بعد خمس عشر
بعد خمس عشرة سنة من الانتظار، قال لي إنني كبرتُ أكثر من اللازم على ذلك الفستان وفي اللحظة التي ظننتُ فيها أنني خسرتُ كل شيء، قررتُ أن أبدأ حياتي من جديد.
رافقتُ صديقتي المقربة سارة إلى دار أزياء لاختيار فستان زفافها. وبينما كانت تقيس الفساتين، اقترحت عليّ إحدى العاملات أن أجرب فستانًا أبيض لمجرد المزاح.
ضحكتُ ووافقت.
كان الفستان أنيقًا، ناعم التفاصيل، بظهر مكشوف، وجعلني أبدو مختلفة تمامًا أمام المرآة.
وقفتُ أتأمل نفسي، وفجأة دخل عمر ليأخذنا.
ابتسمت سارة وقالت مازحة
عمر، انظر إلى مريم! أليست جميلة؟ بهذا الشكل سأضطر أن أزوجكما بنفسي!
توقفت أنفاسي للحظة.
بعد خمسة عشر عامًا من الانتظار، كان هناك جزء صغير بداخلي لا يزال يتمنى أن ينظر إليّ عمر بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليّ عندما كنا أصغر.
كنت أنتظر أن يبتسم.
أن يقترب.
أن يقول أخيرًا
مريم حان الوقت.
لكنه رفع عينيه عن هاتفه للحظات، نظر إليّ، ثم قال ببرود
اخلعيه.
اختفت ابتسامتي.
وأضاف
الفستان ده مش مناسب لكِ.
نظرت إليه في صمت.
فقال
إنتِ مش عندك عشرين سنة يا مريم. الموديلات دي محتاجة جسم أصغر.
ساد الصمت.
حاولت سارة أن تخفي غضبها، بينما تظاهرت العاملات بأنهن منشغلات بترتيب الفساتين.
أما أنا، فبقيت واقفة أمام المرآة.
لم يكن كلامه عن الفستان هو ما آلمني.
بل الطريقة التي قاله بها.
كأنه لم يرَ المرأة التي وقفت إلى جواره خمسة عشر عامًا.
كأنه لم يتذكر كم مرة وقفتُ بجانبه عندما كانت حياته صعبة.
اقترب مني وقال بهدوء
متزعليش. إحنا هنتجوز عاجل أو آجل. ليه مستعجلة كده؟
نظرت إليه طويلًا.
خمسة عشر عامًا.
خمسة عشر عامًا وأنا أسمع الجملة نفسها.
لما الظروف تتحسن.
لما أرتب شغلي.
لما نخلص موضوع البيت.
لسه بدري.
كنت دائمًا أعيش على وعد مؤجل.
وفي تلك اللحظة، لأول مرة، سألت نفسي
ماذا لو لم يكن هناك يومًا ما أصلًا؟
ماذا لو كنت أضيّع عمري وأنا أنتظر شيئًا لم يقرر عمر أن يمنحني إياه؟
خرجت من غرفة القياس وبدلت الفستان.
وفي طريقي للخروج، لمحت الندبة الصغيرة قرب كتفي في المرآة.
لمستها بأطراف أصابعي.
تذكرت يومًا قديمًا، قبل سنوات طويلة.
كنت يومها في الثانية والعشرين، وكان عمر أصغر وأحلامه أكبر من إمكانياته.
نشب شجار في الشارع بالقرب منا، وفجأة رأيت شخصًا يندفع نحوه.
لم أفكر.
اندفعت أمام عمر لحمايته، وأصبت بجرح عميق ترك تلك الندبة.
في المستشفى، كان عمر يبكي بجواري.
أمسك يدي وقال
مريم، أول ما نكمل خمس سنين مع بعض، هتجوزك.
ابتسمت رغم الألم.
وصدقتُه.
مرت خمس سنوات.
ثم عشر.
ثم خمس عشرة.
والوعد نفسه ظل معلقًا في الهواء.
خرجت من دار الأزياء فوجدت عمر يتفقد هاتفه.
قال
عندي عشاء عمل الليلة. سارة ممكن توصلك لبيت أهلك.
هززت رأسي.
تمام.
لم أسأله أين سيذهب.
لم أعاتبه.
لم أطلب منه شيئًا.
وهذا تحديدًا هو الشيء الذي جعله ينظر إليّ باستغراب.
ركبت السيارة مع سارة، وطوال الطريق لم أتحدث.
لاحظت سارة هدوئي فقالت
مريم، إنتِ كويسة؟
نظرت من النافذة.
أيوه.
متأكدة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأول مرة أعتقد إني كويسة.
لكن سارة لم تفهم ما الذي تغير بداخلي.
لم أكن غاضبة.
كنت فقط قد تعبت.
وفي تلك الليلة، عندما وصلت إلى بيت أهلي، فتحت درج مكتبي وأخرجت صندوقًا قديمًا.
كان بداخله كل شيء تقريبًا من سنوات عمرنا الأولى.
صور.
تذاكر سينما.
رسائل قصيرة.
وأوراق كتبنا عليها أحلامنا ونحن صغار.
فتحت أول رسالة.
كان خط عمر واضحًا عليها
مريم، هدرس وأشتغل لحد ما أبقى قادر أعمل بيت يليق بيكي. استنيني.
ابتسمت رغم دموعي.
ثم أغلقت الرسالة.
هذه المرة، لم أشعر أنني أشتاق لذلك الفتى.
شعرت أنني أودعه.
وفي صباح اليوم التالي، حدث شيء لم أتوقعه.
جاء عمر إلى بيت أهلي.
دخل غرفة الضيوف وهو يبتسم بثقة، وكأنه يتوقع أن يجدني غاضبة ثم ينجح كالعادة في تهدئتي.
قال
إيه يا مريم؟ لسه زعلانة من موضوع الفستان؟
لم أجب.
جلست أمامه بهدوء.
أخرجت من إصبعي خاتم الخطوبة القديم.
ووضعته على الطاولة.
اختفت ابتسامته.
نظر إلى الخاتم، ثم إليّ.
يعني إيه ده؟
قلت بهدوء
يعني إن الخمسة عشر سنة خلصوا.
وقف من مكانه.
مريم، بلاش الكلام ده.
أنا مش بتكلم عشان أخوفك.
أمال؟
نظرت إلى عينيه للمرة الأخيرة.
عشان أبلغك بقرار أخدته.
سكت.
ثم قال
قرار إيه؟
تنفست بعمق.
وقلت
أنا هتجوز.
تجمد في مكانه.
هتتجوزي مين؟
لم أجب فورًا.
فقد كان هناك سر أخفيه منذ أيام، سر سيغير كل شيء
لكن عمر لم يكن يعرف أنني بالفعل اتخذت خطواتي الأولى نحو حياة جديدة.
ولم يكن يعرف أن يوم السبت القادم سيحمل مفاجأة لم يتوقعها أبدًافي اللحظة التي نطقتُ فيها بتلك الجملة، تغير وجه عمر تمامًا.
هتتجوزي مين؟
جلستُ أمامه بهدوء، بينما كانت أصابعي تعبث بحافة الفستان الذي اشتريته صباحًا.
شخصًا يعرف قيمة الوقت.
قطّب جبينه.
مريم، أنا مش فاهم.
مش لازم تفهم دلوقتي.
اقترب خطوة.
يعني إيه هتتجوزي؟ إمتى؟ وإزاي وأنا آخر واحد يعرف؟
رفعت عيني إليه.
لأنك كنت آخر واحد لازم يعرف.
سكت.
ثم جلس ببطء، وكأن الكلام أصابه في مكان لم يكن مستعدًا له.
إنتِ بتتكلمي بجد؟
جدًا.
ظل ينظر إليّ، ثم قال
مين هو؟
لم أجب.
أعرفه؟
ممكن.
من إمتى؟
من وقت قريب.
هز رأسه بعصبية.
وإنتِ كنتِ مخبية عني كل ده؟
ابتسمت بحزن.
وأنت كنت مخبي عني حاجات أهم.
انتفض
أنا مخبي إيه؟
ولا حاجة.
سكتُّ لحظة، ثم أضفت
المشكلة إنك ما كنتش محتاج تخبي حاجة. أنت ببساطة كنت بتأجل كل حاجة.
نهض من مكانه.
مريم، إحنا بقالنا خمسة عشر سنة مع بعض. مينفعش فجأة تقرري تتجوزي حد تاني!
نظرت إلى الخاتم الموضوع أمامه.
ينفع.
لا، ما ينفعش.
ليه؟
لم يجد جوابًا.
وهنا أدركت أن أقوى شيء فعلته في حياتي لم يكن تركه
بل أنني للمرة الأولى لم أطلب منه أن يختارني.
أخذ عمر نفسًا عميقًا وقال
اديني فرصة.
توقفت للحظة.
كانت هذه أول مرة أسمع منه تلك الجملة.
بعد خمسة عشر عامًا.
لكنها جاءت متأخرة جدًا.
قلت
الفرص اللي بتتأجل كتير بتتحول لحاجات تانية.
يعني إيه؟
يعني إن الفرصة اللي كنت مستنياها زمان ماتت.
اقترب مني وقال بصوت منخفض
ومين الشخص اللي اختارك؟
نظرت إليه، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور.
هتعرف يوم السبت.
تغيرت ملامحه.
السبت؟
أيوه.
يعني كل حاجة اتحددت؟
تقريبًا.
خرج من البيت دون أن يقول شيئًا آخر.
راقبته من خلف النافذة حتى اختفى عن عيني.
ثم عدت إلى غرفتي.
فتحت الخزانة وأخرجت فستانًا لم أرتده منذ سنوات.
لم يكن فستان زفاف.
كان فستانًا بسيطًا اشتريته عندما كنت في الرابعة والعشرين، يومها كنت أقول لنفسي إنني سأرتديه في أول مناسبة بعد زواجي.
ضحكت على سذاجتي.
لكن هذه المرة لم أعد أنتظر مناسبة.
كنت أستعد لحياة كاملة.
وفي المساء، رن هاتفي.
كان رقمًا لا أعرفه.
ترددت قبل أن أجيب.
ألو؟
جاء صوت رجل هادئ من الطرف الآخر
مساء الخير يا مريم.
تجمدت في مكاني.
عرفت الصوت فورًا.
كان الشخص الوحيد الذي يعرف كل ما حدث خلال الأيام الماضية.
قلت
مساء النور.
صمت قليلًا، ثم قال
هل أنتِ متأكدة من قرارك؟
نظرت إلى خاتم عمر الموضوع فوق مكتبي.
ثم ابتسمت.
لأول مرة في حياتي أيوه.
قال
إذن سأراكِ يوم السبت.
وقبل أن يغلق الخط، سمعته يقول
لكن هناك شيء يجب أن تعرفيه قبل أن تتخذي الخطوة الأخيرة.
تغيرت ملامحي.
إيه هو؟
قال
والدك يعرف الحقيقة كاملة لكنه لم يخبركِ بها.
ثم أغلق الهاتف.
بقيتُ واقفة أمام المرآة، عاجزة عن الحركة.
والدي؟
ما الذي يعرفه عن هذا الزواج؟
ولماذا أخفى عني الأمر طوال هذه الأيام؟
وفي اللحظة نفسها، سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتي.
كان أبي واقفًا هناك.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال
مريم لازم نتكلم قبل يوم السبت دخل أبي وأغلق الباب خلفه، ثم جلس أمامي دون أن يتكلم.
كنت أعرف أبي جيدًا. عندما يكون صمته طويلًا إلى هذا الحد، فهناك شيء كبير يخفيه.
قلت
إنت عارف مين الشخص اللي هتجوزه؟
رفع عينيه نحوي.
أيوه.
اتسعت عيناي.
من إمتى؟
تنهد وقال
من قبل ما إنتِ تعرفي.
شعرتُ بقلبي يخفق.
وليه ما قلتليش؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا ووضعه أمامي.
عشان كنت عايز أتأكد إن القرار ده قرارك إنتِ، مش رد فعل على عمر.
نظرت إلى الظرف.
يعني إيه؟
قال أبي
افتحيه.
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
في داخله كانت هناك صورة قديمة لرجل شاب يقف بجوار أبي في مناسبة عائلية.
قلبت الصورة.
وعلى ظهرها كان