بعد خمس عشر
عنوان قديم.
عرفته فورًا.
كان المكان نفسه الذي بدأت فيه علاقتي بعمر قبل خمسة عشر عامًا.
لكن الشيء الذي جعل قلبي يتوقف للحظة
أن الورقة كانت موقعة باسم شخص كنت أعتقد أنه لم يعد موجودًا في حياتنا منذ سنوات طويلة وضعتُ الورقة أمامي مرة أخرى.
كان الاسم في أسفلها واضحًا.
اسم شخص لم أره منذ سنوات طويلة.
همست
مستحيل
قال يوسف
عشان كده طلبت منك تقابليتي قبل السبت.
رفعت عيني إليه.
الشخص ده مات من زمان.
ده اللي إحنا كلنا كنا فاكرينه.
تجمدت ملامحي.
إنت بتقول إيه؟
قبل أن يجيب، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلق المكالمة فورًا.
قلت
مين؟
رقم مجهول.
رن مرة ثانية.
هذه المرة تركه يرن.
ثم وصلته رسالة.
قرأها، فتغير وجهه.
مد الهاتف نحوي.
كانت الرسالة قصيرة
لا تأتِ بها إلى المكان القديم.
شعرتُ بقشعريرة.
مين بعت الرسالة؟
ما أعرفش.
بس إنت قلت إن الحقيقة هناك.
وأنا ما زلت عند كلامي.
نهضتُ.
يبقى هنروح.
هز رأسه.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأن اللي كتب الرسالة عارف إننا هنروح.
ثم نظر إلى الساعة.
لازم نتصرف بحذر.
عدت إلى البيت في المساء، لكنني لم أخبر أبي بما حدث.
كنت أشعر أن كل شخص حولي يعرف جزءًا من القصة، وأنا الوحيدة التي لا تعرف شيئًا.
وفي منتصف الليل، سمعت صوتًا خافتًا عند باب غرفتي.
فتحت الباب.
لم يكن هناك أحد.
لكن كانت هناك ورقة صغيرة على الأرض.
التقطتها.
كان مكتوبًا عليها
لو كنتِ تريدين معرفة لماذا انتظرتِ عمر خمسة عشر عامًا اسأليه عن الرسالة التي لم تصلكِ أبدًا.
وقفتُ في مكاني.
رسالة لم تصلني؟
دخلت غرفتي وأغلقت الباب.
فتحت هاتفي واتصلت بعمر.
رد بعد لحظات.
مريم؟
قلت
عايزة أسألك سؤال واحد.
اسألي.
هل أرسلت لي رسالة من خمسة عشر سنة وما وصلتنيش؟
ساد الصمت.
صمت طويل جدًا.
ثم قال بصوت منخفض
مين قالك؟
شعرتُ بأن قلبي توقف.
يعني في رسالة؟
لم يجب.
كررت
عمر في رسالة فعلًا؟
تنفس بعمق.
ثم قال
أيوه.
إيه اللي كان مكتوب فيها؟
سكت مرة أخرى.
ثم قال
كنت بطلب منك حاجة واحدة.
إيه؟
إني لو اختفيت من حياتك فجأة ما تستنيش.
تجمدت يدي على الهاتف.
اختفيت ليه؟
جاء صوته مترددًا
لأنني كنت أعتقد إنك لو عرفتي السبب هتروحي ورايا.
ورا مين؟
لم يجب.
ثم سمعت صوتًا آخر في الخلفية.
صوت رجل.
قال لعمر
كفاية يا عمر. هي لازم تعرف دلوقتي.
ثم انقطع الاتصال.
حدقتُ في الهاتف.
لم يكن عمر وحده.
كان هناك شخص آخر معه.
وفي الصباح، وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول
تعالي وحدك إلى المكان القديم الساعة السادسة وستعرفين لماذا أخفى عمر الحقيقة عنكِ كل هذه السنوات في اليوم التالي، وقبل الموعد بساعتين، كنتُ أقف أمام المرآة وأفكر في الرسالة.
تعالي وحدك.
كان يمكنني تجاهلها.
لكنني كنت قد قضيت خمسة عشر عامًا أعيش وسط أسئلة بلا إجابات، ولم أعد مستعدة لترك سؤال آخر يطاردني.
خرجتُ دون أن أخبر أحدًا.
وصلت إلى المكان القديم قبل السادسة بدقائق.
كان المبنى مهجورًا تقريبًا، لكن الباب كان مفتوحًا.
دخلت بحذر.
في الداخل، لم يكن هناك أحد.
ثم سمعت صوتًا من خلفي
كنت عارف إنك هتيجي.
استدرت بسرعة.
كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
لم أعرفه.
قال
متخافيش. أنا مش جاي أؤذيكي.
إنت مين؟
اقترب خطوة، ثم أخرج صورة قديمة.
بصي كويس.
أخذت الصورة.
كانت لعمر في بداية شبابه.
وبجواره رجل آخر.
تأملت وجه الرجل الآخر، ثم شهقت.
ده يوسف؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم أشار إلى نفسه.
وأنا أخوه.
شعرتُ أن قدمي لم تعودا تحملانني.
بس إنت اختفيت من حياتنا من زمان.
قال
لأن عمر ويوسف اتفقوا إن اختفائي كان أفضل للجميع.
ليه؟
نظر إلى الصورة وقال
بسبب اللي حصل في اليوم اللي اتجرحتي فيه.
صمتُّ.
قال
لكن اللي ما تعرفيهوش إن اللي حصل وقتها لم يكن صدفة.
شعرتُ بقلبي يضرب بقوة.
قصدك إيه؟
فتح حقيبته وأخرج ملفًا قديمًا.
قبل الحادثة بأيام، كان فيه شخص بيحاول يضغط على عمر عشان يترك مشروعه.
مين؟
رفع عيني نحوي.
والد عمر.
تجمدت.
والده؟
أيوه. كان شايف إن عمر بيضيع مستقبله بسبب المشروع وبسبب ارتباطه بيكي.
جلست على الكرسي القريب.
لم أعد أعرف ماذا أصدق.
ثم أخرج ورقة أخرى.
لكن دي أهم حاجة.
أخذتها.
كانت رسالة قديمة موجهة إليّ.
وتحت اسمي كان هناك تاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا.
نظرت إليه بدهشة.
دي الرسالة اللي عمر قال إنها ما وصلتش؟
هز رأسه.
أيوه.
مين منعها؟
صمت.
ثم قال
أنا.
رفعت رأسي إليه.
إنت؟
لأنني كنت مكلفًا وقتها بأن أبعدك عن عمر بأي طريقة، لكنني لم أستطع تنفيذ الأمر بالكامل.
تسارعت أنفاسي.
طب ليه احتفظت بيها كل السنين دي؟
نظر إلى الرسالة.
لأنني في النهاية اكتشفت إن عمر كان صادقًا معكِ، وإن القرار كان لازم يكون قرارك.
مد يده بالرسالة نحوي.
افتحيها.
فتحت الورقة.
وقرأت أول سطر.
مريم، لو وصلتك الرسالة دي، فأنا مستعد أخبرك بكل شيء حتى لو كان الثمن أن تكرهيني.
توقفت.
كان هناك سطر أخير تحت الرسالة.
سطر واحد فقط.
لكنه كان كافيًا ليجعلني أفهم لماذا ظل عمر صامتًا طوال هذه السنوات.
أنا لم أبتعد لأنني لا أريدك بل لأنني وعدت والدك أن أحميك مهما كان الثمن.
رفعت رأسي ببطء.
وقبل أن أتمكن من الكلام، قال الرجل
لكن فيه جزء من الحقيقة لسه ما تعرفيهوش.
إيه هو؟
نظر إلى الباب.
ثم قال
الشخص اللي كان يراقب عمر من خمسة عشر سنة رجع تاني.
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت سيارة تتوقف خارج المبنى.
نظر الرجل إلى النافذة، فتغير وجهه.
لازم تمشي دلوقتي.
مين اللي وصل؟
لم يجب.
فقط أمسك بذراعي وقال
لأن الشخص اللي برّه عرف إنك هنا تجمدتُ في مكاني.
مين اللي برّه؟
لكن الرجل لم يجب.
سمعنا خطوات تقترب من الباب، ثم ظهر عمر.
كان يلهث، ووجهه يحمل خوفًا لم أره عليه طوال خمسة عشر عامًا.
مريم!
ركض نحوي.
إنتِ كويسة؟
أبعدت يده عني.
أنا عايزة الحقيقة كلها.
نظر إلى أخيه، ثم أطرق رأسه.
خلاص من حقك تعرفي.
جلسنا جميعًا، وبدأ عمر يحكي.
قبل خمسة عشر عامًا، كان والده قد رفض زواجنا، ليس لأنني لم أكن مناسبة، بل لأنه كان يخشى أن أخسر مستقبلي بسبب عمر الذي كان وقتها لا يزال يبدأ حياته.
وفي اليوم الذي أصبت فيه، ظن عمر أن ما حدث كان بسبب مشاكله، فطلب من أبي أن يسمح له بالابتعاد عني مؤقتًا حتى يثبت نفسه.
لكن السنوات مرت، وتحول المؤقت إلى خوف دائم.
كلما أصبح مستعدًا للزواج، كان يتذكر وعده القديم بأن يحميني، فيتراجع ويؤجل.
أما الرسالة التي كتبها لي، فقد أخفاها أخو يوسف خوفًا من أن أتخذ قرارًا وأنا متأثرة.
وعندما علم عمر أنها لم تصلني، حاول إرسال غيرها، لكنني لم أكن أعرف شيئًا.
قلت له والدموع في عيني
كان ممكن تقول لي الحقيقة.
هز رأسه.
عارف ودي أكبر غلطة عملتها في حياتي.
نظر يوسف إليه ثم قال
لكن مريم لازم تختار من غير ضغط.
ساد الصمت.
نظرت إلى عمر.
ثم إلى يوسف.
ثم إلى الخاتم القديم الذي كنت أحتفظ به في حقيبتي.
أدركت أنني لم أعد تلك الفتاة ذات الثانية والعشرين عامًا التي تنتظر وعدًا.
أنا الآن امرأة تعرف قيمتها.
قلت
عمر، أنا سامحتك.
رفع رأسه.
بس مش هرجع أعيش في الانتظار.
أومأ والدموع في عينيه.
فاهم.
ولو عايزني في حياتك، لازم تختارني بوضوح مش بعد سنة، ولا بعد خمس سنين.
قال فورًا
دلوقتي.
أخرج من جيبه علبة صغيرة.
فتحها، وكان بداخلها خاتم جديد.
قال
مش هطلب منك تنسي اللي فات. أنا بس بطلب فرصة واحدة أبدأ صح.
نظرت إلى الخاتم، ثم ابتسمت.
لكنني لم أمد يدي.
قلت
السبت لسه موجود.
ابتسم عمر وسط دموعه.
يعني؟
قلت
يعني يوم السبت هتسمع قراري قدام الجميع.
وفي يوم السبت، امتلأ المكان بالعائلة والأصدقاء.
دخلتُ مرتدية فستانًا أبيض بسيطًا.
لم يكن الفستان الذي أهانني عمر بسببه.
كان فستانًا اخترته أنا.
وحين وصلت إلى النهاية، وجدت عمر واقفًا ينتظرني.
لم أكن عروسًا تهرب من ماضٍ مؤلم.
كنت امرأة تدخل مستقبلها بإرادتها.
تقدم عمر خطوة، وقال
مريم، بعد كل السنين دي هل تقبلين؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
أقبل بشرط.
ابتسم.
إيه؟
من النهارده، مفيش يومًا ما.
ضحك الجميع، وامتلأت عيناه بالدموع.
من النهارده كل حاجة ليها موعد.
وضعت يدي في يده.
وفي تلك اللحظة فهمت أن بعض القصص لا تنتهي عندما نغلق بابًا
بل عندما نتوقف عن انتظار أن يفتحه لنا شخص آخر.
النهاية.