بعد 3اشهر من العمى
بيوم واحد فقط.
قال
إيلا، لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى في حاجة حصلت غلط.
توقفت.
أبي أكمل
كل اللي قلناه لك عن المشروع صحيح لكن في حقيقة أخيرة مخبيينها عنك.
اقتربت من الشاشة.
العلاج اللي رجّع لكِ بصرك ما كانش مجرد علاج.
ثم سكت لحظة وقال
كان نتيجة اكتشافك أنتِ.
حدقت في الشاشة.
اكتشافي أنا؟
قال
وإنتِ طفلة، كنتِ بتتعرضي لجلسات متابعة بسيطة، وفي إحدى المرات حصل شيء غير متوقع. جهاز التسجيل سجل نشاطًا عصبيًا مختلفًا تمامًا عن أي حالة درسناها.
ثم ظهرت ورقة طبية.
وكان مكتوبًا عليها
المريضة قادرة على استعادة بعض وظائف الدماغ بعد إصابتها دون تدخل خارجي.
شعرت بقشعريرة.
أبي تابع
إحنا ما صنعناش قدرتك يا إيلا إحنا اكتشفناها.
ثم ظهرت جملة أخيرة
لا تسمحوا لهم بمعرفة أنها ما زالت تملك هذه القدرة.
انقطع التسجيل.
جلست في مكاني مذهولة.
وفجأة سمعت صوت أمي من خلفي
كنت أتمنى إنك ما تشوفيش التسجيل ده.
استدرت.
كانت واقفة عند الباب.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها.
أيوه.
وكل اللي حصل كان علشان يحموني؟
اقتربت وحضنتني.
أبوكي قضى عمره كله يحاول يحميكي من الناس اللي كانوا عايزين يستغلوا قدرتك.
نظرت إلى الشاشة مرة أخرى.
ثم قلت
بس التسجيل ده مين حطه هنا؟
أمي لم تجب.
وفجأة وصل إشعار إلى هاتفي.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت صورة لي وأنا جالسة أمام الكمبيوتر
منذ أقل من دقيقة.
وتحتها جملة
أخيرًا عرفتي الجزء الحقيقي من القصة.
تجمدت.
نظرت إلى النافذة.
ثم إلى الباب.
ثم إلى أمي.
وقلت
حد كان بيراقبني.
لكن أمي ابتسمت ابتسامة غريبة.
وقالت
مش حد.
ثم اقتربت من النافذة وأغلقتها.
إحنا اللي كنا بنراقبهم.
اتسعت عيناي.
مين إحنا؟
أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا ووضعته أمامي.
الناس اللي ساعدوا أبوكي من البداية.
ثم قالت
ودلوقتي دورك بدأ.
نظرت إلى المفتاح.
وكان محفورًا عليه رقم واحد فقط
01
رفعت عيني إلى أمي.
يعني إيه؟
ابتسمت وقالت
يعني إنك مش الناجية الوحيدة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن القصة التي ظننت أنها انتهت
كانت مجرد بداية حدقت في الصورة وأنا مش قادرة أصدق عيني.
الشخص الواقف قدام بيتنا القديم
كان عمي سامح.
أخو أبي الأصغر.
لكن عمي سامح مات قبل عشرين سنة، في نفس الفترة اللي بدأت فيها التجارب.
قلت بصوت مرتجف
ده مستحيل
أبي اقترب من الشاشة، ولأول مرة رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال
سامح
أمي أمسكت إيدي
إيلا، متروحيش وراه.
لكنني سألت
هو كان شريك في المشروع؟
ساد الصمت.
وهنا فهمت إن الصمت نفسه إجابة.
قال أبي
سامح هو اللي بدأ كل حاجة.
ثم نظر إلى نادر وأضاف
لكن نادر سرق المشروع منه وحوّله لحاجة أبشع.
قال نادر
سامح كان مقتنع إن فقدان الذاكرة والبصر ممكن يتم التحكم فيهما، وكان عايز يستخدم الأطفال لإثبات نظريته.
نظرت إلى أبي
وإنت عملت إيه؟
خفض رأسه.
حاولت أوقفه.
وعمي مات إزاي؟
أبي لم يجب.
لكن نادر قال
لأنه لم يمت.
تراجعت خطوة.
يعني إيه؟
قال
اللي مات في الحادث كان شخصًا آخر.
تجمدت.
كل شيء بدأ يركب في بعضه.
الحادث.
فقدان بصري.
البيت.
الأشخاص الذين يقلدون أصوات أهلي.
والرسالة.
قلت
عمي هو اللي كان بيراقبني من البداية.
هز نادر رأسه.
أيوه.
فجأة دوى صوت انفجار بعيد.
اهتزت الأرض.
صرخ أحد رجال الأمن
لازم نخرج فورًا!
لكنني لم أتحرك.
قلت
لا.
نظر لي نوح بدهشة.
إيلا؟
أنا مش ههرب تاني.
أمسكت الشريحة ورفعتها أمام الجميع.
طول حياتي كل واحد كان بيقرر عني أشوف إيه، أعرف إيه، وأخاف من مين.
ثم نظرت إلى نادر
المرة دي أنا اللي هقرر.
أخرجت الهاتف، وبدأت أرسل كل الملفات الموجودة على الشريحة إلى جهة رسمية وإلى عدة أجهزة في وقت واحد.
صرخ نادر
إنتِ بتعملي إيه؟!
ابتسمت لأول مرة منذ شهور.
بقفل اللعبة.
حاول أحد الرجال إيقاف الإرسال، لكن نوح وقف أمامه.
بعد ثوانٍ ظهرت رسالة على الشاشة
تم إرسال الملفات بنجاح.
ساد صمت.
ثم بدأت أصوات سيارات الشرطة تقترب من المكان.
نادر أدرك أن كل شيء انتهى.
أما الرجل الذي كان يتقمص شخصية نوح، فجلس على الأرض منهارًا.
اقتربت منه وسألته
ليه حذرتني في البداية؟
قال بصوت منخفض
لأن أمك أنقذتني من المشروع وأنا طفل. كنت مدينًا لها بحياتي.
نظرت إلى سارة.
فهمت أخيرًا لماذا خاطر الجميع من أجل حمايتي.
بعد ساعات طويلة، خرجنا من المكان.
وكان أول شيء فعلته أنني اتصلت بوالدتي.
قلت لها
ماما أنا رجعت أشوف.
بكت.
وأنا رجعت أشوفك يا بنتي.
بعد أيام، بدأت التحقيقات.
اتضح أن شبكة كاملة كانت وراء المشروع، وأن الأشخاص الذين عاشوا معنا في البيت كانوا مدربين على تقليد الأصوات والهيئات باستخدام تقنيات متقدمة.
أما عمي سامح
فتم العثور عليه مختبئًا في البيت القديم.
كان حيًا فعلًا.
وعندما واجهته، لم أنكر خوفي.
لكني لم أهرب.
سألته
ليه عملت كل ده؟
نظر إليّ وقال
لأنك كنت الدليل الوحيد إن التجربة نجحت.
قلت
لأ.
ثم اقتربت منه وقلت
أنا مش تجربة.
أنا إنسانة.
وكل اللي حصل لي مش هيحدد حياتي.
تم القبض عليه، وأُغلقت المنشأة نهائيًا.
وبعد أشهر، عدت إلى بيت والدي الحقيقي.
وقفت أمام المرآة.
لأول مرة منذ ثلاثة أشهر، نظرت إلى وجهي وأنا أعرف الحقيقة كاملة.
ثم رأيت شيئًا صغيرًا على الطاولة.
كانت ورقة المنديل القديمة.
الرسالة التي أنقذت حياتي.
احتفظت بها.
ليس لأنها تذكرني بالخوف
بل لأنها تذكرني بأول مرة اخترت فيها أن أثق بعينيّ.
ومن يومها، كلما سألني أحد
إيه أصعب حاجة حصلت لك؟
كنت أبتسم وأقول
إني فقدت بصري.
ثم أسكت لحظة وأضيف
لكن الأصعب كان إني رجعته واكتشفت إن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت شفت فيه حياتي كلها بعد أيام من اكتشاف الحقيقة، قررت إيلا إنها ما تعيشش باقي عمرها وهي خايفة.
سلّمت كل التسجيلات والملفات للجهات المختصة، وتم القبض على باقي أفراد الشبكة، وإغلاق المكان الذي كانوا بيستخدموه نهائيًا.
أما عمها سامح، فاعترف بكل شيء.
اعترف إنه استغل أبحاث والد إيلا وحاول تحويلها لمشروع تجاري خطير، وإن حادث السيارة كان محاولة لإخفاء الأدلة وإجبار إيلا على الاختفاء.
لكن أهم اعتراف كان أن والدها هو من دبر اختفاءه واختفاء والدتها مؤقتًا حتى يحمي ابنته.
بعد شهور، عادت العائلة إلى بيتها القديم.
وقفت إيلا أمام المرآة، وابتسمت.
كانت عيناها قد تعافتا تمامًا.
اقترب منها والدها وقال
سامحيني يا بنتي إني خبيت عنك الحقيقة.
احتضنته وقالت
أنا زعلانة إنك خوفتني بس دلوقتي فهمت إنك كنت بتحاول تحميني.
ثم نظرت إلى أمها ونوح.
وقالت
أهم حاجة إننا رجعنا لبعض.
مرت سنة كاملة.
وفي صباح هادئ، كانت إيلا تمشي في الحديقة، حين أخرجت من جيبها المنديل القديم الذي وجدت عليه الرسالة الأولى.
قرأته للمرة الأخيرة
إياكِ أن تعلميهم أنكِ قادرة على الرؤية.
ابتسمت.
وطوته بعناية.
لم تعد تلك الرسالة تخيفها.
بالعكس
كانت تذكرها باللحظة التي أنقذت فيها حياتها.
رفعت رأسها نحو والديها ونوح، وقالت
أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت لي إني فقدت بصري.
ثم ابتسمت وأضافت
لكن دلوقتي عرفت إن أسوأ حاجة كانت إني أعيش وأنا مش عارفة الحقيقة.
ضحك والدها، واحتضنتها أمها.
أما إيلا، فبصت للسماء وقالت
الحمد لله رجعت أشوف بعيني، ورجعت أشوف الناس اللي بحبهم بقلبي كمان.
ومن يومها انتهى الكابوس.
لم تعد إيلا تخاف من الأصوات المتشابهة، ولا من الأبواب المغلقة، ولا من الأسرار.
لأنها تعلمت درسًا لن تنساه أبدًا
أحيانًا أخطر شيء لا يكون أن تفقد عينيك بل أن تصدق كل ما تراه دون أن تبحث عن الحقيقة.
تمت.