عمى بيشتغل جزار

لمحة نيوز


جيت هنا الباب خبط مرة تانية.
المرة دي أقوى.
دوم دوم دوم.
عمي عبد الصمد قام واقف فجأة، رغم إنه كان من شوية مش قادر يتحرك.
ماما بصت له وقالت مين دول؟
ما ردش.
خالي قرب من الباب وقال أنا هفتح وأشوف.
لكن عمي مسكه من دراعه بقوة لأ!
خالي اتفاجئ لأ ليه؟
قال عمي بصوت واطي محدش يفتح الباب.
الخبط رجع تاني.
وبعدين صوت راجل من بره افتح يا عبد الصمد إحنا عارفين إنك جوه.
الدم اتسحب من وش عمي.
ماما حطت إيدها على صدرها مين ده؟
عمي بص لها، وبعدين بص لي.
وقال الراجل ده لو دخل حياتكم كلها هتتغير.
خالي قرب منه إنت هتفضل تخوفنا ولا هتقول لنا الحقيقة؟
عمي سكت.
فجأة الصوت اللي بره قال إحنا مش جايين ناخد حاجة منك يا عبد الصمد إحنا جايين نسألك سؤال واحد بس.
سكت لحظة.
ثم قال
فين اللحمة اللي أخدتها الأسبوع اللي فات؟
أنا حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني.
بصيت لماما.
ماما بصت لخالي.
وخالي بص لعمي.
أما عمي فكان واقف كأنه اتكشف قدامهم.
همس اسكتوا.
الراجل بره كمل لو اللحمة لسه عندكم، الموضوع ممكن يتصلح.
وبعدين قال جملة خلت عمي يغمض عينه من الرعب
لكن لو حد أكل منها إحنا مش مسؤولين عن اللي هيحصل.
ماما صرخت أكلنا منها؟!
عمي رفع إيده بسرعة محدش يتحرك!
لكن أنا افتكرت حاجة.
رفعت صوتي عمي
بص لي.
إحنا كلنا أكلنا منها.
وشه اتجمد.
قلت مش بس النهارده إحنا بناكل منها بقالنا خمس سنين.
محدش اتكلم.
حتى صوت الباب اختفى للحظات.
وبعدين عمي قال جملة خلتني أحس إن الأرض بتلف بيا
أنا عارف.
خالي قرب منه ببطء عارف إيه؟
عمي بص لنا واحد واحد.
عارف إنكم أكلتوها.
وعارف كمان إنكم ما حصلش لكم حاجة.
سكت.
ثم قال
وده بالظبط هو السبب اللي خلاني أستمر.
ماما بدأت تبكي استمر في إيه يا عبد الصمد؟ قول!
عمي حط إيده على وشه.
كنت بختبر حاجة.
إيه؟
رفع عينه وقال
كنت بختبر مين فيكم هيظهر عليه التأثير الأول.
السكوت وقع على البيت كله.
أنا حسيت بمعدتي اتقبضت.
قلت تأثير إيه؟
عمي ما ردش.
لأن في اللحظة دي، سمعنا صوت حاجة بتتكسر جوه المطبخ.
كلنا لفينا.
قطعة من صحن اللحمة كانت وقعت على الأرض.
لكن المفاجأة مش هنا.
المفاجأة إن خالي كان واقف بعيد عن المطبخ.
ومع ذلك، أول ما سمع الصوت، حط إيده على بطنه.
وبدأ يترنح.
ماما صرخت
يا محمود! إنت مالك؟
خالي رفع عينه لنا.
وشه كان أبيض تمامًا.
وقال بصوت بالكاد مسموع
أنا حاسس بنفس اللي حسه عبد الصمد.
عمي اندفع ناحيته.
وقبل ما يوصل له، سمعنا صوت الباب الخارجي بيتفتح ببطء
رغم إن المفتاح كان مع ماما الباب الخارجي اتفتح شِبر واحد بس.
الهوا دخل البيت، ومعاه صوت خطوات بطيئة على السلم.
عمي عبد الصمد وقف مكانه، وكأنه نسي خالي تمامًا.
خالي كان ماسك بطنه ووشه بيعرق، وماما جريت تجيب له كرسي.
أنا قربت من الباب وأنا مرعوبة، لكن عمي صرخ
إبعدي عن الباب!
وقفت مكاني.
صوت الخطوات قرب.
خطوة
خطوة
وبعدين ظهر راجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية رمادي، وفي إيده شنطة جلد قديمة.
أول ما شافه عمي، قال
إنت؟
الراجل ابتسم ابتسامة باردة.
أيوه أنا.
خالي بص له باستغراب مين ده؟
الراجل ما ردش عليه.
بص لعمي وقال
كنت فاكر إنك هتفضل ساكت لحد إمتى؟
عمي قال بعصبية اطلع من هنا.
الراجل ضحك
بعد خمس سنين؟ لسه بتقول لي اطلع؟
ماما شهقت
خمس سنين؟
الراجل بص لنا وقال
واضح إن عبد الصمد لسه ما حكا لكمش حاجة.
عمي اندفع ناحيته، لكن الراجل فتح الشنطة بسرعة.
طلع منها ملف سميك، ورماه على السفرة.
الملف اتفتح، ووقعت منه صور وأوراق كتير.
أنا قربت أبص.
كانت صور لمحل عمي.
وصور لشحنات لحوم.
وفواتير.
لكن أكتر حاجة خضتني كانت ورقة عليها أسماء.
أسماءنا كلنا.
اسمي.
اسم ماما.
اسم أخويا.
اسم خالي.
حتى عمتي وأولادها.
وتحت كل اسم كان فيه تاريخ.
خمس سنين كاملة.
قلت بصوت مرتجف
هو إنت كنت بتسجل أسماءنا ليه؟
الراجل بص لي، وقال
اسألي عمك.
لفيت ناحية عمي.
كان ساكت.
قلت
عمي قول الحقيقة.
مفيش رد.
خالي فجأة اتألم، وانحنى على نفسه.
بطني بطني بتتقطع.
عمي جري عليه.
لكن الراجل قال بهدوء
متخافش ده طبيعي.
ماما صرخت فيه
طبيعي إيه؟! ابني بيموت قدامنا!
الراجل رد
لو كان هيموت، كان مات من زمان.
ثم نظر لعمي وقال
المشكلة مش في اللحمة اللي أكلها النهارده.
عمي رفع عينه.
الراجل كمل
المشكلة في كل اللي أكله خلال الخمس سنين اللي فاتوا.
أنا حسيت ببرودة في جسمي.
قلت
يعني إيه؟
الراجل سحب كرسي وقعد.
يعني إن عبد الصمد ما كانش بيديكم اللحمة عشان يساعدكم وبس.
ماما بصت لعمي بصدمة.
أمال كان بيعمل إيه؟
الراجل فتح أول صفحة في الملف.
وقال
كان بينفذ اتفاق.
عمي صرخ
كفاية!
الراجل ما اهتمش.
وقلب الصفحة.
واتفاق بدأ بعد وفاة أخوكم مباشرة.
ماما وقعت على الكرسي.
بعد وفاة أبو سيف؟
الراجل أومأ.
بالضبط.
أنا قربت من الملف، ووقعت عيني على آخر ورقة.
كان عليها توقيع أبي.
اتجمدت.
ده توقيع بابا؟
عمي بص للورقة.
وبعدين بص لي.
وشه كان بيقول إن اللي جاي أخطر من أي حاجة عرفناها.
أما الراجل، فحط إصبعه على التوقيع وقال
أبوكي هو اللي بدأ الحكاية.
ثم أضاف
وعمك كان المفروض يوقفها من خمس سنين لكنه اختار يكمل ماما قربت من الراجل، وصوتها كان بيرتعش
إنت بتقول إن جوزي كان عارف؟ عارف إيه بالظبط؟
الراجل فتح صفحة تانية من الملف، وقال
أبو سيف قبل ما يموت بشهور كان اكتشف حاجة خطيرة تخص شغل أخوه.
عمي عبد الصمد صرخ
متجيبش سيرة أخويا!
الراجل رد ببرود
هو اللي طلب مني أراقب الموضوع.
أنا بصيت لعمي بابا كان بيراقبك؟
عمي سكت.
الراجل كمل أبوكي اكتشف إن في لحوم بتدخل السوق من مصدر مجهول، وتتوزع على عدد محدود من الناس. كان خايف إن الموضوع يكون أكبر من مجرد غش تجاري.
ماما قالت وإيه علاقتنا إحنا؟
الراجل قلب كام ورقة، وطلع جدول.
علاقتكم إنكم كنتم جزء من الاختبار.
خالي، اللي كان لسه ماسك بطنه، رفع رأسه وقال اختبار إيه؟
الراجل أشار للجدول كل أسبوع كان بيتسجل مين أكل، وقد إيه أكل، وظهرت عليه إيه أعراض.
أنا حسيت بقشعريرة.
يعني عمي كان بيراقبنا؟
عمي أخيرًا اتكلم
كنت بحاول أحميكم.
صرخت تحمينا إزاي وإنت بتدينا حاجة إنت نفسك مش بتاكلها؟!
عمي نزل عينه للأرض.
عشان لو أكلت منها كنت هعرف الحقيقة.
خالي قال وإنت عرفت النهارده؟
عمي رفع عينه، وصوته اتكسر
أيوه.
الراجل قال أول مرة في خمس سنين ياكل منها بنفسه.
سكت لحظة، ثم أضاف
وعشان كده جسمه رد الفعل بالشكل ده.
ماما قالت بسرعة
طيب وإحنا؟ إحنا أكلنا منها سنين!
الراجل بص لها نظرة طويلة.
وده السؤال اللي لسه مالناش إجابة عليه.
في اللحظة دي، موبايل عمي رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير تمامًا.
قلت مين؟
ما ردش.
الموبايل رن مرة تانية.
الراجل مد إيده هاته.
عمي رفض.
لكن الشاشة كانت منورة قدامنا.
والاسم الظاهر عليها كان
أبو سيف
أبويا.
أنا شهقت
ده رقم بابا!
ماما قربت منه بسرعة
الرقم ده اتقفل من يوم وفاته!
عمي كان بيبص للموبايل وكأنه شايف حاجة مستحيل تكون موجودة.
رن للمرة الثالثة.
وبعدين وصلت رسالة.
عمي فتحها بإيد بتترعش.
قرأناها كلنا.
وكان مكتوب فيها
عبد الصمد كفاية. هما عرفوا الحقيقة عمي فضل باصص للموبايل كأنه مش مصدق عينيه.
ماما قالت بصوت مبحوح مين اللي بعت الرسالة دي؟
عمي ما ردش.
الراجل اللي جاب الملف وقف فجأة وقال اقفل الموبايل.
عمي بص له إنت عارف مين بعتها؟
الراجل قال أيوه.
أنا قربت منهم مين؟
الراجل اتردد، وبعدين قال
الشخص اللي كان بيستخدم رقم أبوكي من بعد وفاته.
ماما شهقت يعني إيه؟!
وقبل ما يكمل، موبايل عمي رن تاني.
المرة دي مكالمة.
عمي فضل متردد ثواني، وبعدها ضغط على زر الإجابة وحط الموبايل على السماعة الخارجية.
مفيش صوت.
بس أنفاس هادية.
ثم صوت رجل قال
عبد الصمد اتأخرت.
عمي قرب الموبايل من ودنه إنت مين؟
الصوت رد
إنت عارف أنا مين.
عمي قال بعصبية أبو سيف مات من خمس سنين!
الصوت سكت لحظة.
ثم قال
أنا مش أبو سيف.
ماما حطت إيدها على بُقها.
أنا بصيت للراجل صاحب الملف، لقيته بيبص للأرض.
قلت إنت تعرفه؟
رفع عينه لي.
أيوه.
مين؟
قبل ما يرد، الصوت في الموبايل قال
اسألوا عبد الصمد عن المخزن القديم.
عمي انتفض.
متجيبش سيرته!
الصوت ضحك ضحكة قصيرة.
يبقى لسه فاكر.
وبعدين المكالمة اتقفلت.
ثواني من الصمت مرت.
خالي قال أي مخزن؟
عمي فضل ساكت.
ماما وقفت قدامه عبد الصمد، أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها دلوقتي. إحنا خمس سنين بناكل حاجة إنت مخبي مصدرها، وبتسجل أسماءنا، ودلوقتي حد بيتصل عليك من رقم أخويا المتوفي!
عمي قال لو حكيت لكم ممكن أضيعكم.
ردت ماما وإحنا بالفعل بقينا في خطر.
ساعتها عمي قام.
راح ناحية دولاب قديم في الصالة.
فتح الدرج الأخير، وطلع مفتاح صغير مربوط بخيط أحمر.
حطه على السفرة.
وقال
ده مفتاح المخزن.
الراجل صاحب الملف قرب منه وقال متفتحوش.
عمي رد لازم نفتحه.
الراجل مش لوحدنا.
عمي بص لي.
لأ مش هنروح لوحدنا.
قلت هنروح فين؟
عمي شد على المفتاح بإيده.
المكان اللي أبوكي خبّى فيه الدليل قبل ما يموت.
وفجأة خالي، اللي كان تعبان، وقع على الأرض.
جرينا عليه.
لكن قبل ما يفقد وعيه، مسك إيدي وقال بصوت ضعيف
أنا افتكرت حاجة.
قربت منه إيه؟
فتح عينه بصعوبة وقال
أنا شفت المخزن ده قبل كده ليلة وفاة أبوكي خالي فتح عينه بالعافية، وقال
أبوكي ما ماتش فجأة زي ما قالوا لنا
ماما شهقت إنت بتقول إيه يا محمود؟
خالي حاول يقوم، لكن رجليه خانته.
ليلة الحادث أنا كنت معاه.
عمي عبد الصمد قرب منه بسرعة اسكت يا محمود.
خالي بص له بغضب لأ. خمس سنين وأنا ساكت كفاية.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
خالي، بابا حصل له إيه؟
خالي بلع ريقه وقال
قبل الحادث بيوم، أبوكي اتصل بيا وقاللي إنه اكتشف حاجة في شغل عبد الصمد. طلب مني أروح معاه للمخزن القديم.
عمي صرخ
محمود!
خالي كمل
روحنا فعلًا لكن قبل ما ندخل، أبوكي وقف فجأة وقاللي لو حصل لي حاجة، متخليش عبد الصمد يقرب من العيال.
ماما انهارت على الكرسي.
جوزي قال كده؟
خالي أومأ.
أنا بصيت لعمي.
ليه بابا كان خايف منك؟
عمي ما قدرش يرد.
خالي أشار للمفتاح الموجود على السفرة.
المفتاح ده مش بتاع المخزن.
عمي بص له.
أمال بتاع إيه؟
خالي قال
بتاع عربية أبوكي.
أنا تجمدت.
عربية بابا؟ العربية اللي اتحرقت في الحادث؟
خالي أومأ.
أيوه.
الراجل صاحب الملف فجأة اتدخل
لو المفتاح ده لسه موجود، يبقى احتمال كبير إن العربية ما اتحرقتش بالكامل.
ماما قالت يعني إيه؟
الراجل رد
يعني إن في حاجة أبوكي كان مخبيها جواها ومحدش وصل لها.
عمي مسك المفتاح.
وبص للراجل وقال
إحنا لازم نروح دلوقتي.
لكن قبل ما يتحرك، سمعنا صوت من بره البيت.
صوت عربية وقفت قدام الباب.
ثم صوت باب عربية بيتقفل.
عمي قرب من الشباك وبص من الستارة.
رجع لورا فورًا.
قلت
مين؟
وشه كان أبيض.
الشرطة.
خالي قال الشرطة جايين ليه؟
عمي ما ردش.
وفجأة خبط قوي على الباب.
صوت واضح من الخارج
افتحوا! معانا إذن تفتيش.
ماما بصت لعمي برعب.
الراجل صاحب الملف جمع أوراقه بسرعة.
وعمي قال
محدش يفتح.
لكن الصوت من الخارج صاح
عبد الصمد! إحنا عارفين إنك موجود وعارفين إن الملف عندك!
عمي غمض عينه.
وساعتها فهمت إن اللي حصل في الليلة
 

تم نسخ الرابط