جدتى بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

التراب.
معتز ركع قدامه، ومسح الغبار.
وجدنا نفس علامة الهلال.
حط المفتاح.
ودار القفل.
فتحنا الصندوق.
جواه كانت أوراق قديمة، وصور، وعقود ملكية.
لكن كان فيه ظرف أبيض فوق كل الأوراق.
مكتوب عليه
إلى من يفتح الصندوق بعدي.
معتز فتحه.
وكانت الرسالة من جده.
كتب فيها إنه اكتشف أن الأرض اتقسمت ظلمًا من زمان، وأن جزءًا منها من حق عيلة تيته.
لكنه لم يرد أن يأخذ أحد حق أحد.
بل كتب وصية واضحة
إذا جاء يوم وبُني بيت فوق هذه الأرض، فليكن البيت سببًا لجمع العيلتين، لا سببًا لفرقتهم.
سكتنا جميعًا.
تيته ابتسمت وقالت
علشان كده رفضت أدخل البيت.
استغربت
بس ليه؟
قالت
لأن جد معتز زمان حلف إن البيت ده مش هيتفتح سره غير لما واحدة من العيلتين تتجوز من العيلة التانية من غير ما تعرف الحكاية.
بصيت لمعتز.
قالت
هو كان عايز يتأكد إن الناس تختار بعضها بصدق، مش بسبب أرض أو فلوس.
معتز بصلي وقال
وعلشان كده أنا نفسي ما كنتش أعرف إنك من العيلة اللي ليها حق في الأرض.
ابتسمت وأنا مش مصدقة.
كل الخوف اللي حسيت بيه من أول اليوم بدأ يتحول لفهم.
لكن تيته لم تكن قد انتهت.
أخرجت من جيبها ورقة صغيرة وقالت
دي أهم حاجة.
فتحتها.
كانت ورقة حديثة نسبيًا، وعليها توقيع والدي.
بصيت له باستغراب.
قال
وقعتها من سنين، قبل ما أعرف إن الموضوع هيوصل لحد هنا.
تيته قالت
الورقة دي بتثبت إن والدك اختار إنه يحافظ على حق العيلة من غير ما يطلب لنفسه جنيه واحد.
ثم نظرت لمعتز.
وأبوك عمل نفس الشيء.
وقف معتز صامتًا.
وفي اللحظة دي، فهمت ليه تيته كانت مصرة تدخل الشقة رغم خوفها.
هي ما كانتش خايفة من البيت نفسه.
كانت خايفة إن الحقيقة تظهر في الوقت الغلط.
لكن لما شافت إن معتز وأهله حافظوا على حق الناس، عرفت إن الوقت جه.
اقتربت منها وقلت
طب ليه ما قلتيليش من البداية؟
ابتسمت وقالت
كنت مستنية أشوف بعيني هل البيت ده هيكون بداية حياة جديدة، ولا مجرد باب قديم وراه طمع.
ثم وضعت يدها على رأسي وقالت
والحمد لله اخترتي صح.
بعدها اتفقنا إن الأرض والحقوق كلها تتسجل رسميًا باسم أصحابها، وإن البيت يفضل بيتنا إحنا الاتنين.
أما الغرفة السرية، فقررنا نحتفظ بها كما هي، ونضع فيها صور العيلتين والرسالة القديمة.
ومن يومها، بقت تيته تزورني كل أسبوع.
وفي أول زيارة بعدها، دخلت الشقة من غير تردد.
وقفت عند العتبة، بصت حوالينها، وقالت وهي بتضحك
أهو البيت اللي خوّفني أول مرة طلع شايل أحلى بداية.
ضحكت وقلت
يعني كنتِ عارفة كل ده؟
ردت
مش كل حاجة.
إيه اللي ما كنتيش عارفاه؟
ابتسمت وقالت
إن حفيدتي هتكون أول واحدة تفتح الباب اللي قفله أهلنا من أكتر من خمسين سنة.
ومن يومها، بقيت كل ما أبص لعلامة الهلال الموجودة على الحائط، أفتكر إن بعض الأسرار مش بتظهر علشان تفرق الناس
أحيانًا بتظهر علشان ترجع الحقوق لأصحابها، وتجمع قلوب اتفرقت بسبب سوء الفهم سنين طويلة مرت شهور، والبيت بقى مختلف تمامًا.
ما بقاش مجرد شقة جديدة لعروسين، بقى مكان بتتجمع فيه العيلتين كل أسبوع تقريبًا.
تيته غالية كانت كل ما تيجي تقعد قدام علامة الهلال وتقول
سبحان الله مين كان يصدق إن العلامة الصغيرة دي هتجمع ناس كتير بعد كل السنين دي؟
لكن في يوم، حصل شيء ما كناش متوقعينه.
كنت بنضف الغرفة السرية، ولقيت لوح خشب صغير واقع خلف الصندوق القديم.
رفعته، فظهر تجويف ضيق في الحائط.
ناديت معتز.
جاء بسرعة، وبص للمكان باستغراب.
قال
إحنا فتحنا الغرفة دي قبل كده، وما كانش فيه حاجة هنا.
دخل إيده في التجويف وطلع دفتر صغير مغلف بجلد قديم.
على الغلاف كان مرسوم الهلال.
فتحناه.
أول صفحة كان مكتوب فيها
لو وصلت لهذا الدفتر، يبقى إن وعدنا ما انتهتش حكايته.
قلبنا الصفحات.
كان الدفتر عبارة عن مذكرات جد معتز.
لكن في آخر صفحة، كان فيه سطر واحد
الوثائق تثبت الملكية لكن هناك شيء آخر أثمن منها، وقد أخفيته بعيدًا عن البيت.
معتز بصلي وقال
إيه الحاجة دي؟
قلت
معرفش.
وفي اليوم التالي، حكينا لتيته.
أول ما شافت الدفتر، فضلت ساكتة فترة طويلة.
ثم قالت
أنا كنت متأكدة إن فيه جزء ناقص من الحكاية.
سألتها
إيه هو؟
قالت
جد معتز ما كانش بيحفظ الورق بس كان بيجمع شهادات الناس اللي عاشوا المشكلة دي.
شهادات؟
أيوه. تسجيلات مكتوبة بخط إيده، عشان محدش يقدر يغيّر الحقيقة بعد موته.
وفعلًا، بدأنا ندور.
فتشنا في المخزن.
وفي المكتبة.
وفي دولاب قديم.
لحد ما معتز لاحظ إن واحدة من بلاطات الأرض مختلفة عن الباقي.
رفعها.
وكان تحتها صندوق خشبي صغير.
فتحناه.
كان جواه عشرات الرسائل.
كل رسالة باسم شخص من العيلتين.
قرأنا أول واحدة.
كانت شهادة رجل كبير في السن، بيحكي بالتفصيل إزاي حصل الخلاف على الأرض، وإزاي جد معتز قرر يحفظ الحقوق بدل ما يستغل الموقف لصالح عيلته.
وفي آخر الرسالة كان مكتوب
أتمنى أن يأتي يوم لا يحتاج فيه الأبناء إلى حمل أخطاء الآباء.
بصيت لمعتز.
قال
دلوقتي فهمت ليه جدي كان مصر إن البيت يفضل للعيلتين.
تيته ابتسمت وقالت
لأنه كان عارف إن أحسن نهاية لأي خلاف إن الجيل الجديد ما يورثش الكراهية.
بعدها بأيام، قررنا نعمل حاجة بسيطة.
جمعنا العيلتين في البيت.
حطينا كل الوثائق والرسائل قدامهم.
وبعد مراجعة قانونية، اتفق الجميع إن الحقوق تتقسم بشكل عادل ورسمي، وإن محدش ياخد أكتر من حقه.
وفي نهاية اليوم، وقف بابا وقال
يمكن جدودنا اختلفوا لكن إحنا نقدر نختار غيرهم.
صفق الجميع.
أما تيته، فكانت قاعدة تبتسم.
روحت قعدت جنبها.
قلت
تيته إنتِ من الأول كنتِ عارفة إن كل ده هيحصل؟
ضحكت وقالت
أنا ست عندي تسعين سنة يا بنتي، مش ساحرة.
ضحكت.
ثم قالت
بس اتعلمت حاجة طول عمري.
إيه؟
قالت
لما قلبك يحس إن فيه حاجة غلط، ما تتجاهليش إحساسك. ولما الحقيقة تظهر، ما تخافيش منها.
ثم بصت ناحية معتز، وقالت
وأهم حاجة اختاري الإنسان اللي لما تظهر الحقيقة، تلاقيه واقف جنبك مش ضدك.
ابتسم معتز وقال
اطمني يا تيته، هند أمانة.
ردت عليه
وأنا مش بخاف على هند منك.
سكتت لحظة ثم أضافت
أنا بخاف عليكم من الزمن.
وبالفعل، الزمن مر.
كبر بيتنا، وكبرت عيلتنا، وبقت الغرفة السرية مكانًا نحفظ فيه تاريخنا.
أما الصورة القديمة، فحطيناها في إطار جديد وعلقناها فوق الباب.
وتحتها كتبنا جملة واحدة
الحقيقة قد تتأخر لكنها حين تأتي، تضع كل شيء في مكانه الصحيح.
وبعد سنوات، كل ما حد من أولادنا يسأل
إيه حكاية الهلال؟
كنت أبتسم وأحكيله عن ست عندها تسعين سنة وقفت على عتبة بيت جديد ورفضت تدخله.
لكنها لم تكن خائفة من البيت
كانت تحاول فقط أن تتأكد أن السر الذي ظل مدفونًا لأكثر من نصف قرن سيظهر في أيدٍ أمينة.
وفي آخر مرة زارتني فيها تيته، وقفت عند الباب بنفسها.
بصت للعلامة.
ابتسمت.
وقالت
دلوقتي أقدر أدخل وأنا مطمنة.
ودخلت.
ومن يومها، ما عادتش العتبة دي بالنسبة لي مجرد باب شقة
بقت شاهد على حكاية بدأت بسر قديم، وانتهت بعيلتين اختاروا الحق بدل الطمع، والمودة بدل الخلاف أكيد، نكمل بفصل جديد ونفتح سرًا أخيرًا في حكاية تيته غالية، من غير خيانة أو شخصيات خائنة.
بعد مرور سنة، كنت قاعدة في البلكونة مع معتز، والبيت هادي بشكل غريب.
فجأة سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة.
فتحت، لقيت راجل كبير في السن واقف، ماسك ظرف بني قديم.
بص لي وقال
إنتِ هند؟
قلت
أيوه.
مد الظرف ناحيتي.
ده أمانة عندي من أكتر من خمسين سنة.
بصيت للظرف باستغراب.
أمانة لمين؟
قال
لصاحبة المفتاح.
اتجمدت.
المفتاح!
دخلت الراجل، ومعتز جه بسرعة.
قعد الرجل وقال
أنا كنت شغال مع جد معتز زمان. وفي آخر أيامه، اداني الظرف ده وقال لي لو قابلت يومًا بنت من عيلة هند، سلّمهولها.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه جواب قصير.
لو وصلت الرسالة دي إلى حفيدتي، يبقى البيت حفظ الوعد.
قرأت باقي الرسالة.
كان جد معتز كاتب إن أكبر سر ما كانش متعلق بالأرض أصلًا.
كان متعلقًا بشخص.
شخص عاش عمره كله وهو يظن إن عيلته ضاعت منها حقوقها، بينما الحقيقة إن الحق كان محفوظًا له طوال الوقت.
بصيت لمعتز.
مين الشخص ده؟
قبل ما يرد، الراجل الكبير قال
أنا.
اتصدمنا.
قال
أنا ابن الرجل اللي كانت الأرض باسمه.
معتز وقف.
يعني إنت من العيلة صاحبة الحق؟
هز رأسه.
أيوه، لكن أبويا مات وأنا صغير، وما كنتش أعرف الحقيقة.
ثم أخرج ورقة قديمة.
جد معتز كان محتفظ بالوثيقة دي، وكان ناوي يرجعها لأصحابها، لكنه ما لحقش.
فتحت الورقة.
وكان عليها ختم قديم وتوقيعات تؤكد الملكية.
لكن
تم نسخ الرابط