بعد خمس عشر

لمحة نيوز

عملي أو مستقبلي من أجل مساعدته.
نظرت إلى عمر.
وإنت وافقت؟
وافقت.
طيب ليه ما اتجوزتنيش بعد ما نجحت؟
صمت طويلًا.
ثم قال
لأنني بعد ما نجحت، خفت.
خفت من إيه؟
خفض رأسه.
خفت إنك تتجوزيني عشان الوعد القديم، مش عشان الرجل اللي بقيت عليه.
ضحكت بمرارة.
فقررت تسيبني معلقة خمسة عشر سنة؟
كنت بقول لنفسي كل سنة إن الوقت لسه مش مناسب.
وأنا كنت بعيش على كل سنة من دول.
لم يجد ما يقوله.
اقترب يوسف وقال
عمر، كفاية.
نظر إليه عمر بغضب.
إنت مالك؟
مالي إني وعدت مريم بالحقيقة.
ثم التفت إليّ.
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
نظر عمر إليه بسرعة.
يوسف
لكن يوسف لم يتوقف.
البيت اللي عمر بيجهزه من سنتين
رفع عمر رأسه فجأة.
ما تقولش.
تجمدت.
بيت إيه؟
ساد الصمت.
قلت
عمر، إيه البيت ده؟
وقف عمر.
مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
أمال إيه؟
قال يوسف
كان بيجهز بيتًا باسمها.
نظرت إلى عمر بدهشة.
باسمي؟
هز رأسه.
أيوه.
من إمتى؟
من سنتين.
شعرتُ أن كل شيء أصبح أكثر تعقيدًا.
سألت
وليه ما قلتليش؟
ابتسم عمر بحزن.
لأنني كنت أريد أن يكون كل شيء جاهزًا قبل أن أطلب منك الزواج.
ثم أضاف
لكنني كلما اقتربت، كنت أجد سببًا جديدًا للتأجيل.
نظرت إليه طويلًا.
كان هناك جزء مني يريد تصديق كلامه.
لكن جزءًا آخر كان قد تعب من الانتظار.
قلت
حتى لو كنت بنيت لي بيتًا من ذهب أنا مش هنسى الخمسة عشر سنة.
أطرق رأسه.
عارف.
ثم أضاف
وعشان كده أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
رفعت عيني إليه.
أمال جاي ليه؟
مد يده إلى جيبه وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
وضعه فوق الطاولة بجوار خاتم الخطوبة القديم.
جاي أديكي حقك.
نظرت إلى المفتاح.
ده مفتاح إيه؟
قال
البيت اللي اتبنى باسمك.
ثم اتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، توقف للحظة وقال
وفي حاجة واحدة بس لازم تعرفيها قبل السبت.
التفتُّ إليه.
إيه؟
نظر إلى يوسف.
ثم قال
الرجل اللي هتتجوزيه يوم السبت مش أول مرة يدخل حياتك.
تجمدت في مكاني.
تقصد إيه؟
فتح الباب، وقال
اسألي يوسف عن اليوم اللي قابلتيه فيه لأول مرة.
ثم خرج.
التفتُّ ببطء إلى يوسف.
كان واقفًا أمامي، لكنه لم يعد يبتسم.
قلت
أنا قابلتك قبل كده؟
تنهد.
أيوه.
إمتى؟
سكت لحظات.
ثم قال
يوم الحادثة اللي سببتلك الندبة.
اتسعت عيناي.
وضعت يدي على كتفي دون وعي.
كنت هناك؟
قال
كنت أقرب شخص لعمر في ذلك اليوم.
ثم فتح الصندوق مرة أخرى، وأخرج صورة قديمة جدًا.
ناولني إياها.
نظرت إليها
فوجدت نفسي واقفة أمام المستشفى، وعمري اثنان وعشرون عامًا.
وبجواري عمر.
وخلفنا رجل يحمل حقيبة إسعافات.
كان وجهه نصف ظاهر فقط.
لكنني عرفته.
كان يوسف.
تراجعت خطوة.
إنت كنت موجود؟
قال
أيوه.
ثم أضاف بصوت خافت
وفي اليوم ده، حصل شيء غيّر حياتنا كلنا وعمر لم يخبركِ به حتى الآن ظللتُ أنظر إلى الصورة، وكأنني أحاول أن أستخرج من ملامحها ذكرى دفنتها السنوات.
أنا مش فاكرة اليوم ده.
قال يوسف
طبيعي. كنتِ مصابة ومرهقة، وكل اللي كان في بالك وقتها إن عمر بخير.
وإيه اللي حصل؟
تنهد.
بعد ما خرجتِ من المستشفى، والدك وصل. كان غاضبًا جدًا من عمر، وقال له إن اللي حصل كان إنذارًا.
إنذار لإيه؟
لم يجب مباشرة.
فتح الصندوق وأخرج ظرفًا أبيض قديمًا.
في الليلة دي، عمر كتب ورقة.
مدها إليّ.
فتحتها.
كان خط عمر واضحًا.
لو حصل لمريم أي أذى بسببي مرة تانية، هبعد عنها مهما كان الثمن.
رفعت عيني.
هو كتب الكلام ده؟
أيوه.
وليه؟
قال يوسف
لأنه كان مقتنع إن وجوده في حياتك ممكن يعرّضك للخطر بسبب مشاكله وشغله في ذلك الوقت.
قلت
لكن أنا كنت مستعدة أواجه معاه.
هو ما كانش عايزك تدفعي ثمن اختياراته.
أعدت الورقة إلى مكانها.
طيب ليه ما قالليش؟
ابتسم يوسف بحزن.
لأنه اختار أسوأ طريقة ممكنة لحمايتك.
سكتُّ.
ثم تذكرت السنوات التي كان عمر يتهرب فيها من الحديث عن الزواج، وكل مرة كنت أظن أنه لا يريدني.
لكنني لم أكن مستعدة بعد لأن أعذره.
قلت
ده يفسر خوفه لكنه ما يبررش إنه يخليني مستنية كل السنين دي.
وأنا متفق معاكِ.
ثم اقترب يوسف من النافذة.
عشان كده أنا مش طالب منك تختاري بيني وبينه.
نظرت إليه باستغراب.
أمال إنت عايز إيه؟
استدار نحوي.
عايزك تختاري نفسك.
لم أعرف ماذا أقول.
كانت أول مرة يقول لي أحد هذه الجملة دون أن يطلب مني بعدها شيئًا.
خرجت من المكتب وأنا أحمل الظرف في حقيبتي.
لكن قبل أن أصل إلى سيارتي، رن هاتفي.
كان أبي.
مريم، لازم ترجعي البيت دلوقتي.
ليه؟
صمت لحظة.
ثم قال
عمر جه هنا.
وعايز إيه؟
جاء صوته متوترًا
بيقول إنه لازم يشوفك قبل السبت.
أغلقت المكالمة، وجلست داخل السيارة.
لم أكن أعرف أن المواجهة القادمة لن تكون بيني وبين عمر فقط
بل ستجبرني على اتخاذ قرار كنت أهرب منه منذ خمسة عشر عامًا وصلتُ إلى بيت أهلي، فوجدتُ عمر جالسًا مع أبي في غرفة الضيوف.
بمجرد أن دخلت، وقف عمر.
قال أبي
سيبونا لوحدنا شوية.
جلستُ أمام عمر، ولم أقل شيئًا.
أخرج من جيبه ورقة مطوية ووضعها أمامي.
دي آخر حاجة كنت عايز أوصلهالك.
فتحتها.
كانت صورة لبيت جميل، تحيط به حديقة صغيرة.
تحت الصورة كان اسمي مكتوبًا.
رفعت عيني إليه.
ده البيت؟
هز رأسه.
أيوه.
وليه بتديهولي دلوقتي؟
تنفس ببطء.
لأني فهمت أخيرًا إن البيت مش هو اللي كان ناقصك.
صمتُّ.
ثم قال
إنتِ كنتِ محتاجة قرار.
نظرت إلى الأرض.
بالضبط.
مد يده نحو الورقة، ثم سحبها مرة أخرى.
بس قبل ما أمشي، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
أنا ما كنتش الشخص الوحيد اللي كان بيأجل.
رفعت رأسي بسرعة.
تقصد إيه؟
قال
والدك كان عنده سبب تاني لرفضه جوازنا كل السنين دي.
نظرت نحو الباب.
كان أبي واقفًا في الخارج، وقد سمع كلامه.
دخل ببطء.
وقال
كفاية يا عمر.
ثم نظر إليّ.
مريم، الحقيقة دي كان لازم تعرفيها من زمان.
شعرتُ بقلبي ينقبض.
حقيقة إيه؟
جلس أبي أمامي، وبدا عليه التردد لأول مرة في حياتي.
يوم الحادثة القديمة عمر ما كانش هو الشخص اللي كان المقصود.
سكتُّ.
لم أفهم.
يعني إيه؟
قال أبي
الشخص اللي كان المقصود بالطعن كان شخصًا آخر.
تجمدت.
مين؟
نظر أبي إلى عمر.
ثم قال
أخو يوسف.
ساد صمت ثقيل.
نظرت إلى عمر، ثم إلى أبي.
فجأة بدأت الصورة القديمة تتغير في ذهني.
يوسف كان هناك يوم الحادثة.
عمر كان يعرفه.
وأبي كان يعرف كل شيء.
لكن لماذا أخفوا عني هذه التفاصيل طوال خمسة عشر عامًا؟
وقبل أن أتمكن من السؤال، قال أبي
والسبب الحقيقي اللي خلاني أخاف عليكِ من الزواج بعمر إن المشكلة ما انتهتش يومها.
ثم أضاف
هي رجعت تظهر من جديد قبل أسبوع واحد فقط.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
وإيه اللي حصل قبل أسبوع؟
لم يجب أبي.
أما عمر، فأخرج هاتفه ووضعه أمامي.
على الشاشة كانت هناك صورة لظرف أسود وُضع أمام باب بيتنا.
وفوق الظرف كُتبت جملة واحدة
الماضي لم ينتهِ بعد وضعتُ الهاتف على الطاولة، ولم أستطع أن أرفع عيني عن الصورة.
مين اللي بعت الظرف ده؟
قال عمر
ما نعرفش.
ومين يعرف إن الموضوع ده حصل من خمسة عشر سنة؟
رد أبي بصوت متردد
ناس قليلة جدًا.
قلت
يبقى حد من الناس دي.
ساد الصمت.
أمسكت الهاتف وقرأت الرسالة مرة أخرى.
الماضي لم ينتهِ بعد.
ثم رفعت رأسي فجأة.
وليه الرسالة اتبعتت دلوقتي؟ بعد خمسة عشر سنة بالضبط؟
لم يجب أحد.
وهنا لاحظت شيئًا غريبًا في الصورة.
كبّرتها على الهاتف.
كان الظرف موضوعًا أمام باب البيت، وبجانبه شيء صغير لم أنتبه له في البداية.
ميدالية معدنية.
تأملتها جيدًا.
عرفتها فورًا.
دي بتاعة مين؟
نظر أبي إلى الشاشة، فتغير وجهه.
أما عمر فوقف فجأة.
مستحيل.
قلت
إنت عارفها؟
اقترب عمر من الهاتف.
أيوه.
بتاعة مين؟
نظر إلى أبي.
ثم قال
كانت بتاعة الشخص اللي حصلت بسببه المشكلة زمان.
شعرتُ بقشعريرة.
بس إنت قلت إن الموضوع انتهى.
كنت فاكر كده.
ثم أضاف
آخر مرة شفت الميدالية دي كانت من خمسة عشر سنة.
في تلك اللحظة، رن جرس الباب.
نظرنا جميعًا إلى بعضنا.
ذهب أبي ليفتح.
بعد ثوانٍ عاد وهو يحمل ظرفًا أسود جديدًا.
وضعه أمامي دون كلمة.
كان عليه اسمي.
فتحت الظرف.
وجدت ورقة واحدة فقط.
لو أردتِ معرفة الحقيقة كاملة، تعالي غدًا إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية.
وفي أسفل الورقة كان هناك

تم نسخ الرابط