جدتى بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

جدتي عندها 90 سنة جات تزورني في بيت جوزي لأول مرة لكن أول ما وقفت على باب الشقة اتنفضت وحلفت ما تدخل! ولما شدتني قبل ما تمشي وهمستلي بجملة، حسيت إن الدنيا بتلف بيا!
البيت كان متزوق وكل حاجة فيه بتلمع، فأنا عروسة جديدة ولسه مكملتش أسبوع.
اليوم ده كان أول يوم أهلي ييجوا يزوروني بعد الجواز، وكنت واقفة مستنياهم بفرحة كبيرة.
بابا وماما، وتيتة غالية.
تيتة غالية ما كانتش مجرد ست كبيرة في السن، دي كانت بركة العيلة كلها.
رغم إنها وصلت للتسعين، عقلها كان حاضر بشكل يدهش أي حد. وكانت عندها عادة غريبة؛ تبص في وش الشخص شوية، وبعدها تقول ملاحظة دقيقة عنه من غير ما تكون عارفاه قبل كده.
كانت دايمًا تقول
الوش ساعات بيحكي حاجات صاحبه نفسه مش واخد باله منها.
ولما كنت صغيرة وأخاف بالليل، كانت تقعد جنبي وتقرأ الفاتحة والمعوذتين، وأهدى وأنام.
ولما معتز جه يتقدملي، أول حاجة عملتها إني رحت لها.
قعدت جنبها وقلت
إيه رأيك في معتز يا تيته؟
فضلت ساكتة شوية، وبصت له من بعيد، وبعدها قالت
كويس يا بنتي بس مخبي في قلبه حاجات كتير.
ضحكت وقتها وقلت
كل الناس عندها حاجات مخبياها يا تيته.
ابتسمت وقالت
ربنا يكتبلك الخير.
وبالفعل اتجوزنا.
وبسبب سنها وصحتها، ما قدرتش تحضر الفرح، فاتفقنا إن بابا وماما ياخدوها في أول زيارة لبيتي.
وصلوا قدام الشقة.
كنت واقفة مستنياها وأنا مبتسمة
نورتي بيتي يا تيته!
لكن أول ما قربت من العتبة، حصل شيء غريب.
تيته وقفت فجأة.
وشها اتغير.
إيدها ارتعشت.
وبعدين رجعت خطوة لورا وقالت بصوت حاسم
لا.
بابا استغرب
لا إيه يا أما؟
قالت
أنا مش داخلة البيت ده.
سكت الجميع.
معتز حاول يبتسم وقال
يمكن تعبانة يا طنط، نخليها تقعد شوية.
لكنها هزت رأسها
هاتولي كرسي.
جابولها كرسي وقعدت بره الباب.
بابا بدأ يعتذر
معلش يا جماعة، أصلها كبرت في السن يمكن تعبت أو اتلخبطت.
لكن أنا كنت حاسة إن الموضوع أكبر من كده.
لأني كنت شايفة عينيها.
ما كانش فيها أي لخبطة.
كان فيها خوف.
وبعد أقل من نصف ساعة، قرروا يمشوا.
خرجت معاهم وأنا حزينة، وقربت من تيته عشان أساعدها تقوم.
وفجأة
مسكت إيدي بقوة شديدة.
قربت مني، ووشها بقى جاد جدًا.
وقالت بصوت منخفض
هند متزعليش مني، ومتقوليش لحد إني قلتلك.
قلت
في إيه يا تيته؟
بصت ناحية باب الشقة، ثم قالت
أنا عرفت البيت ده.
قلبي دق بسرعة.
إزاي؟
قالت
قبل ما يتبني بالشكل ده كان هنا بيت قديم.
سكتت لحظة، ثم أكملت
والبيت القديم ده كان سبب في سر كبير دفنته عيلتنا من أكتر من خمسين سنة.
اتسعت عيني.
سر إيه؟
شدت على إيدي وقالت
في يوم من الأيام، اختفى صندوق من البيت ده وصاحبه خباه في مكان محدش قدر يوصله.
سألتها
وصندوق إيه؟
نظرت في عيني مباشرة وقالت
صندوق فيه أوراق تثبت ملكية الأرض اللي اتبنى عليها البيت.
اتنفضت.
يعني الشقة اللي أنا عايشة فيها ممكن تكون مبنية على أرض قصتها أقدم بكتير من الجواز نفسه؟
لكن تيته ما خلصتش.
قالت
والأغرب إن الصندوق ما اختفاش لوحده.
سألتها
يعني إيه؟
قربت مني وهمست
في حد من العيلة قبل سنين طويلة خبّى الصندوق وكتب مكانه في ورقة واحدة بس.
سألتها
والورقة دي فين؟
بصت للباب وقالت
جوه البيت.
وبعدين سكتت.
قلت لها بسرعة
فين؟
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
دوري على العلامة اللي شبه الهلال لما تلاقيها، هتعرفي ليه أنا رفضت أدخل.
وبعدين قامت بمساعدة بابا وماما ومشيت.
فضلت واقفة قدام باب شقتي مش قادرة أتحرك.
ولما دخلت، لقيت معتز واقف في الصالة.
بصلي وقال
تيته قالتلك إيه؟
سكت.
وساعتها فهمت إن السؤال نفسه غريب.
لأن معتز ما كانش موجود وقت ما همستلي.
قلت
عرفت منين إنها قالتلي حاجة؟
سكت معتز ثواني.
وبعدين قال
عشان كنت مستني اليوم ده من زمان.
مستني إيه؟
رفع عينيه لي وقال
اليوم اللي حد من عيلتك يكتشف الحقيقة.
وفي اللحظة دي
سمعت صوت حاجة وقعت من جوه أوضة النوم.
دخلنا بسرعة.
وكان على الأرض إطار صورة قديم جدًا، ما شفتوش قبل كده.
قلبته
فلقيت على ضهره علامة صغيرة محفورة على شكل هلال.
نفس العلامة اللي قالت عليها تيته.
وتحت العلامة كان مكتوب بخط قديم
الحقيقة ليست في الصندوق الحقيقة في صاحب المفتاح نكمل من لحظة ظهور العلامة، ونخلي السر عائلي ومليان غموض من غير أي خيانة.
بصيت لمعتز وأنا ماسكة الإطار بإيدي، وقلت
إنت عارف العلامة دي؟
معتز ما ردش.
وده كان كفاية يخلي قلبي يدق أسرع.
قرب من الإطار، أخده مني، وقعد يتأمل الكتابة اللي على ضهره.
قلت
معتز أنا بسألك.
تنهد وقال
أيوه، أعرفها.
إزاي؟
سكت شوية، وبعدين قال
جدي كان بيحكيلي عن حكاية قديمة حصلت هنا.
قلت بسرعة
حكاية الصندوق؟
رفع عينه لي بدهشة.
تيته قالتلك عن الصندوق؟
هزيت رأسي.
قال
يبقى لازم تعرفي كل حاجة.
قعدنا في الصالة، وبدأ يحكي.
من أكتر من خمسين سنة، كان المكان اللي إحنا عايشين فيه دلوقتي عبارة عن بيت كبير يملكه جد معتز.
وفي يوم، حصلت مشكلة في أوراق ملكية الأرض، واكتشفوا إن فيه مستندات قديمة تثبت إن جزءًا كبيرًا من الأرض مملوك لأفراد من عيلة تانية.
لكن بدل ما الموضوع يتحول لخلاف بين العيلتين، قرر كبير العيلة وقتها إنه يحفظ الأوراق في صندوق حديد، ويخبي الصندوق لحد ما يلاقي صاحبه الحقيقي.
سألته
وطبعا الصندوق اختفى؟
قال
بالضبط.
ومحدش عرف مكانه؟
هز رأسه.
لحد النهارده.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن قبل ما جدي يموت، قال جملة واحدة.
إيه هي؟
قال
الصندوق مش مهم المهم مين يستحق يفتحه.
فضلت ساكتة.
وفجأة افتكرت كلام تيته.
الحقيقة في صاحب المفتاح.
قلت لمعتز
المفتاح.
بصلي.
إيه؟
قلت
تيته قالتلي أدور على صاحب المفتاح.
معتز قام بسرعة واتجه ناحية غرفة المكتب.
فتش في درج قديم، وبعد دقائق رجع وهو ماسك علبة خشبية صغيرة.
فتحها.
كان جواها مفتاح نحاسي قديم.
وعليه نفس علامة الهلال.
قلبي وقع.
قلت
ده هو؟
قال
أعتقد.
مديت إيدي آخده، لكنه وقفني.
استني.
قلت
ليه؟
قال
لأن جدي قال إن المفتاح مش هيظهر غير لما صاحبته الحقيقية تدخل البيت.
سألته
صاحبته؟
هز رأسه.
أيوه.
وقبل ما أفهم قصده، سمعنا صوت جرس الباب.
فتحت.
كان بابا وماما وتيته غالية.
لكن المرة دي، تيته ما كانتش قاعدة على كرسي.
كانت واقفة.
وبصت مباشرة للمفتاح اللي في إيدي.
ولأول مرة من بداية اليوم، ابتسمت.
وقالت
أخيرًا وصلنا.
بصيت لها باستغراب.
وصلنا لإيه؟
دخلت خطوتين داخل الشقة.
نفس الشقة اللي رفضت تدخلها من ساعات.
وقالت
وصلنا للحقيقة اللي فضلت عيلتين مخبيينها أكتر من نص قرن.
وبعدين أشارت للمفتاح.
المفتاح ده مش بتاع معتز.
بصيت لمعتز.
وبعدين لتيته.
قالت
ده بتاع جدتك.
اتصدمت.
جدتي؟
هزت رأسها.
أم أبوكي كانت آخر واحدة شافت الصندوق.
بابا اتفاجئ هو كمان
إنتِ عمرك ما قلتيلي الكلام ده!
ردت عليه
لأن أبوك كان وصاني ما أتكلمش إلا لما ييجي الوقت.
ثم نظرت لي وقالت
والوقت جه.
مدت إيدها ناحية المفتاح.
افتحي الباب اللي وراه علامة الهلال.
سألتها
فين الباب؟
أشارت إلى الحائط الموجود خلف المكتبة.
معتز حرك المكتبة بصعوبة.
وكان خلفها باب صغير مخفي في الحائط.
وعليه
نفس الهلال.
حطيت المفتاح في القفل.
وقبل ما ألفه، تيته قالت
هند مهما لقيتي جواه، افتكري إن اللي عمله أهلنا زمان كان هدفه يحمي حق ناس ما كانش ليهم صوت.
لفيت المفتاح.
صدر صوت طقة قوية.
والباب اتفتح ببطء.
لكن بدل ما نلاقي صندوقًا أو أوراقًا
لقينا صورة قديمة جدًا.
صورة لجدتي وهي شابة.
وكان واقف جنبها رجل لا أعرفه.
وفي إيد الرجل
نفس المفتاح.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب خلفها
إلى حفيدتي التي ستأتي يومًا إلى هذا البيت الحقيقة أمانة، وليست ميراثًا.
بصيت لتيته.
كانت دموعها نازلة لأول مرة.
وقالت
دلوقتي أقدر أمشي وأنا مرتاحة.
لكن قبل ما أسألها عن الرجل الموجود في الصورة
لاحظت شيئًا جعلني أتجمد.
الرجل لم يكن غريبًا.
كان
جد معتز فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أنطق.
بصيت لمعتز، فكان هو كمان واقف مذهول.
قال
ده جدي
تيته هزت رأسها وقالت
أيوه. وجدتك كانت تعرفه كويس.
سألتها بسرعة
يعني إيه؟
قالت
اسمعيني يا هند، قبل ما أي حد يفهم غلط. الحكاية دي مفيهاش خيانة ولا سر جواز ولا حاجة من النوع ده.
اتنهدت، وكملت
جدك وجد معتز كانوا أصحاب من وهم صغير. الأرض دي كانت ملك عيلتين، لكن الأوراق الأصلية ضاعت وقت ما حصلت مشكلة كبيرة في السجلات.
معتز قرب منها وقال
طب والصندوق؟
ردت
جد معتز هو اللي خبّاه.
سألته
ليه؟
قالت
لأنه اكتشف إن أوراق الملكية ممكن تضيّع حق عيلتنا وعيلته مع بعض. فقرر يحفظها في مكان آمن، وكتب خريطة للمكان لكنه مات قبل ما يقول لحد.
ثم أشارت للصورة.
وكانت أمكِ، يا هند، آخر واحدة ساعدته.
بصيت لبابا.
كان واقف ساكت، ووشه اتغير.
قلت
بابا إنت كنت تعرف؟
قال بصوت منخفض
كنت أعرف إن فيه حكاية قديمة، لكن ما كنتش أعرف التفاصيل.
تيته قالت
لأن الحقيقة اتدفنت مع أصحابها.
دخلنا الغرفة الصغيرة.
كان فيها صندوق حديد قديم، مغطى بطبقة من

تم نسخ الرابط