بعد خمس عشر

لمحة نيوز

مكتوبًا بخط أبي
يوسف الرجل الذي ظل يسأل عن مريم طوال هذه السنوات، لكنه رفض أن يتدخل في حياتها طالما كانت مرتبطة.
توقفت أنفاسي.
رفعت الصورة أمام أبي.
يوسف؟
هز رأسه.
أيوه.
بس أنا أعرف يوسف؟
ابتسم أبي ابتسامة غامضة.
تعرفيه أكثر مما تتخيلي.
بدأت أفتش في ذاكرتي.
اسم يوسف لم يكن غريبًا.
لكنني لم أستطع تحديد وجهه.
قلت
بابا، إنت بتتكلم عن مين؟
أخرج ورقة ثانية من الظرف.
كانت رسالة.
قرأت أول سطر فقط، فتجمدت يدي.
مريم، لو جاء يوم وأصبحتِ حرة، ولم يكن في قلبك أحد أتمنى أن تسمحي لي أن أخبرك بما أخفيته طوال سنوات.
رفعت رأسي بسرعة.
الرسالة دي مين كتبها؟
نظر أبي إليّ طويلًا.
يوسف.
جلست على حافة السرير، غير قادرة على استيعاب ما أسمعه.
وليه أخفى كل ده؟
قال أبي
لأنه كان يعرف أنكِ تحبين عمر. وكان يرى أن الدخول بينكما ظلم لكِ وله.
ثم سكت قليلًا وأضاف
لكنه منذ سنوات كان يبني حياته بهدوء ولم يطلب منك شيئًا إلا بعدما عرف أنكِ اتخذتِ قرارك بنفسك.
وضعت الرسالة على الطاولة.
هو اللي اتصل بيا امبارح؟
ابتسم أبي.
أيوه.
ساد الصمت.
ثم قلت
وهل هو فعلًا هيتجوزني السبت؟
ضحك أبي للمرة الأولى.
لو وافقتِ.
حدقت فيه.
يعني لسه القرار قراري؟
طول عمرك القرار قرارك.
في تلك اللحظة فهمت لماذا كان صوت الرجل في الهاتف هادئًا.
لم يكن يحاول إنقاذي من عمر.
كان ينتظرني أنا.
وفي صباح اليوم التالي، وجدت رسالة جديدة أمام باب غرفتي.
لم يكن عليها سوى جملة واحدة
قبل أن نكمل أي شيء، أريدك أن تقابليني وحدك لأن هناك حقيقة عن السنوات الخمس عشرة الماضية يجب أن تعرفيها.
وضعت الرسالة أمامي.
ولأول مرة شعرت أن الحكاية التي ظننت أنني أعرف كل تفاصيلها
ربما كانت تخفي سرًا أكبر بكثير مما تخيلت في اليوم التالي، خرجتُ من البيت قبل الظهر بقليل.
لم أخبر أمي إلى أين أذهب، واكتفيتُ بأن قلت لها
عندي مشوار مهم وهرجع قبل المغرب.
كانت الرسالة التي تركها يوسف في يدي طوال الليل.
أريدك أن تعرفي الحقيقة قبل أن توافقي.
لم أكن أعرف ماذا يقصد.
وصلت إلى المكان الذي حدده، مقهى هادئ في طرف المدينة. جلست أنتظر، وبعد دقائق دخل رجل طويل يحمل ملفًا أسود.
توقفت للحظة.
عرفته.
لم يكن غريبًا عن ذاكرتي كما ظننت.
كان يوسف.
رأيته قبل سنوات كثيرة، لكنني لم أكن أتوقع أن يكون هو الشخص الذي تحدث عنه أبي.
جلس أمامي ووضع الملف على الطاولة.
شكرًا إنك جيتي.
قلت
إنت قلت إن في حقيقة لازم أعرفها.
هز رأسه.
أيوه.
فتح الملف وأخرج عدة أوراق.
ثم دفعها نحوي.
نظرت إليها باستغراب.
كانت مستندات قديمة تخص مشروعًا تجاريًا.
قلت
إيه ده؟
قال بهدوء
دي مش أوراق جواز ولا فلوس ولا حاجة تخص عمر.
ثم أخرج صورة قديمة.
توقفت أنفاسي.
كانت الصورة تجمعني أنا وعمر في بداية علاقتنا.
لكن خلفنا، في زاوية الصورة، كان هناك شاب آخر.
يوسف.
رفعت عيني إليه.
إنت كنت تعرفنا من زمان؟
ابتسم بحزن.
أكثر مما تتخيلي.
ثم قال جملة جعلتني أشعر أن الأرض تحركت تحت قدمي
وأنا السبب في إن عمر قدر يحقق أول خطوة في حياته.
تجمدت.
إزاي؟
أخرج ورقة أخرى.
قبل خمسة عشر سنة، عمر كان على وشك يخسر كل شيء. المشروع اللي كان بيحلم بيه كان محتاج تمويل، وأنا كنت أقدر أساعده.
صمت قليلًا.
لكني ساعدته بشرط واحد.
قلت
إيه؟
نظر في عيني مباشرة.
إنك ما تعرفيش إني تدخلت.
شعرتُ بصدمة حقيقية.
ليه؟
قال
لأنني كنت أعرف إنك تحبيه، وكنت أعتقد إن مساعدته ستجعله قادرًا على بناء المستقبل الذي وعدك به.
ثم سحب ورقة من الملف.
لكن عمر لم يعرف أنني كنت أراقب المشروع من بعيد طوال السنوات الماضية.
سألته
وإيه علاقة ده باللي بيحصل دلوقتي؟
تردد للحظة.
ثم قال
لأن المشروع الذي بدأه عمر قبل خمسة عشر عامًا لم يكن ملكه بالكامل.
حدقت فيه.
يعني إيه؟
اقترب بالملف نحوي وقال
الجزء الأكبر منه كان ممولًا بأموال وضعتها أنا باسم شخص آخر.
فتحت فمي من شدة الدهشة.
لكن يوسف لم ينتهِ.
قال
وهناك شيء آخر شيء لم أخبر به والدك إلا منذ أيام.
إيه هو؟
أخرج آخر ورقة من الملف ووضعها أمامي.
قرأت الاسم المكتوب عليها.
ثم رفعت رأسي ببطء.
كان اسم عمر.
وتحته تاريخ يعود إلى اليوم الذي وعدني فيه بالزواج بعد خمس سنوات.
قال يوسف
مريم عمر لم يكن يؤجل الزواج بسبب المال أو العمل كما كنتِ تظنين.
توقفت أنفاسي.
أمال ليه؟
نظر إليّ يوسف طويلًا.
لأن هناك سببًا قديمًا لم تعرفيه أبدًا وهذا السبب هو الذي جعل والدك يرفض أن يخبرك بالحقيقة طوال هذه السنوات.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفي.
كان عمر.
لأول مرة منذ سنوات، كان يتصل بي عشر مرات متتالية رن الهاتف مرة أخرى.
نظرتُ إلى الشاشة.
اسم عمر كان يضيء أمامي.
رفعتُ عيني إلى يوسف.
أرد؟
قال بهدوء
القرار قرارك.
أجبت.
ألو؟
جاء صوته متوترًا
مريم، إنتِ فين؟
برّه.
مع مين؟
سكتُّ.
فقال بسرعة
أنا عارف إنك بتقابلي يوسف.
اتسعت عيناي.
نظرت إلى يوسف، فوجدته هادئًا بشكل غريب.
قلت
عرفت منين؟
مش مهم. المهم إنك ترجعي البيت ونقعد نتكلم.
عن إيه؟
صمت عمر للحظات، ثم قال
عن كل حاجة.
أغلقت الهاتف دون أن أجيب.
وضعت الهاتف على الطاولة.
قلت ليوسف
هو عرف إننا بنتقابل.
قال
كان لازم يعرف عاجلًا أم آجلًا.
وإيه الحقيقة اللي كنت هتقولهالي؟
أغلق يوسف الملف.
مش هنا.
ليه؟
لأنك لو عرفتيها هنا، ممكن تاخدي قرار وأنتِ متأثرة.
ثم نهض.
تعالي معايا.
خرجنا من المكان، وركبنا السيارة.
طوال الطريق لم يتحدث.
حتى وصلنا إلى مبنى قديم لم أره من قبل.
دخلنا إلى مكتب صغير في الطابق الثاني.
أخرج يوسف مفتاحًا من جيبه وفتح خزانة معدنية.
أخرج منها صندوقًا خشبيًا.
وضعه أمامي.
الصندوق ده موجود عندي من خمسة عشر سنة.
فتحت الغطاء.
وجدت عشرات الأوراق والصور.
ثم رأيت شيئًا جعل يدي تتوقف.
كانت هناك ورقة تحمل توقيع عمر.
وتاريخها يعود إلى أول سنة في علاقتنا.
قرأت السطر الأول.
ثم الثاني.
ثم رفعت رأسي إلى يوسف.
إيه ده؟
قال
الاتفاق اللي عمر وقعه في بداية مشروعه.
وإيه علاقته بيا؟
نظر إلى الورقة، ثم إليّ.
اسمك موجود فيها.
شعرتُ بقلبي يتسارع.
أعدت النظر إلى المستند.
وكان هناك بند واحد جعل الدم ينسحب من وجهي.
بند لم أسمع عنه طوال خمسة عشر عامًا.
قلت بصوت مرتجف
بابا كان يعرف؟
أجاب يوسف
أيوه.
وعمر؟
عمر كان يعرف.
أغلقت الصندوق بعصبية.
يبقى ليه محدش قالي؟
لم يجب.
وفي تلك اللحظة، وصلني إشعار برسالة.
فتحت الهاتف.
كانت من عمر.
لو عرفتي الحقيقة من يوسف، هتكرهيني لكن أقسم لك إنني فعلت كل ما فعلته عشان أحميك.
حدقت في الرسالة.
ثم رفعت عيني إلى يوسف.
إيه اللي عمر كان بيحاول يحميني منه؟
ظل صامتًا.
وبعد ثوانٍ قال
مش أنا اللي المفروض أقولك.
ثم أشار إلى الباب.
لأن الشخص اللي لازم تسمعي منه الحقيقة واقف برّه فتحتُ الباب ببطء.
كان عمر واقفًا أمامي.
لم يكن غاضبًا هذه المرة، ولم يكن متعاليًا كما اعتدت أن أراه.
كان شاحب الوجه، وعيناه تحملان شيئًا لم أفهمه.
دخل وأغلق الباب خلفه.
نظر إلى يوسف، ثم إلى الصندوق المفتوح على الطاولة.
وقال بصوت منخفض
كنت أتمنى إنك ما تعرفيش بالطريقة دي.
وقفت أمامه.
يبقى قولّي الحقيقة.
لم يجب.
اقترب من الطاولة، وأخذ الورقة التي تحمل توقيعه.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال
من خمسة عشر سنة، كنت فقيرًا، وطموحي أكبر مني. كنت عايز أبني شركة، لكن ما كانش معايا أي شيء.
قلت
ويوسف ساعدك.
هز رأسه.
أيوه.
وأنا كنت جزءًا من الاتفاق؟
أغمض عينيه للحظة.
مش بالمعنى اللي في بالك.
أمال بالمعنى إيه؟
جلس عمر، وأسند يديه إلى رأسه.
والدك كان رافض إنك تكملي معايا وقتها.
توقفت.
بابا؟
قال
كان شايف إني مش مستعد أتحمل مسؤوليتك. وكان عنده حق.
نظرت إلى أبي في ذهني، وتذكرت سنوات كثيرة كان فيها صامتًا كلما تحدثت عن الزواج.
تابع عمر
في الوقت ده، يوسف عرض يساعدني في المشروع، لكن والدك طلب ضمانات.
ضمانات إيه؟
رفع عيني إليّ.
إنه لو فشلت، ما أحمّلكيش نتيجة فشلي.
شعرتُ بالارتباك.
يعني إيه؟
أخرج عمر ورقة أخرى من الصندوق.
دي كانت وصية والدك.
قرأت الكلمات ببطء.
كان أبي قد كتب فيها أنه لن يوافق على زواجي من عمر إلا بعد أن يثبت عمر قدرته على بناء حياة مستقرة، وأنه لن يسمح بأن أتنازل عن دراستي أو

تم نسخ الرابط