ليه عشان كام جنيه.
وأنا عمري ما نسيت اليوم اللي اتهم فيه أبويا.
لكنّي كمان عمري ما نسيت اليوم اللي وقف قدامه، وقال
أنا آسف لأنك كنت أب لبنتي قبل ما تكون حمايا.

تم نسخ الرابط