جدتى بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

لكنها كانت أكثرهم إصرارًا على ألا تضيع الحقيقة.
جلست على الأرض وأنا أقرأ الاسم.
فهمت أخيرًا سبب خوفها يومها.
هي لم تكن تخاف من الشقة.
كانت تعرف أن المكان يحمل تاريخًا كاملًا، وكانت تريد أن تتأكد أنني لن أتعامل مع الماضي بخوف أو غضب.
كانت تريدني أن أفهم.
رفعت الورقة لمعتز وقلت
تيته كانت جزءًا من الحكاية من البداية.
قال
وأظن إنها كانت عارفة إنك هتكمليها.
وفي نفس اليوم، أخذنا كل الوثائق وسلمنا نسخًا منها لأفراد العيلتين، وحفظنا النسخ الأصلية في مكان آمن.
أما المفتاحان، فعلقناهما بجانب صورة تيته.
وتحت الصورة كتبنا
إلى غالية التي وقفت على العتبة يومًا، ففتحت لنا باب الحقيقة.
ومن وقتها، لم يعد أحد يخاف من قصة الهلال.
بقت حكاية بنحكيها لأولادنا.
حكاية ست كبيرة رفضت دخول بيت لأول مرة
ليس لأنها فقدت عقلها، ولا لأنها رأت شيئًا مخيفًا
ولكن لأنها كانت تعرف أن هناك قصة قديمة يجب أن تُحكى في الوقت الصحيح.
وفي كل مرة أحكي الحكاية، أقول لأولادي
افتكروا دايمًا البيوت مش جدران وبس. كل بيت فيه حكايات، لكن أجمل الحكايات هي اللي نهايتها تصلح اللي الزمن أفسده.
وهكذا، بعد عشرات السنين من الصمت، انتهت حكاية الهلال أخيرًا.
لكن أثر تيته غالية
فضل موجودًا في البيت.
وفي كل قلب عرف أن الأمانة أقوى من الزمن، والحقيقة لما تظهر في إيد ناس بتحب بعض، ممكن تحول أقدم خلاف إلى أجمل بداية لكن الحكاية ما انتهتش هنا
بعد أيام من تعليق مفاتيح الهلال بجانب صورة تيته غالية، كنت قاعدة لوحدي في الغرفة القديمة، وفجأة لاحظت حاجة غريبة.
الصورة نفسها كانت مائلة.
عدلتها، فوقع من خلفها ظرف صغير.
الغريب إن الظرف كان عليه تاريخ حديث، بعد وفاة تيته بأسابيع.
فتحت الظرف، ولقيت جواه ورقة مكتوبة بخط إيدها.
قلبي دق بسرعة.
بدأت أقرأ
هند، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا قدرت أخبي عنك آخر جزء من الحكاية.
وقفت لحظة.
ثم كملت
أنا ما خفتش من البيت يوم جيت أول مرة أنا خفت عليكي.
توقفت عن القراءة.
كانت الجملة دي بالذات مختلفة عن كل اللي عرفته.
وتحتها كتبت
قبل ما تتجوزي معتز، كنت أعرف إن عيلته حافظت على أمانة قديمة. لكني ما كنتش أعرف إذا كان الجيل الجديد هيحافظ عليها.
ثم
لما وقفت على باب شقتك وشفت معتز وأهله، ما شفتش خطر شفت اختبار.
حسيت براحة غريبة.
تيته كانت بتختبر الناس، مش بتتهمهم.
لكن آخر سطر كان مختلفًا
ولو وصلتي للنهاية، دوري على الشيء الذي أعطيته لك يوم كنتِ طفلة.
قفلت الرسالة.
بدأت أفكر.
إيه الحاجة اللي تيته أعطتهالي وأنا طفلة؟
وفجأة افتكرت.
كان فيه صندوق صغير خشبي كانت دايمًا تحتفظ فيه بحاجات قديمة.
اتصلت بماما.
سألتها
ماما، فاكرة الصندوق الخشب الصغير اللي كان عند تيته؟
سكتت ثواني وقالت
أيوه هو عندي.
طلبت منها تجيبه.
بعد ساعة وصلت.
فتحت الصندوق.
كان فيه صور قديمة، خاتم بسيط، ومسبحة، ومفتاح صغير جدًا.
رفعت المفتاح.
كان عليه الهلال.
معتز بص لي وقال
مفتاح تالت.
حطينا المفاتيح الثلاثة جنب بعض.
وفجأة لاحظنا إنهم مش متشابهين تمامًا.
كل مفتاح كان عليه جزء من نفس العلامة.
جمعناهم جنب بعض.
ظهرت صورة كاملة
هلال وفوقه نجمة صغيرة.
معتز قال
دي مش علامة عشوائية.
رجعنا للغرفة السرية.
فتشنا في كل مكان.
لحد ما لقيت خلف إحدى الصور تجويفًا صغيرًا.
وضعت المفتاح.
فتح درج مخفي.
وكان بداخله دفتر تيته غالية.
فتحته.
وفي أول صفحة كتبت
يا هند، لو وصلتي هنا، يبقى أنتِ مش بس عرفتي الحقيقة أنتِ بقيتي جزءًا منها.
كانت الصفحات الأخيرة عبارة عن نصائح قصيرة كتبتها لأحفادها.
ما تظلمش حد عشان حكاية سمعتها.
ما تحكمش على شخص من كلام الناس.
الحق مش محتاج صوت عالي.
والبيت اللي يتبني على الصدق، حتى لو صغير، أوسع من أي قصر.
وفي آخر صفحة كتبت
أما آخر سر، فهو مش عن الأرض ولا الصندوق.
قلبت الصفحة.
وكان مكتوب
آخر سر هو إن الحكاية دي لم تبدأ بجد معتز وجد هند بل بدأت بي أنا.
وقفت مذهولة.
معتز قرأ الجملة.
قال
تيته؟
كملت القراءة.
كانت تحكي أنها وهي شابة كانت أول من اكتشف الأوراق القديمة، وهي التي أقنعت الكبار بعدم استخدام الحق لمصلحة عيلة واحدة.
وهي التي اقترحت علامة الهلال كرمز للأمانة.
وهي التي أخفت بعض الرسائل حتى لا تضيع وسط الخلافات.
لكنها كتبت سببًا واحدًا لفعل كل ذلك
كنت أريد أن يأتي يوم يفتح فيه حفيد من العيلتين الباب معًا.
ثم كتبت
ولما شفتك واقفة قدام البيت يومها، عرفت إن اليوم وصل.
دموعي نزلت وأنا بقرأ.
معتز سكت فترة، ثم قال
يعني جدتك كانت بتجهز للحظة دي طول عمرها.
هزيت رأسي.
وفي اليوم التالي، قررنا نعمل لوحة كبيرة في مدخل البيت.
كتبنا عليها
هذا البيت ليس ملكًا للماضي بل شاهدًا على أن المستقبل يمكن أن يصلح ما أفسده الزمن.
وحطينا تحتها أسماء كل الناس اللي حافظوا على الأمانة.
وكان أول اسم
غالية.
بعدها، بقى كل طفل يدخل البيت يعرف حكاية الهلال.
لكننا ما كناش بنحكيها كحكاية سر مخيف.
كنا بنحكيها كدرس.
إن الحقيقة ممكن تتأخر
لكنها لا تموت.
وإن الإنسان ممكن يرث بيتًا أو أرضًا أو مالًا
لكن أعظم ميراث هو الأمانة.
وفي آخر مرة وقفت فيها قدام باب الشقة، لمست علامة الهلال وابتسمت.
افتكرت اليوم الأول.
اليوم اللي تيته وقفت فيه على العتبة وقالت
والله ما أنا داخلة.
وقتها ما كنتش فاهمة.
دلوقتي فهمت.
كانت بتقول لي من غير ما أعرف
أنا مش هدخل البيت ده إلا لما أتأكد إن حفيدتي داخلاه وهي مطمنة.
ومن يومها، بقيت العتبة دي بالنسبة لي مش مجرد مدخل.
بقت أول صفحة في أجمل حكاية ورثتها عن تيته غالية.
وحكاية الهلال
أخيرًا وجدت صاحبها الحقيقي
الحقيقة نفسها أكيد، دي نهاية مقفولة ومؤثرة للحكاية، ومن غير خيانة
مرت شهور، وكل أسرار البيت بقت معروفة.
الأوراق اتوثقت، والحقوق رجعت لأصحابها، والعيلتين اتصالحوا تمامًا، وبقى بيت الهلال مكان يجمعهم في كل مناسبة.
أما أنا، ففضلت محتفظة بدفتر تيته غالية في درج قريب مني.
وفي يوم، كنت واقفة قدام صورتها، ومعتز جنبي.
قلت له
تفتكر تيته كانت عارفة إن كل ده هيحصل؟
ابتسم وقال
كانت عارفة إنك هتكملي اللي بدأته.
بصيت للمفتاح النحاسي المعلق تحت صورتها.
وقتها فهمت أخيرًا الجملة اللي همستها لي في أول يوم
يا هند متخافيش من البيت، خافي بس إنك تعيشي فيه من غير ما تعرفي حكايته.
تيته ما كانتش خرفت.
وما كانتش بتخوفني.
كانت عارفة إن البيت شايل سر قديم، وكانت مستنية اللحظة اللي الحقيقة تظهر فيها من غير ما تسبب أذى لأي حد.
وفي آخر صفحة من دفترها، لقيت جملة صغيرة
لو وصلتي للنهاية، يبقى دوري خلص ودورك بدأ.
قفلت الدفتر، ودموعي نزلت وأنا ببتسم.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن علامة الهلال، بحكيله الحكاية من أولها.
لكن دايمًا بختمها بجملة واحدة
تيته غالية ما رفضتش تدخل بيتي لأنها كانت خايفة هي وقفت على العتبة عشان تتأكد إن البيت ده هيكون بداية، مش نهاية.
وبعد سنين، علّقنا صورة تيته في مدخل البيت، وتحتها كتبنا
غالية حارسة الأمانة.
وأصبح البيت الذي بدأ بحكاية قديمة، مكانًا يجمع العيلتين ويذكّر كل واحد فينا أن الحق لا يضيع طالما هناك من يحفظه.
وهكذا انتهت الحكاية
لا بخسارة، ولا بخصام، ولا بسر يؤذي أحدًا.
انتهت بالحقيقة، وبعودة الحقوق، وبعيلة اختارت أن تبدأ صفحة جديدة.
أما أنا
فكلما وقفت عند نفس العتبة التي ارتجفت عندها تيته غالية يومًا، كنت أبتسم وأقول
ادخلي يا تيته البيت بقى أمان.
ثم أتذكر أنها لم تعد هنا لتدخل.
لكن أثرها
فضل ساكن في البيت، وفي قلوبنا، وفي كل مرة نحكي فيها حكاية الهلال.

تم نسخ الرابط