امي اخدت اختي الكبيرة زهرة الربيع
ده.
سألتها
إنتِ كنتِ عايشة مع مين كل السنين دي؟
قبل ما تجاوب، وجدنا ورقة بين صفحات الدفتر.
فتحتها.
كان مكتوبًا
أحلام لن تعود للبيت إلا عندما تصبح عبير في أمان.
بصيت لأحلام.
يعني كنتِ مستنياني؟
قالت
أيوه.
ليه؟
لأن الشخص اللي كان بيدور علينا كان فاكر إنك آخر حلقة في السلسلة.
سألت
أي سلسلة؟
أبي أغلق الدفتر.
لازم تعرفي الحقيقة الأخيرة.
لكن في نفس اللحظة، سمعنا صوت سيارة تقف أمام البيت.
جدتي اتجهت ناحية النافذة.
بصت للخارج.
ثم رجعت وهي مرعوبة.
هم وصلوا.
محمود سأل
مين؟
قالت
الناس اللي كانوا بيدوروا على الدفتر.
أبي أخفى الدفتر تحت ملابسه.
ثم سمعنا طرقًا على الباب.
ثلاث طرق بطيئة.
دق... دق... دق.
ثم جاء صوت رجل
يا صفية... افتحي.
أمي تجمدت.
بصيت لها.
تعرفيه؟
هزت رأسها.
أيوه.
مين؟
قالت
أخوكِ الكبير.
تجمدت.
عمي؟
أمي لم ترد.
وفجأة جاء صوت الرجل من الخارج
أنا مش جاي آخد الدفتر.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا جاي أقول لعبير الحقيقة عن أختها اللي ماتت قبل ما تتولد.
لم أتحرك.
أحلام أمسكت إيدي.
أبي اقترب من الباب.
لكن الرجل قال جملة جعلت الجميع يصمت
لأن أختها ما ماتتش...
ثم أضاف
وهي عايشة لحد النهارده.
نظرت لأبي.
ثم لأمي.
ثم لأحلام.
وكان واضحًا من وجوههم جميعًا...
أنهم يعرفون شيئًا لم يخبروني به أحد.
تقدمت ناحية الباب وقلت
افتحوا.
أبي حاول يمنعني.
لكنني قلت
كفاية أسرار.
ثم وضعت يدي على المقبض.
وقبل ما أفتحه...
سمعت صوتًا من خلفي.
صوت فتاة صغيرة.
هادئ جدًا.
قالت
عبير... ما تفتحيش.
استدرت بسرعة.
كانت أحلام تنظر ناحية السلم.
لكنها لم تكن هي التي تكلمت.
الصوت جاء من أسفل البيت.
من الغرفة السرية.
ومن الظلام...
ظهر ظل فتاة تقف عند آخر السلم.
كانت تمسك في إيدها صورة قديمة.
ثم رفعت رأسها نحوي وقالت
أنا أختك فضلت واقفة مش قادرة أتحرك.
أختي؟
البنت نزلت درجة واحدة، ثم وقفت.
ملامحها كانت واضحة أكتر كل ما قربت، لكني كنت حاسة إن عقلي بيرفض يستوعب اللي شايفه.
أحلام قربت مني وهمست
عبير... دي مش أختنا اللي في الصورة.
بصيت لها.
أمال مين؟
البنت نفسها ردت
أنا اللي كنتوا فاكرين إني اختفيت.
جدتي شهقت.
أمي حطت إيدها على وشها.
أما أبي فوقف كأنه اتصعق.
قلت
إنتِ أحلام؟
هزت رأسها.
أيوه.
اتجمدت.
بصيت للبنت اللي واقفة قدامي.
ثم لأحلام اللي كانت بجانبي.
كان عندنا شخصان بنفس الاسم؟
قلت
إيه اللي بيحصل؟!
البنت نزلت باقي السلم ببطء.
وقالت
أمي سمتني أحلام.
أشارت للبنت اللي بجانبي.
وبعدين لما اختفيت... أطلقت الاسم نفسه على أختي الصغيرة.
صرخت
يعني إيه؟!
البنت ردت
يعني طول السنين دي، أختك اللي كانت بتكلمك مش أحلام اللي خرجت مع أمك يوم المولد.
نظرت للبنت بجانبي.
كانت تبكي.
قالت
أنا كنت فاكرة إني أحلام.
البنت الأخرى قالت
وأنا كنت عارفة إنك هتكتشفي الحقيقة يومًا ما.
أمي وقعت على الكرسي.
كنت خايفة...
قلت لها
خايفة من إيه؟!
قالت
من إنكم تعرفوا إنكم مش أختين بس.
سكت الجميع.
قلت
يعني إحنا كام أخت؟
جدتي ردت بصوت ضعيف
تلاتة.
أحلام التي بجانبي بدأت تبكي.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن عبير أختي الوحيدة.
البنت الجديدة قالت
وهي كانت فاكرة إنك اختفيتي.
ثم نظرت لي.
لكن الحقيقة إن اللي اختفى يوم المولد... كان أنا.
لم أجد كلامًا أقوله.
كل ذكرياتي عن ذلك اليوم بدأت تتغير.
المولد.
الفستان الأزرق.
أمي.
اختفاء أحلام.
كل شيء كان مبنيًا على اسم واحد...
لكن الحقيقة كانت أكبر.
سألت
طيب إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟
قالت
مع جدي.
أبي رفع رأسه بسرعة.
أبويا؟
قالت
أيوه.
ثم أخرجت من جيبها ورقة قديمة.
هو اللي أخدني بعيد.
سألتها
ليه؟
قالت
لأنه عرف إن في ناس عايزة توصل لنا.
ثم مدت الورقة لي.
كان مكتوبًا عليها بخط أبي
لو عادت أحلام إلى البيت، فاعلموا أن الخطر عاد معها.
بصيت لأبي.
إنت كنت عارف إنها هترجع؟
قال
كنت مستني اليوم ده.
فجأة، جاء صوت طرق عنيف على الباب الخارجي.
أبي رفع رأسه.
اتأخرنا.
محمود اقترب من النافذة.
بص للخارج، ثم رجع بسرعة.
في عربيتين.
جدتي سألت
مين؟
قال
عمك.
البنت الجديدة شحبت.
هو عرف مكاني.
سألتها
إنتِ تعرفيه؟
قالت
أكتر مما تتخيلي.
ثم اقتربت مني، وأمسكت يدي.
بس في حاجة لازم تعرفيها قبل ما يفتحوا الباب.
إيه؟
قالت
أنا ما رجعتش عشان أستخبى.
ثم أخرجت مفتاحًا صغيرًا من جيبها.
رجعت عشان أفتح المكان اللي جدي قفله من عشر سنين.
أبي صرخ
لأ!
لكنها كانت قد وضعت المفتاح في قفل صغير داخل الحائط.
سمعنا صوت
تك.
وانفتح جزء من الحائط ببطء.
ظهر ممر مظلم خلفه.
وفي آخر الممر...
كان هناك ضوء.
البنت قالت
هناك آخر جزء من الحقيقة.
وقبل ما ندخل، جاء صوت عمي من الخارج
صفية! لو دخلتوا الممر ده، مش هتعرفوا تخرجوا منه!
البنت ابتسمت لأول مرة.
وقالت
هو خايف...
ثم نظرت إليّ
وعشان كده لازم ندخل أكيد، دي نهاية مقفولة ومشبعة بالتشويق، ومن غير خيانة أو علاقة غير شرعية
دخلنا الممر واحدًا وراء الآخر، وأنا ماسكة إيد أحلام بكل قوتي.
في آخر الممر، وصلنا لغرفة صغيرة.
وفي منتصفها كان فيه صندوق حديدي كبير.
البنت اللي قالت إنها أحلام وقفت قدامه، وطلعت مفتاحًا تاني.
فتحته.
جواه كانت كل الحقيقة.
أوراق ملكية الأرض، تسجيلات، وصور تثبت إن أعمام أبي كانوا بيحاولوا يستولوا على أرضه، وإنهم دبّروا حادث القطار لإجباره على الاختفاء والتنازل عن كل شيء.
لكن الصدمة الأكبر كانت في التسجيل.
كان صوت جدي بيقول إن أمي أخذت أحلام للمولد، ثم أخفتها بمساعدته لحمايتها بعد ما شاهدت شيئًا خطيرًا في ليلة الحادث.
أما أبي، فلم يمت.
لقد اختفى متعمدًا بعد أن اكتشف المؤامرة، وعاش سنوات يجمع الأدلة حتى يستطيع حماية بناته والعودة بالحقيقة كاملة.
أمي لم تكن باردة لأنها لم تحب أحلام.
كانت تعيش في خوف دائم، وكانت تعرف أن أي بلاغ رسمي عن اختفائها سيقود الأشخاص الذين يطاردونهم إليها.
لكنها أخطأت.
كبر السر حتى أصبح جرحًا لا يلتئم.
وفجأة، سمعنا أصواتًا من خارج الغرفة.
كان عمي قد وصل.
لكن هذه المرة لم نهرب.
محمود كان قد أبلغ الشرطة بكل ما عرفه، وكانت القوات قد وصلت إلى البيت.
خرج عمي وهو يحاول إنكار كل شيء، لكن التسجيلات والأوراق كانت أقوى من كلامه.
وبعد التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.
اتضح أيضًا أن البنت التي قابلناها لم تكن أختًا ثالثة كما ظننا.
كانت هي أحلام الحقيقية.
أما الفتاة التي عاشت معنا طوال السنوات السابقة، فكانت أختنا الصغيرة التي حملت اسم أحلام بعد اختفائها، لأن أمي كانت تخشى أن يعرف أحد الحقيقة.
في النهاية، اجتمعت الأسرة من جديد.
ولأول مرة منذ عشر سنين، جلست أنا وأحلام على نفس السرير الذي كنا ننام عليه ونحن أطفال.
بكينا كثيرًا.
لكن هذه المرة لم تكن دموع خوف.
كانت دموع نجاة.
أما أمي، فجلست أمامنا وقالت
سامحوني... أنا أخطأت لما سكت.
أحلام احتضنتها.
وأنا قلت
المهم إننا رجعنا لبعض.
بعد شهور، تم القبض على المتورطين، واستردت الأسرة حقوق أبي وأرضه.
أما المولد...
فبعد سنوات من كرهه، قررت أرجع له مرة واحدة.
وقفت أمام نفس المراجيح التي خرجت منها أحلام منذ عشر سنين.
كانت الأنوار مضيئة، والأطفال يضحكون.
أحلام وقفت جنبي وقالت
لسه بتخافي؟
ابتسمت وقلت
لأ.
ثم مسكت إيدها.
دلوقتي أنا عارفة إن اللي أخد منك سنين، مش هيقدر ياخد منك باقي عمرك.
ضحكت أحلام.
وركبنا المراجيح معًا.
ولأول مرة...
المولد ما كانش مكان اختفاء أختي.
كان المكان اللي رجعت فيه أختي ليا.