ليلة فرحي حكايات زيزي
ليلة فرحي كانت مثالية لحد ما جوزي الجديد بصلي وهمس لو عرفتي أنا عملت إيه بجد هتشيلي الدبلة دي من إيدك حالًا.
تاني يوم الصبح، اكتشفت حاجة مستخبية جوه جاكيت البدلة بتاعه، خلت الدم يتجمد في عروقي.
أول مرة قابلت ريتشارد كانت بعد حادثة عربية بشعة دخلتني المستشفى.
لما فتحت عيني أخيرًا، كانت رجلي الشمال متجبسة، وفي غرز فوق جبيني، والدكاترة شرحولي بحذر إن في أجزاء من الليلة دي ممكن ما ترجعش لحد آخر عمري.
كانت فيه لحظات كاملة حوالين الحادثة اختفت من ذاكرتي تمامًا.
ريتشارد كان واحد من الممرضين اللي شغالين في الدور اللي كنت فيه.
في الأول، ماكانش بالنسبالي غير شخص تاني بيطمن على أدويتي، ويساعدني في فترة علاجي، ويتأكد إني مرتاحة.
لكن مع الوقت، بقى مختلف عن كل اللي حواليه.
كان دايمًا بيقعد في أوضتي وقت أطول شوية.
وأوقات كنت ألمحه واقف عند الباب، ساكت وبيبصلي بنظرة غريبة على وشه.
كأنه كان مستني حاجة.
مستني إني أفتكر.
دلوقتي لما أرجع بذاكرتي، أقول إن ده كان المفروض يقلقني.
بس وقتها، أقنعت نفسي إن الموضوع أبسط من كده بكتير.
ريتشارد كان معجب بيا.
ولو هكون صريحة أنا كمان كنت بدأت أعجب بيه.
بعد ما خرجت من المستشفى، ريتشارد فضل على تواصل معايا.
قهوة واحدة بقت خروجة.
والخروجات بقت قضاء ويك إند سوا.
وقبل ما أحس بالسرعة اللي حصل بيها كل شيء، كنا بقينا في علاقة جدية.
وبعد كام شهر، اتقدملي.
وافقت.
فرحنا كان بالظبط زي ما كنت بحلم.
المكان كله كان متزين بالورد.
والموسيقى الهادية مالية القاعة.
وأصحابنا وقرايبنا كانوا بيضحكوا ويتكلموا تحت نور الزينة الدافي.
طول معظم الليلة، كنت فعلًا مصدقة إني أخيرًا وصلت للنهاية السعيدة اللي استنيتها طول عمري.
بس ريتشارد ماكانش على طبيعته.
وقت العشا، إيده كانت بتترعش لدرجة إنه كب شوية من النبيذ على مفرش السفرة.
وبعدها، وأنا شايفة كل الناس بترقص، اكتشفت إنه اختفى.
فضلت أدور عليه لحد ما لقيته لوحده على التراس، واقف وبيبص للظلام.
كان واضح إنه شرب.
وشرب أكتر بكتير مما كنت واخدة بالي.
وقفت جنبه وقلتله
مالك الليلة دي؟
ريتشارد لف وبصلي ببطء.
التعبير اللي كان على وشه ماكانش تعبير واحد فرحان في ليلة فرحه.
كان أقرب لشخص حاسس بالذنب.
وبعدين قرب مني وهمس
لو عرفتي أنا عملت إيه بجد مش هتفضلي لابسة الدبلة دي.
اتجمدت مكاني.
ريتشارد إنت بتتكلم عن إيه؟
بص بعيد عني.
كان لازم أقولك قبل النهارده.
صوته اتكسر وهو بيكمل
أنا كنت أناني وكل مرة كنت بقول لنفسي إن لو الوقت عدى كفاية، يمكن الموضوع مايبقاش مهم.
معدتي اتقبضت.
إيه اللي مش هيبقى مهم؟
فتح بقه عشان يرد.
لكن قبل ما يقول أي حاجة، رجليه خانته ووقع.
نزل على الأرض وسند ضهره على حيطان التراس.
بين الكحول والإرهاق ومشاعر اليوم كلها، كان بالكاد قادر يفضل صاحي.
واحد من الضيوف ساعدني نطلعه للأوضة.
بس أنا ما نمتش.
فضلت طول الليل صاحيه، وكلامه بيلف في دماغي من غير ما يوقف.
لو عرفتي أنا عملت إيه بجد
حاولت أقنع نفسي إنه كان سكران وخلاص.
يمكن ماكانش عارف هو بيقول إيه.
يمكن الحاجة اللي كان يقصدها تطلع عادية جدًا لما الصبح ييجي.
لكن لما الشمس طلعت، الإحساس اللي في معدتي ماختفاش.
ريتشارد كان لسه نايم.
وبهدوء، بدأت ألم هدومه اللي كانت مرمية في كل مكان في أوضة الفندق.
جاكيت البدلة بتاعه كان متعلّق على ظهر كرسي.
لما شيلته، حسيت بحاجة تقيلة اتحركت جوه الجيب الداخلي.
افتكرت إنها ممكن تكون ورق خاص بالفرح.
أو محفظته.
أو حتى هدية من حد من الضيوف.
مديت إيدي جوه الجيب.
وصوابعي مسكت حاجة صلبة.
أول ما طلعتها
جسمي كله تلج.
لأ
فضلت باصة للحاجة اللي في إيدي.
ماكانش فيه أي سبب يخلي ريتشارد يكون معاه الحاجة دي.
أي سبب.
لكن أنا عرفتها فورًا.
كانت مرتبطة بالليلة الوحيدة اللي ذاكرتي عمرها ما قدرت تسترجعها بالكامل.
ليلة الحادثة.
نفس الليلة اللي ريتشارد كان دايمًا بيأكدلي إنه مايعرفش عنها أي حاجة قبل ما يقابلني في المستشفى.
وفجأة، كل اللحظات الغريبة اللي حصلت بينا رجعت قدامي مرة واحدة.
طريقته وهو بيراقبني وأنا بتعافى.
سكوته الغريب كل ما أجيب سيرة الحادثة.
إجاباته المحسوبة.
وتردده البسيط كل مرة كنت أحاول أفتكر اللي حصل في الليلة دي.
كنت طول الوقت بقنع نفسي إن كل ده ملوش معنى.
دلوقتي
كل حاجة بقى ليها معنى.
ريتشارد ماكانش مخبي عن مراته الجديدة مجرد سر محرج.
هو كان مخبي حاجة تخص علاقتنا ببعض قبل ما أصحى أصلًا في أوضة المستشفى.
حاجة حصلت قبل ما يقدّم نفسهولي على إنه شخص غريب عني.
وحاجة كانت موجودة معايا طول الوقت من غير ما أعرف.
وقفت هناك، بفستان فرحي، وأنا ماسكة الحاجة الوحيدة اللي تثبت الحقيقة.
وفجأة فهمت هو كان يقصد إيه الليلة اللي فاتت.
لو كنت عرفت الحقيقة قبل ما أقول موافقة
ماكانش عمري لبست الدبلة دي.
ولما فهمت بالظبط الحاجة اللي في إيدي معناها إيه
صرخت.
حكايات زيزي
صرخت.
الصوت خرج مني أعلى مما كنت متخيلة، لدرجة إن ريتشارد اتحرك فجأة على السرير.
خبّيت الحاجة بسرعة ورا ضهري.
قلبي كان بيخبط بعنف، وإيديا بتترعش لدرجة إني حسيت إنها هتقع مني.
ريتشارد فتح عينه ببطء.
إيه اللي حصل؟
ما رديتش.
فضلت باصة له.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته، حسيت إني واقفة قدام شخص غريب تمامًا.
إنت كنت فين ليلة الحادثة؟
السؤال خرج مني هادي.
هادئ بشكل مرعب.
لكن أول ما سمعه وشه اتغير.
التعب اللي كان ظاهر عليه اختفى في لحظة.
وعينيه راحت مباشرة لإيدي.
للحاجة اللي كنت مخبياها ورا ضهري.
سكت.
ثانية.
اتنين.
وبعدين قال
إنتي لقيتيها.
ماكانش سؤال.
كان عارف.
حسيت إن نفسي اتقطع.
إيه دي يا ريتشارد؟
قام من السرير بسرعة، لكني رجعت خطوتين لورا.
ما تقربش.
وقف مكانه.
وبصلي نظرة عمري ما شوفتها في عينيه قبل كده.
خوف.
خوف حقيقي.
اسمعيني بس.
ضحكت ضحكة قصيرة ومتوترة.
أسمع إيه؟ إنك كنت بتكدب عليا؟ إنك طول الوقت كنت تعرف أكتر مما بتقول؟
أنا ما كنتش بكدب عشان أأذيكي.
أمال كنت بتكدب ليه؟
سكت.
وده كان أسوأ رد ممكن يقوله.
رفعت الحاجة قدامه.
كانت قطعة معدنية صغيرة، عليها خدوش قديمة.
وفي جنبها علامة مميزة.
علامة كنت شفتها قبل كده.
مش بعيني.
لكن في كوابيسي.
من بعد الحادثة.
كنت بحلم أوقات بطريق ضلمة.
صوت فرامل.
نور عربيات.
وبعدين نفس العلامة دي بتلمع قدامي وسط الضلمة.
كنت دايمًا بصحى قبل ما أفتكر هي تخص إيه.
لكن دلوقتي
عرفت.
أو على الأقل، عرفت إنها كانت جزء من اللي حصل.
ريتشارد قرب خطوة.
دي ماينفعش تكون معاكي.
بصيتله بصدمة.
يعني هي بتاعتك؟
اتأخر في الرد.
وده أكد كل شكوكي.
ريتشارد إنت كنت هناك.
قفل عينه.
وما أنكرش.
حسيت الأرض بتتحرك من تحتي.
كنت هناك.
الجملة خرجت منه واطية.
بس بالنسبة لي، كانت كأنها انفجار.
إنت قلتلي إن أول مرة شوفتني فيها كانت في المستشفى.
كنت مضطر أقول كده.
مضطر؟!
صوتي على.
إنت كنت مضطر تكذب على واحدة فاقدة جزء من ذاكرتها؟ واحدة ما تعرفش اللي حصلها؟
ريتشارد بص للأرض.
أنا حاولت أحميكي.
الجملة دي خلتني أتجمد.
تحميني من إيه؟
رفع عينه ناحيتي.
لكن قبل ما يرد
خبط قوي جه على باب أوضة الفندق.
اتنين من العاملين كانوا بره.
واضح إنهم سمعوا صراخي.
مدام، حضرتك كويسة؟
ريتشارد بصلي بسرعة.
ونظرته كانت بتقول حاجة واحدة.
ما تقوليش.
حسيت بالقشعريرة تسري في جسمي.
فتحت الباب فتحة صغيرة وقلت
أنا كويسة آسفة، كل حاجة تمام.
العامل بصلي باستغراب.
واضح إن وشي ماكانش بيقول إن كل حاجة تمام.
لكني قفلت الباب.
أول ما لفّيت ناحيته، قلت
دلوقتي هتقولي كل حاجة.
ريتشارد أخد نفس طويل.
الحادثة ما كانتش صدفة زي ما إنتي فاكرة.
الصمت نزل بينا.
فضلت باصة له.
إيه؟
قالها تاني.
الليلة دي كان في حد تاني بيحاول يوصلك.
حسيت ببرودة في أطرافي.
مين؟
مش عارف إذا كنتي هتصدقي.
جربني.
مشى ناحية الشباك.
أنا كنت راجع من الشغل. شفت عربيتك قبل الحادثة بدقايق.
وشوفتك؟
هز راسه.
لأ. شوفت عربية تانية.
معدتي اتقبضت.
كانت ماشية وراكي.
فضلت ساكتة.
عقلي بدأ يجري أسرع من كلامه.
عربية مين؟
لف ناحيتي.
دي الحاجة اللي بحاول أعرفها من سنين.
سنين؟
الجملة دي وقفتني.
أنا وريتشارد ماكناش نعرف بعض من سنين.
هو نفسه قال إن كل شيء بدأ في المستشفى.
قربت منه.
إنت قولت من سنين ليه؟
وشه شحب.
ولأول مرة
حسيت إنه قال حاجة ماكانش ناوي يقولها.
ريتشارد؟
ما ردش.
إنت تعرفني من قبل الحادثة كمان؟
الصمت.
بصيت للحاجة اللي في إيدي.
وبعدين بصيت له.
إنت مش بس كنت هناك ليلة الحادثة
بلعت ريقي.
إنت كنت تعرفني قبلها.
فضل ساكت.
وده كان الإجابة.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
كل ذكرياتي معاه بدأت تتغير قدامي.
أول مرة دخل أوضة المستشفى.
ابتسامته.
طريقته لما عرف إني مش فاكرة كل حاجة.
نظراته اللي كنت بفسرها على إنها إعجاب.
يمكن ما كانتش إعجاب من البداية.
يمكن كانت خوف.
يمكن كان عارف إن في لحظة، لو ذاكرتي رجعت
كل شيء هينتهي.
قعدت على طرف الكرسي.
إنت مين؟
ريتشارد فتح بقه، لكنه ما لحقش يرد.
تليفوني رن.
بصيت للشاشة.
رقم غريب.
ما كنتش ناوية أرد.
لكن الإحساس اللي جوايا خلاني أضغط على زر الرد.
ألو؟
في البداية
مافيش صوت.
بس تنفس.
وبعدين صوت راجل قال بهدوء
لو إنتي ماسكة الحاجة اللي كانت في جيب جوزك ما تسأليهوش هو الأول.
اتجمدت.
ريتشارد خطف الموبايل من إيدي.
مين؟
لكن الخط كان اتقفل.
بصيتله.
مين كان ده؟
ملامحه اتغيرت تمامًا.
الخوف اللي كان عنده من شوية اختفى.
وحل مكانه شيء أخطر.
رعب.
إحنا لازم نمشي من الفندق حالًا.
وقفت.
مش هتحرك من هنا قبل ما أفهم.
قرب مني بسرعة، لكنه وقف قبل ما يلمسني.
لو فضلنا هنا، ممكن حد يلاقيكي.
حد مين؟
ما ردش.
مسكت الحاجة بقوة.
أنا تعبت من إن كل واحد حواليا عارف حاجة وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة.
وفجأة
حصلت حاجة ماكنتش متوقعة.
الحاجة اللي في إيدي
كان فيها جزء صغير قابل للفتح.
لاحظته لأول مرة.
ضغطت عليه.
ريتشارد صرخ
لأ! ما تفتحيهاش!
لكن كان فات الأوان.
الجزء اتحرك.
وجواه
كان في شيء صغير مطوي بعناية.
ورقة قديمة.
اتسعت عيني وأنا بسحبها.
كانت متضررة من المية ومصفرة من الزمن.
وفي أولها
كان مكتوب اسمي.
بخط إيد أعرفه.
أو بالأصح
خط إيد كان المفروض ما أعرفوش.
لأن الاسم المكتوب في آخر الورقة
كان اسم شخص مات قبل الحادثة بأسابيع.
شخص كنت متأكدة إني عمري ما قابلته في حياتي.
رفعت عيني ببطء ناحية ريتشارد.
لكنه ماكانش باصص للورقة.
كان باصص ناحية باب الأوضة.
وبعدين سمعت أنا كمان.
ثلاث خبطات بطيئة.
على الباب.
خبط.
خبط.
خبط.
ريتشارد همس بصوت مرتعش
ما تفتحيش.
وبعد ثواني
سمعنا صوت ست من الناحية التانية.
وقالت
أنا عارفة إنك جوه وجيت أخيرًا أقولها الحقيقة اللي إنت دفنتها ليلة الحادثة.
فضلت واقفة مكاني، والورقة بتترعش بين صوابعي.
وبصيت لريتشارد.
لأول مرة
ما طلبتش منه يشرح.
لأن نظرة واحدة لوشه كانت كفاية عشان أعرف إن اللي واقف بره الباب
مش جاي يكشف سر واحد.
كان جاي يهدم كل حاجة عرفتها عن ليلة الحادثة بصيت ناحية الباب.
وبعدين بصيت لريتشارد.
مين دي؟
وشه كان شاحب بطريقة خوفتني.
ما تفتحيش الباب.
مين دي يا ريتشارد؟
أرجوكي مش دلوقتي.
الجملة دي كانت كفاية.
بعد كل اللي حصل، وبعد كل الكذب اللي اكتشفته في ساعات قليلة، آخر حاجة كنت