عمى بيشتغل جزار

لمحة نيوز


دي
ما كانش صدفة عمي فضل واقف مكانه، والمفتاح في إيده، والشرطة بتخبط على الباب بعنف.
خالي قال عبد الصمد، افتح. الهروب هيخلينا كلنا متهمين.
عمي بص له وقال لو فتحنا دلوقتي، الملف هيختفي.
الراجل صاحب الشنطة رد الملف مش أهم حاجة.
عمي بص له أمال إيه؟
قال المفتاح.
أنا مسكت المفتاح بسرعة ليه؟
قال لأن اللي جواه ممكن يثبت مين كان بيزوّر اللحوم ومين كان بيحاول يكشف الموضوع.
فجأة صوت كسر زجاج جه من ناحية المطبخ.
كلنا اتجمدنا.
ماما صرخت في حد دخل!
عمي جري ناحية المطبخ، وخالي وراه.
أنا فضلت واقفة للحظة، وبعدين سمعت صوت درج بيتفتح.
جريت أشوف.
لقيت شخص لابس جاكت غامق بيقلب في الأدراج.
أول ما شافني، اتجمد.
بص للمفتاح اللي في إيدي.
وقال
هاتي المفتاح.
رجعت خطوة.
إنت مين؟
مد إيده ناحيتي.
قبل ما يوصل لي، عمي اندفع عليه، ووقعوا الاتنين على الأرض.
خالي ساعده يمسكه، والراجل حاول يفلت.
لكن باب البيت اتفتح في نفس اللحظة، ودخل اتنين من رجال الشرطة.
اتجهوا فورًا ناحية الرجل الغريب وقيدوه.
أحد الضباط بص لعمي وقال
عبد الصمد؟
عمي أومأ.
الضابط قال إحنا جايين بسبب بلاغ عن مخزن تابع لك.
عمي قال أنا عندي كلام أهم من المخزن.
الضابط إيه؟
عمي أشار للراجل اللي اتقبض عليه.
اسألوه مين بعتّه يدور على المفتاح.
الضابط قرب منه.
الرجل فضل ساكت.
الضابط فتش جيبه، وطلع منه هاتف صغير.
فتح آخر مكالمة.
أنا قربت أشوف.
كان الرقم محفوظ باسم
أبو سيف.
ماما صرخت
تاني؟!
الضابط فتح الرسائل.
وكانت آخر رسالة وصلت للرجل قبل دخوله بيتنا بدقائق
لو لقيت المفتاح، خدّه فورًا ولو البنت كانت ماسكاه، متسيبهاش تاخده.
قلبي وقع.
أنا بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
وسألت
هو ليه أنا بالذات؟
الضابط رفع عينه عن الهاتف.
لكن قبل ما يجاوب، عمي قال بصوت خافت
لأن أبوكي قبل ما يموت
سكت.
ثم نظر لي مباشرة
سلّم المفتاح ليكي إنتِ، مش ليا عمي قالها، وسكت.
أنا حسيت إن وداني بتطن.
بابا سلّمهولي أنا؟ إزاي؟ أنا كنت طفلة!
عمي رد أبوكي كان عارف إنك مش هتفهمي قيمة المفتاح وقتها بس كان واثق إنك هتحتفظي بيه لو وصل لك.
ماما بصت له وصل لها إزاي؟
عمي نزل عينه.
في يوم العزا، حطيت المفتاح في صندوق حاجات قديمة تخص أبو سيف وبعدين أخدته معايا.
الضابط قال بحدة يعني كنت مخبي دليل متعلق بالقضية؟
عمي كنت بحاول أحميهم.
الضابط مد إيده سلّمني المفتاح.
عمي بص لي.
لكن أنا قفلت إيدي عليه.
لأ.
الكل بص لي.
قلت لو بابا كان مخبيه عشاني، أنا اللي هعرف هو بيفتح إيه.
الضابط قال ده مش قرارك.
قبل ما أرد، الرجل المقبوض عليه ضحك.
ضحكة خلتني أبص له.
قال سيبوها تفتح.
الضابط بص له ليه؟
رد
لأنكم لو عرفتوا اللي جوا هتعرفوا إن عبد الصمد مش أخطر واحد في الحكاية.
عمي اندفع ناحيته اخرس!
الرجل ابتسم وقال
هو كان بيحاول يمنعكم تعرفوا الحقيقة بس الحقيقة أكبر منه.
ماما قربت مني وقالت نعمل إيه؟
بصيت للمفتاح.
ثم للضابط.
وقلت نروح للعربية.
وبعد أقل من نصف ساعة، كنا واقفين قدام مكان مهجور خلف ورشة قديمة.
الضابط كان معانا.
عمي واقف بعيد، وشكله متوتر.
الراجل صاحب الملف أشار لمكان تحت الأرض.
هنا كانت العربية.
بدأنا ندور.
وبعد دقائق، لقيت قطعة معدن صدئة مدفونة تحت التراب.
عمي قرب منها.
وقال
دي هي.
الضابط ساعده يرفعها.
كانت جزء من صندوق حديد صغير.
المفتاح دخل في القفل.
تك.
الصندوق اتفتح.
جواه كان فيه ظرف بني قديم، وتسجيل صوتي على جهاز صغير، وصورة لأبويا واقف جنب عمي قدام محل الجزارة.
أنا مسكت الظرف.
كان مكتوب عليه بخط إيد بابا
لبنتي لما تبقى كبيرة كفاية تعرف الحقيقة.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
لكن أول سطر قرأته خلاني أرفع عيني لعمي.
كان مكتوب
يا بنتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عبد الصمد كذب عليكي خمس سنين كاملة قرأت السطر مرة تانية، وأنا مش قادرة أصدق.
عمي كذب علينا؟
ماما خطفت الورقة من إيدي، وبدأت تقرا بصوت مرتعش
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عبد الصمد كذب عليكي خمس سنين كاملة...
رفعت عيني لعمي.
كان واقف بعيد، ساكت.
الضابط قال كملي.
قلبت الورقة.
كان أبويا كاتب
عبد الصمد هيقول لكم إن اللحمة جاية من بره، وإنها غالية ونضيفة. متصدقوش الكلام ده. هو عارف مصدرها الحقيقي، لكنه مش مجرم.
وقفت عند الجملة دي.
مش مجرم؟
عمي غمض عينه.
كملت
لو سألتوه ليه بيجيب لكم اللحمة كل أسبوع، هيقول إنه وعدني يحميكم بعد موتي. وده صحيح لكن مش السبب الوحيد.
قلبت الصفحة.
وكان فيها سطر واحد
أنا اخترت عيلتي تكون أول ناس تختبر العلاج.
ماما شهقت.
علاج؟!
خالي بص لعمي علاج إيه؟
عمي أخيرًا اتكلم
أبو سيف كان مريض.
ماما قالت وإحنا مالنا؟
قال
كان عنده مرض خطير، والدكاترة قالوا إن العلاج التجريبي ممكن ينقذه لكن كان لسه في مرحلة الاختبار.
الضابط عقد حواجبه وإيه علاقة اللحمة؟
عمي رد
العلاج كان بيتجرب على حيوانات، وكان لازم يتأكدوا إن المادة بتفضل فعالة بعد دخولها الجسم عن طريق الغذاء.
أنا بصيت له بصدمة
يعني إحنا كنا بنجرب علاج؟
هز راسه.
من غير ما نعرف.
الضابط غضب وده قانوني؟
عمي سكت.
عرفنا من سكوته إن الإجابة كانت واضحة.
لكن قبل ما حد يتكلم، شغّلنا جهاز التسجيل الموجود في الصندوق.
طلع صوت أبويا.
صوته الحقيقي.
صوته اللي ما سمعتهوش من خمس سنين.
قال
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
ماما بدأت تبكي.
أبويا كمل
عبد الصمد، أنا عارف إنك هتخاف عليهم. وعارف إنك هتحاول تكمل اللي بدأناه.
صوت تسجيله اتقطع ثواني، ثم رجع
لكن في حاجة واحدة متعرفهاش
سكت.
ثم قال
اللحمة اللي بتوصل لهم مش هي العلاج اللي اتفقنا عليه.
عمي رفع رأسه فجأة.
إيه؟!
التسجيل كمل
حد بدّل المصدر قبل وفاتي بأسبوع.
سكتة طويلة.
ثم آخر جملة
ولو عبد الصمد اكتشف التبديل يبقى الشخص اللي عمله كان أقرب لينا مما تتخيلوا.
وفجأة
جالنا صوت رسالة على موبايل الضابط.
الضابط فتحها.
قرأها.
وبص مباشرة لماما.
ثم قال
الرسالة دي وصلتني دلوقتي.
سألته
مكتوب فيها إيه؟
ناولني الهاتف.
وكان مكتوب
متدورشوا على الجزار دوروا على الشخص اللي كان بيطبخ اللحمة في البيت كل أسبوع ماما أول ما قرأت الرسالة، وشها اتغير.
يعني إيه الشخص اللي كان بيطبخ؟
بصينا لبعض.
الضابط قال محدش يتحرك من هنا لحد ما نفهم.
أنا بدأت أفتكر كل جمعة فاتت.
مين كان بيستلم اللحمة؟
مين كان بيفتح الأكياس؟
مين كان بيطبخ؟
وفجأة افتكرت حاجة صغيرة جدًا.
قلت استنوا
كلهم بصوا لي.
في حاجة غريبة حصلت من أول أسبوع.
عمي قال إيه؟
أول مرة عمي جاب اللحمة، ماما كانت بتقطعها، بس قبل ما تحطها في التلاجة حد اتصل بعمي.
عمي قال مين؟
معرفش. بس إنت خرجت بره البيت حوالي عشر دقايق، ولما رجعت قلت لماما حطي الجزء ده لوحده.
ماما عقدت حواجبها.
أنا فاكرة.
عمي بص لها إنتِ فاكرة؟
أيوه وقلتلك وقتها ليه الجزء ده مختلف، وإنت قلتلي ده لحم مميز.
الضابط سأل والجزء ده كان بيتطبخ إزاي؟
ماما ردت كنت بحطه في حلة لوحده.
الضابط سأل وكل مرة؟
ماما سكتت.
ثم قالت
كل مرة.
الراجل صاحب الملف قرب مننا وقال يبقى لازم نرجع البيت فورًا.
رجعنا، والضابط فتش المطبخ.
فتح التلاجة.
ثم الفريزر.
كان فيه أكياس لحمة قديمة، وكل كيس عليه تاريخ.
الضابط بدأ يطابق التواريخ مع الجدول الموجود في الملف.
وفجأة قال
هنا.
وأشار إلى كيس صغير في آخر الفريزر.
ده اتخزن من أسبوعين لكن ليه نفس العلامة الموجودة في الأوراق؟
عمي قرب منه.
وأول ما شاف العلامة، رجع للخلف.
أنا عمري ما حطيت العلامة دي.
الضابط فتح الكيس بحذر.
جواه كانت قطعة لحمة ملفوفة في ورق شفاف، وتحتها جسم معدني صغير.
جهاز تسجيل.
شغله الضابط.
وصوت شخص مجهول خرج من الجهاز
لو وصلتوا للجهاز ده، يبقى عبد الصمد بدأ يشك.
ثم سكت الصوت لحظة.
لكن أهم حاجة تعرفوها إن اللي حصل لأبو سيف ما كانش حادث.
ماما شهقت.
أنا حسيت بقلبي بيقف.
الصوت كمل
والشخص اللي تسبب في موته موجود وسطكم من يوم العزا.
الجهاز عمل تشويش.
ثم ظهرت جملة أخيرة
ومتصدقوش الشخص اللي هيحاول يقول لكم إن عبد الصمد بريء.
الجهاز فصل.
الكل بص لبعضه.
وبعدين سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت.
ماما قالت
إحنا قفلنا الباب.
الضابط رفع سلاحه وقال
محدش يتحرك.
الباب اتفتح ببطء.
ودخل شخص واحد.
أول ما شوفناه، ماما شهقت وقالت
إنت؟!
أنا بصيت للشخص الواقف عند الباب
وعرفت فورًا إنه آخر شخص كنت أتوقع أشوفه في بيتنا الشخص دخل خطوتين بس، ولما شاف الشرطة واقفة، وقف مكانه.
كان جاري القديم، عم راضي.
الراجل اللي كنا بنعتبره زي فرد من العيلة، واللي كان دايمًا بييجي يسأل على ماما بعد وفاة بابا.
قال وهو متوتر في إيه؟ إيه اللي حصل؟
الضابط رفع إيده مكانك.
عم راضي بص لعمي، ثم للملف، ثم للتلاجة المفتوحة.
وشه اتغير.
أنا لاحظت التغيير ده.
وقلت إنت عرفت منين إن في حاجة في التلاجة؟
سكت.
قلت تاني إحنا محدش قال له إننا لقينا جهاز.
عم راضي بلع ريقه.
أنا أنا بس دخلت لقيتكم متجمعين.
الضابط قال وإنت دخلت بمفتاح؟
عم راضي بص للباب.
ماما كانت مدياني نسخة من زمان.
ماما هزت راسها بسرعة لأ أنا عمري ما اديتك مفتاح.
الراجل اتوتر أكتر.
عمي قرب منه وقال راضي المفتاح ده جبتَه منين؟
عم راضي ما ردش.
الضابط فتشه، ولقى في جيبه مفتاح صغير.
نفس شكل مفتاح باب بيتنا.
ماما صرخت ده مفتاح بيتي!
ساعتها عم راضي حاول يجري.
الضابط مسكه قبل ما يوصل للباب.
وأثناء تفتيشه، وقع من جيبه ظرف صغير.
فتحناه.
كان فيه صور ليا وأنا طفلة.
صور لماما.
صور لأخويا.
وصور لعمي وهو بيسلم أكياس اللحمة.
أنا اتصدمت.
إنت كنت بتراقبنا؟
عم راضي ما ردش.
لكن عمي بص للصور وقال
أنا كنت عارف إن في حد بيراقبنا بس ما كنتش عارف إنه هو.
الضابط فتح الظرف بالكامل.
كان فيه ورقة واحدة.
قرأها، وسكت.
قلت فيها إيه؟
ناولها لي.
كان مكتوب
المرحلة الأخيرة تبدأ عندما يأكل عبد الصمد من نفس اللحمة.
بصيت لعمي.
فهمنا كلنا إن أكله من اللحمة النهارده ما كانش صدفة.
كان متخطط له.
لكن عم راضي فجأة قال
أنتم فاهمين الموضوع غلط.
الضابط أمال فهمنا إيه؟
قال
عبد الصمد مش هو اللي كانوا بيختبروه.
أنا سألته أمال مين؟
بص لي مباشرة.
وقال
إنتِ.
سكت البيت كله.
أنا رجعت خطوة.
أنا؟
هز رأسه.
أبوكي ما اختاركِش بالصدفة.
عمي صرخ راضي!
لكنه كمل
لأنك الوحيدة اللي أكلت من اللحمة كل الخمس سنين من غير ما يظهر عليك أي تأثير.
ثم بص للضابط وقال
وعشان كده الناس اللي ورا الموضوع مستحيل تسيبها عايشة بهدوء بعد اللي عرفته النهارده عم راضي لسه مخلص جملته، إلا والضابط بص له بحدة
الناس اللي وراك مين؟
راضي سكت.
الضابط قرب منه هتتكلم دلوقتي ولا هنتكلم في القسم؟
راضي ابتسم ابتسامة باهتة لو اتكلمت هنا، مش هخرج من البيت أصلًا.
ماما شهقت يعني إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية بتقف تحت البيت.
راضي بص للشباك، ولأول مرة ظهر عليه الخوف الحقيقي.
وصلوا.
عمي قال مين؟
راضي رد اللي أنا كنت بحاول أبعدهم عنكم.
الضابط أمر واحد من رجاله يبص من الشباك.
بعد ثواني رجع وقال
في عربيتين سودا تحت العمارة، ومفيش حد نازل منهم.
خالي قال نعمل إيه؟
الضابط رد محدش يطلع ولا ينزل.
عمي قرب مني وقال هاتي الظرف.
اديتهوله.
بدأ يقلب في الصور واحدة واحدة.
وفجأة وقف عند صورة قديمة جدًا.
كانت صورة ليا وأنا عندي حوالي
 

تم نسخ الرابط