جدتى بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

المفاجأة الحقيقية كانت في آخر السطر.
اسم صاحب الأرض كان
اسم جد تيته غالية.
سكتنا جميعًا.
وفجأة فهمت ليه تيته كانت تعرف تفاصيل المكان.
كانت الحكاية مش مجرد قصة سمعتها من بعيد.
دي كانت حكاية عيلتها.
اتصلت بيها فورًا.
قلت
تيته، فيه حد عندي لازم تشوفيه.
بعد ساعة، وصلت.
وأول ما شافت الراجل، وقفت مكانها.
قالت بصوت مبحوح
إنت ابن حسن؟
قال
أيوه.
دموعها نزلت، وقالت
كنت فاكرة إنك مت.
رد
وأنا كنت فاكر إن عيلتك رفضت تعرفني.
هنا فهمنا إن أكبر مشكلة حصلت زمان ما كانتش بسبب الطمع.
كانت بسبب رسائل ما وصلتش لأصحابها.
كل طرف كان فاكر إن الطرف الآخر اختار يبعد.
لكن الحقيقة إن الرسائل كانت ضاعت أثناء انتقال العائلة من مكان لمكان.
يعني نصف قرن كامل من سوء الفهم
بسبب أوراق ورسائل لم تصل.
تيته قعدت على الكرسي، وقالت
يااه خمسين سنة ضاعت من عمرنا.
معتز رد بهدوء
لكن لسه نقدر نصلح اللي باقي.
وفعلًا، اتفقنا إن كل شيء يتوثق رسميًا، وإن صاحب الحق يأخذ حقه، من غير ما يحصل أي خلاف بين العيلتين.
وقبل ما الراجل يمشي، وقف قدام الباب.
بص لعلامة الهلال وقال
جد معتز كان دايمًا يقول إن الهلال معناه إن الليل مهما طال، لازم ييجي بعده صباح.
ابتسمت.
وسألت
طيب ليه اختار الهلال تحديدًا؟
ضحك وقال
لأن الهلال كان العلامة اللي بتستخدمها العيلتين زمان عشان يعرفوا إن الرسالة وصلت.
بصيت لتيته.
ضحكت لأول مرة من قلبها.
وقالت
وأهو آخر رسالة وصلت أخيرًا.
وفي الليلة دي، وقفت أنا ومعتز قدام الباب.
المكان اللي بدأت عنده الحكاية.
قال لي
فاكرة أول يوم؟
قلت
فاكرة كويس.
كنتِ خايفة؟
ابتسمت
كنت فاكرة إن جدتي رفضت تدخل بيتي.
قال
لكنها كانت بتفتحلك باب أكبر.
سألته
باب إيه؟
قال
باب الحقيقة.
بصيت لعلامة الهلال.
وفهمت أخيرًا إن تيته لم تكن تحاول تخويفي.
كانت تحاول حمايتي من إننا نكرر أخطاء ناس سبقونا.
ومن يومها، بقيت أقول لكل واحد يسألني عن الحكاية
مش كل باب مقفول وراه مصيبة أحيانًا الباب المقفول بيحفظ حقًا لحد ما ييجي الشخص الصح ويفتحه.
أما تيته غالية
فكانت كل ما تزورني، تقف عند العتبة وتضحك وتقول
أهو المرة دي دخلت برجلي من غير ما أتراجع.
وأنا كنت أرد
والسر؟
فتقول
السر خلص يا هند.
ثم تبتسم وتضيف
دلوقتي بقى دوركم تعيشوا حياتكم.
وهكذا انتهت حكاية الهلال
لا بمأساة، ولا بخلاف، ولا بخسارة أحد.
انتهت بأن الحقيقة ظهرت، والحقوق رجعت لأصحابها، والعيلتين اتجمعوا من جديد.
وأنا أدركت أن جدتي، رغم سنها، كانت أكثر شخص رأى الصورة كاملة.
وفي النهاية، لم تكن الجملة التي همست بها لي عند باب الشقة تحذيرًا من زوجي
كانت تحذيرًا من شيء أخطر
إوعي يا هند تورثي خوف الناس اللي قبلك لأن اللي حصل زمان انتهى، وإنتِ من حقك تبدأي حياة جديدة بعد مرور عدة سنوات، كنت فاكرة إن حكاية الهلال انتهت تمامًا، وإن كل الأسرار القديمة اتكشفت لكن في يوم، اكتشفت إن تيته غالية كانت سايبة لي رسالة أخيرة.
كان يوم جمعة، والبيت مليان ضحك.
أولاد العيلة كانوا بيلعبوا في الصالة، ومعتز بيجهز القهوة، وأنا كنت براجع شوية حاجات في الغرفة القديمة.
فجأة، وقعت عيني على الصورة اللي كانت معلقة فوق الباب.
صورة جد معتز وتيتة غالية وهما شباب.
الغريب إن الإطار كان بيتحرك.
قربت منه، ولما رفعته من مكانه، لقيت ورقة صغيرة ملزوقة خلفه.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الورقة.
كان مكتوب
هند لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة.
وقفت مكاني.
تيته كانت ماتت من شهرين، بعد ما عاشت عمر طويل مليان حكايات.
كملت القراءة
أنا ما حبيتش أقولك كل حاجة وأنا عايشة، لأن بعض الأسرار لما تتقال قبل وقتها، بتتحول من حكمة إلى عبء.
قعدت على الكرسي وبدأت أقرأ.
كانت بتشرح إن جد معتز لم يكن الشخص الوحيد الذي حفظ الأوراق.
كان فيه شخص ثالث ساعده في حماية الوثائق.
شخص لم يظهر اسمه في أي مستند.
وفي آخر الرسالة كتبت
لو عايزة تعرفي اسمه، دوري على الساعة القديمة الموجودة في غرفة جدك.
ناديّت معتز.
دخل، وقرأ الرسالة.
قال
ساعة جدي؟
قلت
أيوه.
رحنا للمخزن.
كانت هناك ساعة حائط قديمة، متوقفة منذ عشرات السنين.
نزّلناها.
فتحنا ظهرها.
لم نجد مالًا ولا ذهبًا.
وجدنا دفترًا صغيرًا.
فتح معتز الصفحة الأولى.
كان مكتوبًا
أنا شاهد على كل ما حدث.
وتحتها اسم الرجل.
معتز قرأ الاسم، ثم سكت.
قلت
مين؟
قال
ده اسم جدك.
اتصدمت.
جدي؟
هز رأسه.
يبقى عيلتنا كانت تعرف بعضها من زمان أكتر مما كنا متخيلين.
فتحنا الدفتر.
كانت فيه تفاصيل السنوات القديمة، والأحداث التي سبقت اختفاء الصندوق، وكيف اتفق كبار العائلتين على حفظ الحقوق حتى يأتي الجيل الذي يستطيع إنهاء الخلاف.
لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
كانت مكتوبة بخط تيته غالية.
يا هند، لو قرأتي كل ده، يبقى أنا كنت واثقة إنك هتكوني صاحبة القرار الصح.
وتحتها
لا تبيعي البيت.
بصيت لمعتز.
قال
ليه؟
كملت القراءة.
لأن البيت ده لم يُبنَ ليكون ملكًا لعيلة واحدة. جدك وجد معتز اتفقوا إن جزءًا منه يتحول يومًا إلى مكان يجتمع فيه أبناء العيلتين، عشان ما حدش فيهم ينسى إنهم في النهاية أهل.
فضلنا ساكتين.
وبعد شهور، نفذنا وصيتها.
رممنا الغرفة القديمة، وحطينا فيها الصور والرسائل والوثائق.
وعملناها مكانًا صغيرًا يحكي تاريخ العيلتين.
وفي يوم الافتتاح، اجتمع الجميع.
وقفت أمامهم وقلت
البيت ده بدأ بحكاية قديمة مليانة سوء فهم لكنه انتهى بحاجة أهم إننا عرفنا الحقيقة.
معتز وقف جنبي وقال
وأي حد من أولادنا في المستقبل هيعرف إن الحق مش بيتورث بالكلام الحق بيتحفظ بالأمانة.
ثم علّقنا آخر شيء تركته تيته
المفتاح النحاسي.
تحت المفتاح وضعنا لوحة صغيرة مكتوب عليها
الهلال لم يكن علامة للخوف كان علامة على أن الأمانة وصلت أخيرًا.
ومن يومها، كل ما أشوف عيلة كاملة قاعدة تضحك في المكان ده، أفتكر أول يوم وقفت فيه تيته على العتبة ورفضت تدخل.
وقتها كنت فاكرة إنها خايفة من البيت.
لكن دلوقتي فهمت.
هي كانت بتخاف إننا نعيش حياتنا الجديدة فوق أسرار قديمة من غير ما نعرف حقيقتها.
ولما تأكدت إن الحقيقة مش هتفرقنا
دخلت.
وعاشت آخر أيامها وهي مطمنة إن الأمانة وصلت لأصحابها، وإن الجيل الجديد اختار يبدأ من الصفر من غير ما يحمل أخطاء اللي قبله بعد مرور خمس سنين، بقى البيت معروف وسط العيلة باسم بيت الهلال.
ما كانش فيه أي شيء مخيف، بالعكس، كان أكتر مكان بتتجمع فيه العيلتين.
لكن في ليلة شتوية، وأنا برتب الغرفة القديمة، لقيت درج صغير في أسفل المكتبة ما كنتش لاحظته قبل كده.
فتحته.
لقيت بداخله ظرف أبيض جديد، والغريب إن الورق شكله حديث.
كان مكتوب عليه
إلى هند عندما تظنين أن الحكاية انتهت.
وقفت مكاني.
ناديت معتز.
جاء وقرأ الظرف.
فتحناه.
كانت الرسالة من عم معتز الكبير، الذي كان آخر شخص من الجيل القديم يعرف تفاصيل القصة.
كتب
أنا أخفيت عنكم شيئًا، ليس خوفًا ولا طمعًا، وإنما لأنني كنت أنتظر اللحظة المناسبة.
وتحت الكلام كان فيه مفتاح صغير.
مفتاح مختلف عن المفتاح النحاسي.
معتز سأله
مفتاح إيه ده؟
وفي أسفل الورقة كان مكتوب
المفتاح يفتح صندوقًا موجودًا في المكان الذي بدأت منه كل الحكاية.
بصينا لبعض.
قلت
يعني الشقة؟
معتز هز رأسه.
رجعنا للغرفة السرية.
وبدأنا نفحص الجدران.
بعد وقت طويل، لاحظ معتز إن إحدى الحجارة خلف الصندوق الحديدي تتحرك.
أخرجها.
ظهر تجويف صغير.
وضع المفتاح.
انفتح.
لكن الصدمة لم تكن في وجود صندوق جديد.
كانت في الورقة الموجودة فوقه.
كانت شهادة مكتوبة منذ أكثر من خمسين سنة.
لكنها لم تكن عن الأرض.
كانت عن بيت العائلة نفسه.
وكان مكتوبًا فيها أن البيت القديم لم يكن مجرد منزل.
كان مكانًا لجمع كبار العائلتين وقت الأزمات، وكان جد معتز وجد هند يحاولان دائمًا إنهاء أي خلاف قبل أن يتحول إلى قطيعة.
وفي نهاية الشهادة
إذا قرأ أحفادنا هذه الكلمات يومًا، فليعرفوا أن أكبر ميراث تركناه لهم ليس الأرض بل قدرتهم على أن يسامحوا، ويتفاهموا، ويعطوا كل صاحب حق حقه.
سكتنا طويلًا.
قلت لمعتز
يمكن دي آخر رسالة.
ابتسم وقال
يمكن.
لكن في صباح اليوم التالي، وصلنا خبر غريب.
الرجل العجوز الذي سلّمنا أول ظرف، كان قد ترك رسالة أخيرة عند أحد أفراد العائلة قبل وفاته.
ذهبنا لاستلامها.
فتحناها.
كان فيها سطر واحد فقط
فتشتوا في البيت لكنكم لسه ما فتشتوش في الساعة.
بصيت لمعتز.
الساعة القديمة؟
رجعنا للمخزن.
أخرجنا الساعة التي تركها جد معتز.
فتحناها من الخلف مرة ثانية.
هذه المرة لاحظنا تجويفًا صغيرًا داخل الخشب.
كان فيه شريط ورقي ملفوف.
فتحناه.
وكانت المفاجأة أن الشريط يحتوي على أسماء كل الأشخاص الذين ساهموا في حفظ حقوق العيلتين.
أسماء كثيرة.
لكن آخر اسم كان
غالية.
تيته غالية.
وتحته جملة قصيرة
كانت أصغرهم سنًا،
تم نسخ الرابط