طلعت من المطبخ
كانت سببًا في بداية كل شيء.
الصورة التي وصلتها مع أول تهديد.
ظلت تنظر إليها طويلًا.
ثم ابتسمت.
ومزقتها.
ماما دخلت وسألت
بتعملي إيه؟
قالت ورد
بقفل آخر باب من الماضي.
ومرتاحه؟
ورد بصت للصورة الممزقة وقالت
لأول مرة.
وفي اليوم التالي، بدأت تكتب كتابًا عن تجربتها.
لم يكن عن الحادثة فقط.
كان عن الخوف، وعن نظرة الإنسان لنفسه، وعن الأمل، وعن الأمهات اللي بيقفوا جنب أولادهم وقت ما الدنيا كلها تدير لهم ظهرها.
وفي الصفحة الأولى كتبت
إلى أمي... لأنك يوم ما الناس شافت ندبة، شوفتي بنتك.
ثم توقفت لحظة.
وكتبت تحتها
وإلى ورد القديمة... سامحيني لأني اتأخرت في حبك.
أغلقت الدفتر.
وفي نفس اللحظة، سمعت جرس الباب.
كان ياسين.
وقف أمامها وقال
عندي سؤال.
اتفضل.
مستعدة للفصل الجديد؟
ابتسمت ورد.
المرة دي أنا اللي هكتب الفصل.
قال
وأنا؟
ردت وهي تضحك
لو عرفت تواكبني.
ضحك الاثنان.
ولأول مرة، لم تكن ورد تنتظر أن تعرف ماذا سيحدث لها.
كانت هي من تختار ماذا سيحدث.
وهكذا بدأت حكاية جديدة...
حكاية بنت ظن الجميع أن الحادثة أنهت حياتها، لكنها أثبتت لهم أن بعض النهايات...
تكون مجرد بداية لحياة أقوى أكيد، نكمل بفصل جديد وفيه حدث يقرب ورد وياسين أكثر، مع مفاجأة إنسانية في حياتها.
بعد ست شهور من بداية ورد في كتابة كتابها، كانت قاعدة في المرسم بتراجع آخر فصل، لما سمعت صوت ماما من الصالة
ورد! تعالي بسرعة!
قفلت اللابتوب وخرجت.
لقيت ماما واقفة جنب الباب، وفي إيدها ظرف كبير.
إيه ده؟
قالت
جاي باسمك.
فتحت الظرف، ولقيت دعوة رسمية لحضور مؤتمر كبير عن إعادة تأهيل ضحايا الحروق، ومعاها خطاب بيطلب من ورد إنها تكون المتحدثة الرئيسية.
فضلت ساكتة.
ماما ابتسمت
مش هتفرحي؟
ورد بصوت متردد
أنا أتكلم قدام ناس كتير؟!
إنتِ بتتكلمي قدام ناس كل يوم في المعرض.
الرسم حاجة... والكلام عن حياتي حاجة تانية.
في اللحظة دي، وصل ياسين.
قرأ الخطاب وقال
لازم توافقي.
ورد بصت له
ليه؟
لأنك طول عمرك كنتِ بتدوري على شخص يثبتلك إنك مش مختلفة عن الناس.
سكت لحظة.
دلوقتي فيه ناس محتاجة تسمع منك إن الاختلاف مش نهاية الحياة.
ورد أخذت نفسًا عميقًا.
هوافق.
وبعد شهر، وقفت على المسرح أمام مئات الأشخاص.
إيدها كانت بتترعش.
بصت للجمهور، وافتكرت أول مرة دخلت فيها بيت العريس وهي شايلة صينية القهوة.
افتكرت صوته وهو بيصرخ.
افتكرت نظراته.
وافتكرت الليلة اللي قعدت فيها لوحدها تتمنى تختفي من الدنيا.
ثم رفعت رأسها وقالت
أنا ورد... والبنت اللي قدامكم دي، نص وشها عليه آثار حادثة قديمة.
المكان كله سكت.
زمان كنت فاكرة إن الحرق أخد مني حياتي. وبعد سنين فهمت إنه أخد مني حاجة واحدة بس...
سكتت لحظة.
الصورة اللي كنت بحاول أعيش عشان أرضي الناس.
بدأت تتكلم عن أمها، وعن رحلة العلاج، وعن الأطفال اللي قابلتهم في المركز.
وفي آخر كلامها قالت
لو أنت شايف ندبتك كل يوم في المراية، أنا مش هقولك إنها مش موجودة. هي موجودة فعلًا. بس وجودها مش معناه إنك أقل من أي حد.
التصفيق ملأ القاعة.
ورد ابتسمت وسط دموعها.
بعد انتهاء المؤتمر، خرجت إلى الحديقة الخلفية.
لقيت ياسين واقف مستنيها.
قال
فخورة بنفسك؟
ضحكت
جدًا.
وأنا أكتر.
بصت له.
ياسين...
نعم؟
فاكر أول مرة قلتلي فيها إنك ممكن تستنى؟
ابتسم
فاكر.
أنا وقتها كنت محتاجة أتعلم أحب نفسي الأول.
وعملتيها.
أيوه.
سكتت قليلًا، ثم قالت
ودلوقتي مش خايفة أشارك حياتي مع حد.
ياسين لم يقل شيئًا.
فقالت
لو لسه عايز...
ابتسم وقال
لسه.
ضحكت.
يبقى ممكن نبدأ.
ومن بعيد، كانت ماما تراقبهما.
ولما رجعت ورد البيت، لقت ماما قاعدة مستنياها.
قالت
كنتِ فين؟
ورد ضحكت
كنت ببدأ فصل جديد.
ماما فهمت من عينيها.
ياسين؟
هزت رأسها.
ماما ابتسمت وقالت
أهم حاجة اختارتي بإرادتك.
ورد قربت منها وقالت
المرة دي يا ماما، محدش اختار بالنيابة عني.
وبعد أشهر، اتعمل حفل صغير للعيلة.
ما كانش فرحًا ضخمًا، ولا فيه مظاهر مبالغ فيها.
كان مجرد ناس بتحب ورد فعلًا.
وقبل ما تبدأ المراسم، وقفت ورد قدام المراية.
لمست أثر الحرق على خدها.
ثم ابتسمت.
دخلت ماما عليها وقالت
جاهزة؟
ورد ردت
جاهزة.
خايفة؟
شوية.
ترجعي؟
ضحكت ورد
لأ.
وبعدين بصت لنفسها مرة أخيرة وقالت
زمان كنت داخلة على الجواز وأنا خايفة إن العريس يشوف وشي.
أما النهارده...
أنا داخلة على حياة جديدة وأنا عارفة إن اللي قدامي شاف كل حاجة، ومع ذلك اختار يمشي جنبي.
خرجت من الغرفة.
وفي اللحظة اللي شافها فيها ياسين، ابتسم.
ما كانش بيبص على الندبة.
كان بيبص على ورد.
الإنسانة اللي كملت.
وبعد فترة، نشرت ورد كتابها.
اختارت له عنوانًا بسيطًا
أنا ورد... ولم تنتهِ حكايتي.
وفي الصفحة الأخيرة كتبت
لو كنتِ تقرئين حكايتي لأن عندك ندبة في وشك أو في قلبك، افتكري حاجة واحدة الناس ممكن تختصر حياتك في شكل أو حادثة أو لحظة ضعف... لكن إنتِ وحدك صاحبة الحق في كتابة نهايتك.
وأغلقت ورد الكتاب.
هذه المرة لم تكن النهاية حزينة.
لأن ورد أخيرًا فهمت الحقيقة
هي لم تكن تنتظر أن ينقذها أحد.
كانت تنتظر فقط أن تصدق أنها تستحق النجاة.
ولما صدقت...
بدأت تعيش أكيد، دي نهاية مختصرة ومؤثرة تقفل كل خيوط الحكاية
مرت ثلاث سنين، وورد بقت واحدة من أشهر الفنانات اللي بتقدم رسومات عن آثار الحروق وتقبل الذات.
المركز اللي أسسه ياسين كبر، وورشة وشي حكايتي بقت تستقبل عشرات الأطفال كل شهر.
أما سلمى، فكبرت وبقت بتدرس الفن، وكل ما حد يسألها مين كان سبب حبها للرسم، كانت تقول
ورد.
وفي يوم، كانت ورد واقفة قدام لوحة جديدة رسمتها.
كانت اللوحة لفتاة واقفة أمام مرآة، لكن انعكاسها في المرآة لم يكن يخفي الندبات.
كان يبتسم بها.
دخل ياسين وقال
خلصتي؟
ابتسمت
أيوه.
هتسميها إيه؟
بصت للوحة وقالت
النجاة.
وبعدها أعطته نسخة من كتابها.
فتح آخر صفحة، فوجد جملة كتبتها
في يوم من الأيام، كنت أعتقد أن الحادثة سرقت مستقبلي... ثم اكتشفت أنها أعطتني سببًا لأصنع مستقبلًا يستحق أن أعيش من أجله.
نظر إليها ياسين وقال
ولو رجع بيكي الزمن؟
ورد ابتسمت وقالت
كنت هختار نفسي من أول يوم.
دخلت ماما عليهم، وكانت ماسكة صورة ورد القديمة.
قالت وهي تضحك
فاكرة العريس اللي مشي يومها؟
ورد ضحكت
خلاص يا ماما، ده بقى من التاريخ.
أصل لو كان كمل كان هيضيع منك أجمل حاجة.
سألتها ورد
إيه؟
ماما بصت لها وقالت
إنك تتعلمي تحبي نفسك.
ورد سكتت لحظة، ثم بصت لياسين.
وقالت
أيوه... ودي كانت أحسن حاجة حصلتلي.
وقفت أمام المرآة للمرة الأخيرة.
لم تحاول تغطية الندبة.
لم تخفض رأسها.
ولم تنتظر رأي أحد.
ابتسمت لنفسها وقالت
أنا ورد... ودي حكايتي.
ثم أغلقت باب المرسم، ومشت بجوار الشخص الذي اختارها وهي تعرف كل تفاصيل قصتها.
لم تكن النهاية أن ورد استعادت وجهها القديم.
كانت النهاية أنها استعادت نفسها.
ومن يومها، كلما قابلت فتاة تخجل من ندبة في وجهها، كانت تقول لها
متدوريش على حد يشوفك جميلة... دوري على نفسك، ولما تحبيها، مش هيهمك مين شافك إزاي.
وهكذا انتهت حكاية ورد...
لا كفتاة هزمها الحريق،
بل كامرأة نجت منه،
وحولت ندبتها من شيء كانت تخجل منه...
إلى سبب جعلها تنقذ قلوبًا كثيرة.
النهاية