طلعت من المطبخ

لمحة نيوز

وقفت قدام لوحة كبيرة رسمت فيها بنت نصف وجهها عليه آثار حروق، والنصف التاني مليان ألوان.
وكتبت تحتها
الندبة مش بتقول إنك اتكسرت... الندبة بتقول إنك كملت.
ماما كانت واقفة بعيد بتبكي.
وقفت جنبها وقلت
بتعيطي ليه؟
قالت
عشان بنتي كبرت.
ضحكت وقلت
لا يا ماما، أنا لسه بنتك.
مسكت إيدي وقالت
وهتفضلي.
بصيت للوحة، وبعدها للمراية اللي كانت معلقة جنبها.
لأول مرة، ما حاولتش أخبي وشي.
وقفت قدام الناس زي ما أنا.
وعرفت إن الحادثة غيرت شكلي فعلًا...
لكنها ما قدرتش تاخد مني حقي في الحياة.
ومن يومها، كل بنت كانت تدخل المعرض وهي مخبية وشها، كنت بقولها نفس الجملة
إوعي تستني الناس تحب شكلك عشان تحبي نفسك... ابدئي بنفسك، والباقي هييجي.
أما الجواز؟
سيبته للنصيب.
لأني أخيرًا فهمت إن أهم حاجة مش إن حد يختارني...
المهم إني أنا أختار نفسي الأول طبعًا، نكمل من بعد المعرض، ونخلي الأحداث تدخل في مرحلة جديدة ومفاجأة
بعد انتهاء المعرض بأسبوع، كنت قاعدة في البيت برسم، لما ماما دخلت عليا وهي ماسكة ظرف أبيض.
قالت
ورد، الظرف ده جه ليكي.
بصيت لها باستغراب
من مين؟
مش مكتوب اسم.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة قديمة ليا وأنا طفلة، واقفة جنب عربية قديمة قدام بيتنا.
قلبت الصورة، لقيت مكتوب وراها
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن الحادثة، اسألي عن العربية البيضاء.
إيدي اتجمدت.
رفعت عيني لماما.
ماما... الصورة دي عند مين؟
وشها اتغير فجأة.
قالت بصوت منخفض
مين بعتها؟
معرفش.
قربت منها ومديتلها الصورة.
أول ما شافتها، سكتت.
وبعدين قالت
الصورة دي كانت عند باباكي.
اتوترت.
بابا؟
هزت راسها.
أيوه.
أنا عمري ما سألت كتير عن يوم الحادثة.
كنت فاكرة إن اللي حصل مجرد حادثة عادية، عربية خبطتني وأنا راجعة من المدرسة، والسواق هرب.
لكن لما شفت الخوف في عين ماما، فهمت إن فيه حاجة محدش قالي عليها.
قلت
ماما... إنتِ مخبية عني إيه؟
تنهدت وقعدت.
يوم الحادثة، الشرطة قالت إن العربية كانت بيضاء، وإن السواق هرب.
وبعدين؟
بعدها بيومين، باباكي عرف إن العربية اتلاقت.
اتسعت عيني.
يعني مسكوا اللي عملها؟
لا.
أمال؟
ماما بصت للأرض.
العربية كانت متسابّة في جراج مهجور... من غير لوحات.
سكتنا.
ثم سألتها
وإيه علاقة الصورة؟
ماما ما ردتش.
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
قامت ماما تفتح.
سمعت صوت راجل من الخارج
أنا ياسين.
قربت من الباب وأنا مستغربة.
دخل ياسين، وبص للصورة الموجودة على الترابيزة.
أول ما شافها، اتغيرت ملامحه.
قال
الصورة دي وصلتلك؟
سألته
إنت عارفها؟
رد بعد لحظة
للأسف... أيوه.
اتوترت.
إزاي؟
قعد قدامي وقال
لأن والدك قبل وفاته بشهر كان جايلي.
اتصدمت.
بابا كان يعرفك؟
كان جاي يسألني عن علاجك، لكن في آخر المقابلة سألني سؤال غريب.
إيه؟
قال
سألني إذا كنت أعرف حد بيشتري عربيات مستعملة من غير أوراق.
بصيت لماما.
ياسين كمل
وقتها ما فهمتش السبب.
ودلوقتي؟
طلع من جيبه ورقة صغيرة.
دلوقتي فهمت.
فتحت الورقة.
كان مكتوب فيها رقم لوحة عربية.
ياسين قال
الرقم ده هو رقم العربية اللي عملت الحادثة.
قلبي دق بسرعة.
إنت لقيته إزاي؟
والدك سابه عندي.
سكت لحظة، ثم قال
وكان كاتب تحته جملة واحدة.
قربت منه.
إيه هي؟
قال
لو حصل لي حاجة، خلي ورد تعرف إن الحادثة ما كانتش صدفة.
وقعت الورقة من إيدي.
ماما حطت إيدها على فمها.
وأنا حسيت إن كل حياتي اللي كنت فاهمة أحداثها بدأت تتفك قدامي.
الحادثة ما كانتش مجرد حادثة.
وكان فيه حد، لحد دلوقتي، عايز الحقيقة تفضل مدفونة.
لكن لأول مرة في حياتي...
ما خفتش.
رفعت عيني لياسين وقلت
أنا عايزة أعرف مين عمل كده.
رد بهدوء
وأنا هساعدك.
وبصينا أنا وماما لبعض.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار على تليفوني.
رقم مجهول.
رسالة واحدة
بطلي تدوري... لأن اللي حصل زمان ممكن يحصل تاني.
رفعت عيني من الشاشة.
لكن بدل ما أخاف...
ابتسمت.
وقلت
المرة دي، مش هستخبى تاني يوم الصبح، صحيت على خبط شديد على باب البيت.
ماما جريت تفتح، ولما رجعت كانت ماسكة ظرف بني.
قالت وهي متوترة
ورد... الظرف ده كان متساب قدام الباب.
فتحته بسرعة، لقيت جواه فلاشة صغيرة، وصورة للعربية البيضاء.
وتحت الصورة مكتوب
شاهدي التسجيل قبل ما تسألي أي حد.
بصيت لياسين، اللي كان قاعد معانا.
قال
عندك لابتوب؟
شغلنا الفلاشة.
ظهر تسجيل كاميرا مراقبة قديم، والصورة كانت مشوشة شوية.
التاريخ كان قبل الحادثة بيوم.
ظهر فيه شارع المدرسة.
كنت أنا واقفة قدام الباب، وبعد دقائق ظهرت العربية البيضاء ووقفت بعيد.
قلبي بدأ يدق.
وبعدين ظهر شخص نزل من العربية، لكنه كان واقف بظهره للكاميرا.
فجأة العربية اتحركت.
التسجيل اتقطع.
قال ياسين
استني... فيه جزء تاني.
فتح ملف تاني.
المرة دي التسجيل كان من يوم الحادثة.
العربية البيضاء ظهرت مرة تانية.
ولما قربت مني، حصلت لحظة الاصطدام.
لكن قبل ما التسجيل ينتهي بثواني، ظهر شيء غريب.
شخص تاني كان واقف على الرصيف، وبيصور الحادثة بالموبايل.
ماما شهقت.
يعني كان فيه شاهد!
قلت
لازم نلاقيه.
ياسين هز راسه.
وأنا بدأت أدور عليه.
بعد ساعات من البحث، وصلنا لشخص كان شغال وقتها في محل قريب من مكان الحادث.
اسمه عم صبري.
رحنا له.
في البداية رفض يتكلم.
لكن لما شاف صورتي، عيونه دمعت.
قال
أنا فاكر اليوم ده كويس.
سألته
شفت مين؟
تنهد وقال
شفت الراجل اللي نزل من العربية.
كان شكله إيه؟
طويل، لابس جاكت غامق... والأهم إني شفته بعد الحادث بيوم.
اتوترت.
فين؟
قال
راح لوالدك.
سكتنا كلنا.
قال له إيه؟
عم صبري بص لماما وقال
قال له لو بنتك فضلت تدور، مش هتكون آخر مرة.
ماما بدأت تبكي.
أما أنا فحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
لكن عم صبري مد إيده في درج قديم، وطلع ورقة صغيرة.
أبوكي سابها عندي وقال لي لو في يوم ورد سألت، ادّيهالها.
فتحت الورقة.
كان عليها عنوان مكتب قديم.
وتحت العنوان
الحقيقة موجودة هنا.
بصيت لياسين.
قال
نروح.
وصلنا للمكان آخر النهار.
كان مكتب قديم مقفول من سنين.
لكن المفاجأة إن المفتاح كان موجود في الورقة.
فتحنا الباب.
دخلنا.
التراب كان في كل مكان.
وفي آخر المكتب كان فيه صندوق خشبي.
فتحته.
لقيت جواه صور، ومستندات، وتسجيلات.
وفوقهم جواب باسم
ورد.
إيدي ارتعشت وأنا بفتحه.
وكان أول سطر فيه
بنتي... لو وصلتي للجواب ده، يبقى أنا فشلت إني أحميكي من الحقيقة.
دموعي نزلت.
كملت القراءة.
والجملة الأخيرة كانت
الحادثة ما كانتش مقصودة ليكي وحدك... أنا كنت المستهدف.
رفعت عيني بصدمة.
ماما قالت
يعني إيه؟
قبل ما أرد، سمعنا صوت مفتاح بيدور في باب المكتب.
ياسين وقف قدامي.
قال بهدوء
حد جاي.
الباب بدأ يتفتح ببطء.
وظهر راجل كبير في السن.
بصلي وقال
أخيرًا يا ورد... عرفتي الحقيقة.
وقتها فهمت إن اللي حصل من سنين...
ما كانش نهاية حكايتي.
كان مجرد أول فصل الراجل دخل المكتب وقفل الباب وراه.
ماما اتراجعت خطوة، وأنا وقفت جنب ياسين.
بصيت للراجل وقلت
حضرتك مين؟
رد بهدوء
اسمي حمدي... وكنت شريك والدك في الشغل.
اتصدمت.
بابا كان عنده شريك؟
أيوه، بس الشراكة انتهت قبل الحادثة بفترة قصيرة.
ياسين سأله
وإنت كنت عارف مين صاحب العربية؟
حمدي سكت شوية، وبعدين قال
عارف.
قلبي دق بسرعة.
مين؟
طلع ورقة من جيبه وحطها قدامي.
الراجل اللي كان سايق العربية ماكنش هو اللي دبّر الحادثة.
بصيت له باستغراب.
أمال مين؟
قال
شخص كان بيحاول يوصل لملفات والدك.
فتحت الصندوق بسرعة.
كان فيه ملف عليه اسم شركة كبيرة.
قلت
إيه ده؟
حمدي قال
والدك اكتشف قبل الحادثة إن فيه تلاعب في حسابات الشركة، وكان ناوي يكشف الحقيقة.
وعشان كده حاولوا يأذوه؟
أيوه.
سكت لحظة وأضاف
لكنهم أخطأوا... إنتِ كنتِ معاه يومها.
الكلمة وقعت عليّ كالصاعقة.
طول السنين كنت فاكرة إن الحادثة كانت مجرد قدر مؤلم.
لكن الحقيقة كانت أصعب.
سألت
مين الشخص؟
حمدي قال اسمًا جعل ماما تضع يدها
تم نسخ الرابط