بعد 3اشهر من العمى
المحتويات
تكن ماء.
كانت آثار حذاء مبلل.
تتبعتها بعيني حتى وصلت إلى لوحة قديمة معلقة على الحائط.
قلت
اللوحة دي مش مكانها.
حركها نوح.
فظهر خلفها باب صغير.
فتحه بحذر.
كان هناك ممر سري ينزل إلى أسفل.
قال أحد رجال الأمن
واضح إن المكان ده أكبر بكتير مما كنا متخيلين.
نزلنا.
كلما تعمقنا، بدأت أسمع صوت أجهزة تعمل.
ثم وصلنا إلى قاعة ضخمة.
وتوقفت في مكاني.
الجدران كانت مليئة بشاشات.
وعلى كل شاشة
كانت صورتي.
أنا في المستشفى.
أنا في البيت.
أنا وأنا طفلة.
أنا وأنا نائمة.
أنا وأنا أتحدث مع أمي.
حتى لحظة استعادة بصري كانت مسجلة.
قلت بصوت مرتجف
كانوا بيراقبوني طول الوقت.
نوح أشار إلى شاشة في المنتصف.
بصي هنا.
ظهر تسجيل قديم لأبي.
لكن هذه المرة كان يتحدث مع شخص لم أره من قبل.
قال أبي
لو التجربة نجحت، إيلا هتكون أول حالة كاملة.
رد الرجل
وماذا عن باقي الأطفال؟
أبي غضب
التجربة انتهت. مش هسمح تستخدموا أطفال تاني.
تجمدت.
قلت
باقي الأطفال؟
ثم ظهرت قائمة طويلة من الأسماء.
وبجانب كل اسم كلمة واحدة
فشل.
شعرت بالغثيان.
لكن اسمًا واحدًا لفت نظري.
اسم والدتي.
صرخت
ماما!
التفت نوح إليّ.
قلت
ليه اسمها موجود هنا؟
قبل أن يجيب، سمعنا صوتًا من خلفنا
لأن أمك لم تكن مجرد أمك.
استدرنا.
كانت المرأة ذات الشفاه الحمراء تقف عند مدخل القاعة.
لكن هذه المرة لم تكن تبتسم.
قالت
أنا اللي كتبت الرسالة وحذرتك.
حدقت فيها.
إنتِ؟
هزت رأسها.
أيوه.
طب ليه بتقلدي صوت أمي؟
قالت
لأن صوت أمك الحقيقي كان أول صوت اتعلمته.
ثم نزعت شيئًا صغيرًا من خلف أذنها، وفجأة تغير شكل وجهها أمام أعيننا.
لم تعد تشبه أمي.
كانت امرأة أخرى تمامًا.
قالت
اسمي الحقيقي سارة.
سألتها
وأمي؟
أجابت
أمك الحقيقية كانت موجودة هنا قبل عشرين سنة وكانت هي اللي ساعدت أبوكي يوقف المشروع.
قلت
طيب فين أمي دلوقتي؟
سكتت.
ثم نظرت إلى إحدى الشاشات.
ظهر تسجيل مباشر.
أمي كانت تجلس في غرفة مظلمة.
وبجانبها أبي.
كانا على قيد الحياة.
لكن الرجل الذي يقف خلفهما كان نفس الرجل الذي ظهر لنا في البيت.
قالت سارة
اللي ماسكهم مش عايز الشريحة.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
هو عايزك إنتِ.
قلت
ليه؟
فتحت سارة ملفًا آخر.
ظهر تقرير طبي.
ثم قالت
لأن العلاج اللي أخده جسمك وأنتِ طفلة ما اختفاش.
يعني إيه؟
يعني إن جسمك هو المفتاح الوحيد لإعادة إنتاج العلاج.
ساد الصمت.
ثم ظهر وجه الرجل على إحدى الشاشات.
وقال
إيلا عندك عشر دقائق.
اقترب نوح من الشاشة.
عشر دقائق لإيه؟
ابتسم الرجل.
تختاري مين يعيش.
ظهر أبي وأمي على شاشتين منفصلتين.
ثم قال
يا تختاري تنقذي أبوكي
أو أمك.
شهقت.
لكن سارة أمسكت يدي بقوة وقالت
متختاريش.
نظرت إليها.
ليه؟
قالت
لأنه بيكذب.
وأشارت إلى شاشة ثالثة ظهرت فجأة.
كانت تعرض صورة لشخص آخر مربوط داخل غرفة.
رفعت عيني في ذهول.
كان نوح.
نظرت إلى الرجل الواقف بجانبي.
ثم إلى الشاشة.
ثم عدت أنظر إليه.
تراجعت خطوة.
إنت مين؟
الرجل الذي بجانبي بدأ يبتسم.
ثم قال بصوت نوح الحقيقي تمامًا
أنا الشخص اللي كان معاكي من أول ما خرجتي من البيت.
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
سارة صرخت
إيلا! ابعدي عنه!
لكن الأوان كان قد فات.
أمسكني من ذراعي.
وفي نفس اللحظة
انفتح باب القاعة.
ودخل نوح الحقيقي، مقيد اليدين، وخلفه شخصان مسلحان.
نظر إليّ وقال
إيلا متخليشهم ياخدوكي.
وعندها فقط فهمت الحقيقة المرعبة
الشخص الذي وثقت فيه طوال الطريق
لم يكن نوح.
ولم يكن هناك أحد يمكنني الوثوق به.
إلا شخص واحد.
الشخص الذي حذرني من البداية
والذي لم أفكر للحظة أنه قد يكون هو مفتاح نجاتي نظرت إلى سارة، وقلبي بيقول لي إنها الوحيدة اللي كانت بتحاول تحميني من البداية.
لكن الرجل اللي كان متقمص شخصية نوح شد على ذراعي وقال
متسمعيش كلامها.
بصيت في عينيه.
وفجأة لاحظت حاجة صغيرة جدًا.
نوح الحقيقي كان دايمًا لما يتوتر يحرك إبهامه فوق كف إيده ثلاث مرات.
عملت حركة بسيطة بإيدي.
ثلاث ضغطات.
نوح الحقيقي فهم الإشارة فورًا.
هز رأسه مرة واحدة.
عرفت إنه هو.
أما الرجل اللي بجانبي فلم يفهم شيئًا.
صرخت فجأة
دلوقتي!
انقضت سارة عليه، وفي نفس اللحظة اندفع رجال الأمن ناحية الحراس.
عمّت الفوضى المكان.
هربت ناحية نوح الحقيقي، لكنه قال
إيلا! الشريحة!
حطيت إيدي في قلادتي.
كانت الشريحة لسه معايا.
ركضت ناحية جهاز الكمبيوتر الموجود في وسط القاعة، ووضعتها في منفذ صغير.
ظهرت أمامي ملفات كثيرة.
أسماء.
تواريخ.
تسجيلات.
ثم ظهر ملف بعنوان
الحقيقة الكاملة ممنوع فتحه إلا بواسطة إيلا.
ضغطت عليه.
ظهر أبي على الشاشة.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كانت أمي بجانبه.
قالت أمي
لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى إحنا فشلنا نحميكي بالطريقة اللي كنا عايزينها.
أبي أكمل
إحنا أخفينا عنك الحقيقة لأننا كنا خايفين إنك لما تعرفي، تفتكري إن كل اللي حصل كان كذبة.
قلت وأنا أبكي
بس ليه؟
أمي قالت
لأنك مش مجرد ناجية من التجربة يا إيلا.
ثم ظهرت صورة لي وأنا طفلة.
وتحتها جملة
العلاج نجح لكن الذاكرة لم تختفِ.
تجمدت.
بدأت صور قديمة تظهر في رأسي.
غرفة بيضاء.
أبي.
أمي.
أطفال آخرون.
وصوت رجل يصرخ
التجربة لازم تستمر!
وضعت إيدي على رأسي.
صرخت
أنا فاكرة!
نوح قرب مني
إيه اللي افتكرتيه؟
نظرت إليه.
أنا كنت هنا قبل كده.
ثم تذكرت شيئًا أخطر.
قلت
وأنا عارفة مين صاحب المشروع.
ساد الصمت.
ظهر اسم على الشاشة.
الدكتور نادر.
الرجل الذي كنا نعتقد أنه مات منذ سنوات.
لكن الصورة التي ظهرت بجانب اسمه جعلتني أشعر بالقشعريرة.
كان هو نفس الرجل الذي قاد المجموعة.
والأغرب
أن تاريخ الصورة كان من أسبوع واحد فقط.
قلت
هو عايش.
فجأة انطفأت الشاشات.
وجاء صوت من مكبرات الصوت
برافو يا إيلا.
صوت رجل هادئ.
كنت متأكد إن ذاكرتك هترجع في النهاية.
نوح رفع سلاحه باتجاه السماعات.
صرخ
نادر! اظهر!
ضحك الرجل.
مش مهم أظهر. المهم إن إيلا عرفت الحقيقة.
ثم فتح باب القاعة ببطء.
دخل الدكتور نادر بنفسه.
لكن بدل ما يهاجمنا
رفع يديه وقال
أنا مش عايز أؤذي حد.
نظرنا إليه بحذر.
قال
أنا عايز أوقف اللي بدأته من عشرين سنة.
أمي صرخت
كذاب!
رد نادر
لو كنت كذاب، كان زمان إيلا ماتت في الحادث.
ثم نظر إليّ وقال
أبوكي وأمك ما كانوا بيهربوا منك يا إيلا.
كانوا بيهربوا بيكي مني.
تقدمت خطوة.
طيب ليه دلوقتي ظهرت؟
ابتسم.
لأن الشخص اللي كان بيحرك كل الناس اللي شوفتيهم مش أنا.
تغير وجه نوح.
مين؟
نظر نادر إليّ مباشرة.
وقال
الشخص الحقيقي موجود في عيلتك.
توقفت أنفاسي.
أمي صاحت
متسمعيش كلامه!
لكن نادر قال
افتكري أول شخص زارك بعد الحادث.
بدأت أراجع كل شيء في ذهني.
المستشفى
البيت
الأصوات
والزيارات.
وفجأة تذكرت.
شخص واحد كان موجودًا في كل مكان.
قبل الحادث.
بعد الحادث.
وفي البيت.
حتى في المستشفى.
رفعت رأسي ببطء.
وقلت
لا
نوح سألني
مين؟
نظرت إلى أمي.
ثم إلى أبي.
ثم قلت الاسم الذي لم أتوقع أن أنطقه أبدًا
الدكتور اللي قال إن فقدان بصري دائم.
ساد صمت مرعب.
ابتسم نادر.
أخيرًا افتكرتي.
وفي اللحظة دي، وصلت رسالة إلى هاتف نوح.
فتحها.
قرأها.
ثم تغير وجهه تمامًا.
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول
مبروك يا إيلا وصلتي للحقيقة الأولى فقط.
وتحتها صورة حديثة
لبيتنا القديم.
وكان في الصورة شخص يقف أمام الباب.
شخص أعرفه جيدًا.
لكن المفاجأة أن الشخص ده
كان المفروض يكون ميت من عشرين سنة القصة كده وصلت لنهاية منطقية، لكن أقدر أعمل فصل أخير إضافي فيه مفاجأة جديدة تقفل كل الخيوط بدون خيانة أو شخصيات دخيلة.
مرّت ستة أشهر.
كنت فاكرة إن كل شيء انتهى.
رجعت لحياتي، وبدأت أتعالج نفسيًا من آثار الأشهر اللي قضيتها وأنا مش عارفة مين الحقيقي ومين المزيّف.
أما أبي وأمي، فكانوا بيحاولوا يعوضوني عن كل لحظة خوف عشتها.
لكن في ليلة هادئة، وأنا براجع الصور القديمة على جهاز الكمبيوتر، لقيت مجلدًا لم أره من قبل.
اسمه
إيلا التسجيل الأخير
فتحته.
ظهر أبي.
لكن الغريب أن التسجيل كان مؤرخًا قبل الحادث
متابعة القراءة