طلعت من المطبخ

لمحة نيوز

على صدرها.
كان واحدًا من كبار رجال الأعمال، وكان والد ورد قد اختلف معه قبل الحادثة بأسابيع.
ياسين فتح المستندات واحدًا وراء الآخر.
هنا كل التحويلات.
ثم رفع رأسه وقال
دي أدلة كفاية نبدأ بيها قضية.
حمدي هز رأسه.
فيه حاجة أهم.
طلع تسجيل صوتي قديم.
ضغط تشغيل.
ظهر صوت والدي
لو التسجيل ده وصل لورد، يبقى لازم تعرف إن أبوها عمره ما شافها عبء. أنا كنت بخاف عليها من الدنيا، مش منها.
انهرت في مكاني.
كنت فاكرة طول عمري إن شكلي بعد الحادثة خلاني عبئًا على أمي.
وطلع حتى والدي، قبل ما يرحل، كان قلقه كله عليّ.
التسجيل كمل
ورد، لو إنتِ بتسمعي صوتي دلوقتي، أوعي تسمحي للي حصل يحدد قيمتك. الناس ممكن تشوف الندبة، لكن أنا شوفت البنت اللي فضلت واقفة رغم كل حاجة.
مسحت دموعي.
ولأول مرة، حسيت إن والدي كان بيكلمني من مكان بعيد جدًا... لكنه لسه موجود في قلبي.
بعد أيام، قدمنا المستندات للشرطة.
بدأ التحقيق.
والشخص المسؤول عن الحادثة حاول ينكر كل شيء، لكن التسجيلات وتحويلات الأموال وشهادة عم صبري حاصرت كل أكاذيبه.
وبعد فترة، ظهرت الحقيقة كاملة.
لم تكن الحادثة بسبب شكلي.
ولا بسبب خطأ عابر.
كان والدي هو المستهدف، وأنا كنت مجرد الضحية التي لم يكن أحد يتوقع أن تنجو.
لكن الأهم أنني نجوت فعلًا.
وبعد انتهاء القضية، رجعت للمعرض مرة أخرى.
هذه المرة لم أرسم وجوهًا محروقة فقط.
رسمت أشخاصًا مروا بأشياء صعبة، لكنهم ظلوا واقفين.
وفي منتصف القاعة، علقت لوحة كبيرة لفتاة تنظر في المرآة.
نصف وجهها عليه آثار الحريق، والنصف الآخر مليان نور.
وتحتها كتبت
أنا مش الحادثة اللي حصلتلي... أنا الإنسانة اللي اختارت تكمل بعدها.
وقف ياسين أمام اللوحة وقال
لسه شايفة إنك محتاجة حد يقولك إنك جميلة؟
ابتسمت وقلت
لأ.
ليه؟
لأني أخيرًا صدقت إن قيمتي عمرها ما كانت في وشي.
ابتسم.
وأنا؟
بصيت له باستغراب.
قال
أنا مش هقولك إنك محتاجة حد. بس لو يومًا قررتي تفتحي قلبك لحد... أتمنى أكون أنا الشخص ده.
سكتُّ للحظة.
ثم ابتسمت.
لما أبقى جاهزة... هقولك.
ضحك وقال
هستنى.
ومشيت وسط لوحاتي.
ولأول مرة منذ سنوات، لم أكن أفكر في العريس الذي رفضني...
ولا في نظرات الناس...
ولا في المرآة.
كنت أفكر في شيء واحد فقط
أنا نجوت.
والبداية الحقيقية لحياتي...
كانت لسه بتبدأ نكملها من اللحظة اللي بدأت فيها ورد حياة جديدة، مع مفاجأة أخيرة تقلب الأحداث
مرت شهور بعد انتهاء القضية، وحياتي بدأت تهدى لأول مرة من سنين.
المعرض كبر، والناس بدأت تعرف رسوماتي، وبقيت أشارك في فعاليات عن تقبل الاختلاف وآثار الحروق.
لكن كان فيه شيء واحد ما اتغيرش...
ياسين.
ما استعجلنيش يوم واحد.
كان بييجي المعارض، يقف بعيد، يتفرج على لوحاتي، ويخرج من غير ما يضغط عليّ بكلمة.
لحد ما في يوم، لقيته مستنيني قدام المرسم.
قال
ممكن أطلب منك طلب؟
ضحكت
طلب إيه؟
طلع من جيبه ظرف صغير.
افتحيه.
فتحته، لقيت دعوة لحفل افتتاح مركز طبي جديد متخصص في علاج آثار الحروق.
بصيت له
إيه علاقتي بالمكان؟
ابتسم.
المركز ده أنا اللي أسسته.
اتصدمت
إنت؟!
أيوه.
سكت شوية وبعدين قال
وأنا عايزك تكوني أول فنانة تعمل معرض دائم جوه المركز.
بصيت للدعوة، وبعدها له.
ليه أنا؟
قال
لأن اللي داخل المركز محتاج يشوف حد كان فاكر إن حياته انتهت... وبعدين اكتشف إنها كانت لسه بتبدأ.
وافقت.
يوم الافتتاح، المكان كان مليان.
وفي وسط الزحمة، شفت بنت صغيرة واقفة بعيد عن الناس، لابسة كمامة ومش راضية ترفع عينيها.
قربت منها وقعدت على الكرسي جنبها.
قلت
اسمك إيه؟
قالت بصوت خافت
سلمى.
بتحبي الرسم؟
هزت راسها.
بس مش بحب شكلي.
الكلمة رجعتني سنين لورا.
قلت لها
وأنا زمان كنت بقول نفس الكلام.
بصتلي باستغراب.
شلت الكمامة بهدوء، ووريتها جزء من آثار الحرق في وشي.
قالت
إنتِ؟
ضحكت
أيوه.
رفعت عينيها لأول مرة.
بس إنتِ مش خايفة.
قلت
كنت خايفة جدًا.
وإيه اللي غيرك؟
بصيت حواليا.
اكتشفت إن الناس ممكن تبص لوشي، لكن أنا اللي بقرر أبص لنفسي إزاي.
ابتسمت سلمى.
وبعدها طلبت مني أعلّمها الرسم.
ومن اليوم ده بدأت تيجي المركز كل أسبوع.
ومع الوقت، بقى عندنا مجموعة أطفال وشباب بيتعلموا الرسم هناك.
سميت الورشة
وشي حكايتي.
أما ياسين، فكان دايمًا بيقف بعيد يتفرج عليّ.
وفي آخر يوم من أول معرض للورشة، قرب مني.
قال
ورد.
نعم؟
فاكرة اليوم اللي قولتيلي فيه إنك لما تبقي جاهزة هتقولِي؟
ابتسمت.
فاكرة.
سكت لحظة.
بقيتي جاهزة؟
بصيت له طويلًا.
وبعدين قلت
أيوه.
ابتسم.
وإيه إجابتك؟
قلت
إن الشخص اللي شافني وأنا مكسورة، واستنى لحد ما أقف على رجلي من غير ما يطلب مني حاجة... يستحق فرصة.
اتسعت ابتسامته.
يعني؟
ضحكت
يعني ممكن نبدأ نتعرف على بعض بجد.
قال
أنا مستني الجملة دي من زمان.
ضحكت، ولأول مرة كان قلبي مرتاح.
بعد سنة، أقيم معرض كبير للوحاتي.
وفي آخر القاعة، كانت معلقة نفس اللوحة القديمة...
البنت اللي نصف وجهها عليه آثار الحريق والنصف الآخر مليان نور.
لكن هذه المرة، غيرت الجملة المكتوبة تحتها.
بدل
مش عيب فيا.
كتبت
أنا نجوت... ولذلك سأعيش.
وقفت ماما قدام اللوحة ودموعها في عينيها.
قالت
أبوكي لو كان موجود كان هيبقى فخور بيكي.
ابتسمت وقلت
وأنا كمان فخورة بنفسي.
وبعد سنوات، لما سألوني عن الحادثة، ما بقيتش أحكيها كقصة مأساوية.
كنت بحكيها كقصة بداية.
لأن ورد اللي دخلت المطبخ يومها بصينية القهوة وهي مكسورة من نظرات الناس...
مش هي نفس ورد اللي وقفت بعد سنوات قدام مئات الناس من غير ما تخبي وشها.
العريس اللي رفضها يومها شاف ندبة.
أما الحياة...
فشافت إنسانة.
وأجمل حاجة حصلت لي ما كانتش إني رجعت شبه صورتي القديمة.
أجمل حاجة إني رجعت أحب صورتي الجديدة.
النهاية بعد سنتين، بقى اسم ورد معروف في مجال الرسم.
لكن النجاح اللي فرّحها، كان في نفس الوقت سبب في حاجة ما كانتش متوقعة.
في يوم، وهي في المرسم، دخلت عليها سلمى، البنت الصغيرة اللي كانت بتتعلم معاها، وقالت
ورد! عندي خبر حلو!
ضحكت ورد
إيه؟
المدرسة اختارت لوحتي عشان أشارك بيها في مسابقة على مستوى الجمهورية!
ورد فرحت جدًا.
برافو عليكي!
لكن سلمى فجأة سكتت وقالت
بابا مش عايزني أشارك.
ليه؟
بيقول إن الرسم مش مستقبل، وإن آثار الحرق اللي في وشي هتخليني أتعرض لكلام الناس.
سكتت ورد لحظة.
الكلام كان مألوفًا جدًا.
قالت لها
تعالي معايا.
أخذتها إلى آخر المرسم، حيث كانت هناك لوحة قديمة لورد نفسها وهي طفلة.
وقالت
شايفة البنت دي؟
أيوه.
دي أنا قبل الحادثة.
ثم أشارت إلى لوحة أخرى.
ودي أنا بعدها.
سلمى سألت
وإنتِ بتحبي أنهي واحدة؟
ابتسمت ورد
الاتنين.
سلمى استغربت.
حتى اللي بعد الحادثة؟
خصوصًا اللي بعدها... لأنها علمتني حاجات ما كنتش هعرفها غير كده.
في اليوم التالي، راحت ورد بنفسها تقابل والد سلمى.
كان رجلًا بسيطًا، لكن الخوف على بنته كان واضحًا عليه.
قال
أنا مش ضدها، بس خايف عليها.
ورد ردت
وأنا كمان كنت بخاف على نفسي.
ونجحتي؟
ابتسمت
لا... أنا وقعت كتير. بس كل مرة وقعت فيها، اتعلمت أقف بطريقة أحسن.
الرجل سكت.
وبعد أيام، وافق.
شاركت سلمى في المسابقة، وفازت بالمركز الأول.
ولما طلعت تستلم الجائزة، قالت أمام الجميع
كنت فاكرة إن وشي هو اللي هيحدد مستقبلي... لكن ورد علمتني إن اللي بيحدد مستقبلي هو أنا.
ورد كانت واقفة بين الجمهور ودموعها في عينيها.
بعد الحفل، اقترب منها ياسين.
قال
مبسوطة؟
جدًا.
عارفة إنك بقيتي قدوة؟
ضحكت
أنا؟!
أيوه.
أنا لسه بحاول أفهم نفسي.
قال
يمكن عشان كده الناس مصدقاكي.
في المساء، رجعت ورد البيت.
فتحت درجًا قديمًا، وأخرجت الصورة التي
تم نسخ الرابط