عمى بيشتغل جزار
خمس سنين، واقفة جنب بابا.
وخلفنا كان فيه محل الجزارة.
لكن الغريب إن الصورة كانت متصورة قبل وفاة بابا بعشر سنين.
وعلى ظهرها مكتوب
العينة الأولى.
أنا بصيت لعمي يعني إيه العينة الأولى؟
عمي ما ردش.
راضي قال لأن أبوكي كان بيبحث عن سبب مرض معين ظهر في عيلتنا.
ماما قالت مرض إيه؟
راضي مرض بيظهر بعد سن معين، ومش كل الناس بتصاب بيه.
أنا سألته وأنا؟
راضي بص لي إنتِ ما ورثتيش المرض لكن جسمك أظهر استجابة مختلفة.
الضابط قاطعه الكلام ده ملوش معنى من غير دليل.
راضي أشار لجهاز التسجيل.
الدليل موجود.
شغّلنا الجهاز مرة تانية.
لكن بدل صوت أبويا، ظهر تسجيل مختلف.
صوت امرأة.
هادئ جدًا.
قال
عبد الصمد لو أنت سامع التسجيل ده، يبقى التجربة وصلت للمرحلة الأخيرة.
عمي قرب من الجهاز.
المرأة كملت
أنت التزمت بتعليماتي خمس سنين. كل جمعة، نفس الكمية، نفس المصدر، ونفس طريقة التخزين.
ماما بصت لعمي في صدمة.
المرأة قالت
لكن حصل خطأ واحد.
سكتت ثواني.
البنت أكلت من الكمية المخصصة لعبد الصمد.
أنا حسيت ببرودة في إيدي.
المرأة كملت
وده معناه إننا أخيرًا عرفنا إن جسمها هو المفتاح.
التسجيل انتهى.
محدش اتكلم.
ثم رن هاتف عمي.
رقم مجهول.
الضابط قال متردش.
لكن عمي رد.
جاله صوت المرأة نفسها
عبد الصمد
عمي قال إنتِ مين؟
ردت
الشخص الوحيد اللي كان أبو سيف بيثق فيه أكتر منك.
عمي اتجمد.
والصوت كمل
عندك عشر دقايق.
عشر دقايق لإيه؟
تسلّم البنت أو هنبدأ ناخد الناس اللي حواليها واحد واحد.
المكالمة اتقفلت.
ماما شدتني ناحيتها.
والضابط بدأ يوجه رجاله لتأمين البيت.
لكن عمي كان واقف ساكت، بيبص للباب.
ثم قال
في مخرج تاني من البيت.
الضابط سأله فين؟
عمي أشار ناحية الحائط.
ورا المكتبة.
حرّكنا المكتبة بصعوبة.
ظهر باب حديدي صغير.
عمي حط المفتاح فيه.
وقبل ما يفتحه، قال
أبو سيف عمل المخرج ده من زمان
وسكت.
قلت ليه؟
بص لي وقال
عشان لو حد حاول ياخدك أعرف أهربك من غير ما حد يشوفك الباب الحديدي اتفتح بصوت احتكاك عالي، وظهر وراه ممر ضيق مظلم نازل لتحت.
الضابط وجه الكشاف وقال الممر ده بيوصل لفين؟
عمي رد لمخزن قديم تحت البيت.
راضي هز راسه لأ الممر ده بيوصل لمكان أبعد من كده.
عمي بص له إنت عارفه؟
راضي قال أنا كنت مع أبو سيف يوم ما بناه.
ماما بصت لعمي بصدمة وإنت كنت مخبي علينا كل ده؟
عمي رد كنت بحميكم.
الضابط قال بحزم هننزل كلنا. مفيش حد هيفضل هنا.
نزلنا الممر واحد ورا التاني.
أنا كنت ماشية وسط ماما وخالي، وعمي قدامنا.
بعد حوالي دقيقتين، وصلنا لباب تاني.
عمي فتحه.
دخلنا غرفة واسعة مليانة صناديق قديمة.
لكن أول ما دخلت، لفت نظري صندوق خشب صغير عليه اسم أبويا.
قربت منه.
كان مقفول بقفل بسيط.
الضابط قال افتحيه.
حاولت، لكن المفتاح اللي معايا ما نفعش.
عمي قال ده مش محتاج مفتاح.
ضغط على جزء صغير في الصندوق.
فتح فجأة.
جواه كان فيه دفتر قديم.
أخدته.
أول صفحة كان مكتوب فيها بخط أبويا
كل اللي اتقال لكم عن اللحمة كذب لكن أكبر كذبة لسه محدش اكتشفها.
قلبت الصفحة.
كان فيه جدول بأسماء.
لكن الاسم الأول صدمني.
عبد الصمد.
جنبه تاريخ.
وتحته ملاحظة
يعرف الحقيقة جزئيًا.
الاسم التاني
عم راضي.
ومكتوب جنبه
يعرف أكثر مما يقول.
وبعدين الاسم التالت
كان اسمي.
وتحته
الهدف الحقيقي.
إيدي ارتعشت.
ماما قربت مني اقفلي الدفتر.
لكن عمي قال لأ خليها تكمل.
قلبت الصفحة.
لقيت صورة قديمة ليا مع أبويا.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو حصل لي شيء، لا تسمحوا لهم بإجراء الفحص النهائي عليها.
الضابط سأل أي فحص؟
عمي بص له.
قبل ما يرد، سمعنا صوت خطوات في الممر اللي جينا منه.
خطوة
خطوة
وبعدين صوت باب الحديد بيتقفل.
الضابط رفع سلاحه.
مين هناك؟
مفيش رد.
ثم ظهر صوت المرأة من السماعة الموجودة في سقف الغرفة
مساء الخير يا عبد الصمد.
عمي اتجمد.
المرأة كملت
عارف إنك وصلت للدفتر.
ثم قالت
لكنك لسه ما وصلت لأهم صفحة.
أنا فتحت الدفتر بسرعة.
قلبت الصفحات.
آخر صفحة كانت ملزوقة من الأطراف.
نزعتها بحذر.
وأول ما ظهرت، اتجمدت مكاني.
لأن الصفحة كانت تحتوي على تقرير طبي باسمي مؤرخ قبل وفاة أبويا بثلاث سنوات التقرير كان فيه اسمي كامل، وتاريخ ميلادي، ونتائج تحاليل قديمة جدًا.
وتحتها جملة واحدة
الاستجابة غير الطبيعية مؤكدة ويجب عدم إخبار الطفلة.
ماما أول ما شافت الورقة، انهارت على الكرسي.
أنا أنا معرفش حاجة عن الكلام ده.
بصيت لعمي
إنت كنت عارف؟
عمي دمعت عينه وقال
كنت عارف جزء وأبوك طلب مني أحميكي لحد ما يكبر سنك وتقدري تعرفي الحقيقة.
الضابط أخد التقرير والدفتر، وقال إن التحقيق هيثبت مين كان وراء الموضوع.
أما الراجل اللي اتقبض عليه، فاعترف إن مجموعة من الناس كانت بتستغل مصدر اللحوم في تجربة غير قانونية، وإنهم عرفوا من سجلات عمي إن جسمي ما ظهرش عليه أي تأثير، فبقوا عايزين يوصلوا لي لإجراء الفحوصات.
واتضح إن عم راضي كان بيراقبنا فعلًا، لكنه في آخر لحظة قرر يساعد عمي بعد ما عرف إنهم ناويين يأذوني.
أما عمي عبد الصمد، فكان طول السنين بيكدب علينا في موضوع البقر الاسكتلندي، لكنه كان بيعمل ده عشان يخفي مصدر اللحوم ويحافظ على السر اللي وعد أبويا يحميه.
والأهم
طلع إن اللحمة اللي أكلناها ما كانتش بتسبب ضررًا مباشرًا، لكن مصدرها كان مرتبطًا بمواد وتجارب غير قانونية، وده اللي كان عمي مرعوب منه لما عرف إني أكلتهاله.
بعد أيام، اتقفلت المخازن واتفتح تحقيق كبير، واتبرأت عيلتنا من أي مسؤولية.
وفي آخر يوم، ماما حطت الدفتر قدامها وقالت
أبوكي كان مخبي عننا كتير.
ابتسمت رغم دموعي
بس كان بيحاول يحمينا.
عمي عبد الصمد بص لي وقال
أبوكي قبل ما يموت قاللي جملة عمري ما نسيتها.
سألته
قال إيه؟
قال
لو في يوم بنتي عرفت الحقيقة، خليها تعرف إني ما خفتش عليها من الناس أنا خفت عليها من إنهم يحولوها لحاجة مش إنسانة.
ومن يومها، عمي بطل يجيب لنا لحمة كل جمعة.
ولما سألته ماما مرة
يعني مفيش بقر اسكتلندي تاني؟
ضحك لأول مرة من قلبه وقال
لا يا أم سيف خلينا في البلدي أحسن!