الولد هيقعد هنا
المحتويات
طنط مش محتاجة حد ياخد مني دوري.
طارق حط إيده على كتف أمه.
إحنا عيلة واحدة. لو في مشكلة، بنتكلم. مفيش قرارات سرية تاني.
ثريا مسحت دموعها.
حقك عليا يا سلمى.
سلمى سكتت لحظات.
ثم قالت
أنا مش همنعك عن سيف.
ثريا رفعت عينيها بدهشة.
بس بشرط.
إيه؟
تساعديني من غير ما تاخدي مكاني.
ثريا هزت رأسها.
وعد.
طارق ابتسم لأول مرة منذ دخوله الشقة.
لكن قبل ما الموقف يهدأ، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان اسم الطبيب ظاهرًا.
رد
ألو؟
جاءه صوت الطبيب من الطرف الآخر
أستاذ طارق؟ لازم حضرتك وسلّمى تيجوا المستشفى بكرة الصبح.
طارق عقد حاجبيه.
ليه؟
صمت الطبيب ثواني.
ثم قال
وصلتني نتيجة فحص سيف الأخيرة وفي حاجة لازم أشرحها لكم بنفسكم.
طارق بص لسلمى.
سلمى ضمت سيف لصدرها بقوة.
ولأول مرة
الخوف اللي كان بينهم اتبدل بخوف واحد مشترك على طفلهم.
لكنهم لم يكونوا يعرفوا أن نتيجة الفحص ستغير خطتهم للشهور القادمة كلها تاني يوم الصبح، سلمى وطارق وصلوا المستشفى بدري.
سلمى كانت طول الطريق ساكتة، حاضنة سيف، وكل شوية تبص على وشه الصغير وتتأكد إنه بيتنفس كويس.
طارق كان سايق وهو متوتر.
متقلقيش الدكتور قال محتاج يشرح لنا، مش قال إن فيه مصيبة.
سلمى ردت بصوت واطي
أنا مش خايفة من الحقيقة أنا خايفة أكون آخر واحدة تعرف.
طارق فهم قصدها.
من النهارده مش هيحصل.
دخلوا عيادة الأطفال، وبعد دقائق دخل الطبيب.
ابتسم لسلمى وقال
أول حاجة أحب أطمنك سيف كويس.
سلمى حست إن نفسها رجع.
الحمد لله.
الطبيب فتح الملف.
الفحص اللي اتعمل له بعد الولادة أظهر ملاحظة بسيطة في التنفس، وعلشان كده طلبنا متابعة.
طارق سأل بسرعة
يعني عنده مشكلة؟
مش بالمعنى اللي يخوفكم. بس فيه احتمال بسيط إن مجرى التنفس عنده يحتاج متابعة خلال الشهور الأولى.
سلمى سألت
ويحتاج إيه؟
متابعة منتظمة، ومراقبة أثناء النوم والرضاعة، ولو ظهرت علامات معينة لازم تيجوا فورًا.
طارق تنفس براحة.
لكن الطبيب بص لسلمى وقال
وفي حاجة تانية مهمة.
سلمى توترت.
إيه؟
الرضاعة الطبيعية والاحتضان الطبيعي مش بس مسموحين دول مهمين جدًا له في الفترة دي.
سلمى بصت لطارق.
وبعدين قالت
يعني اللي حصل في بيت حماتي كان غلط؟
الطبيب استغرب.
إيه اللي حصل؟
طارق حكى له باختصار.
الدكتور هز رأسه
الطفل محتاج رعاية، طبعًا، لكن وجود الأم وقيامها بدورها مش حاجة تتمنع عنها. بالعكس، لازم الأم تكون جزء أساسي من الرعاية.
سلمى نزلت دمعة على خدها.
مش بسبب الخوف المرة دي
لكن لأنها أخيرًا سمعت الكلام اللي كانت محتاجة تسمعه.
طارق مسك إيدها.
سمعتي؟
ابتسمت وسط دموعها.
سمعت.
بعد ما خرجوا من المستشفى، طارق قال
هنرجع ناخد حاجتك من عند أمي.
سلمى هزت رأسها.
مش عايزة خناقة.
ولا أنا.
أنا عايزة نتكلم معاها بهدوء.
رجعوا مصر الجديدة.
فتحوا باب الشقة، فلقوا ثريا قاعدة في الصالة.
قدامها الدوسيه الأبيض.
أول ما شافتهم، قامت.
الدكتور قال إيه؟
طارق رد
طمننا.
ثريا تنفست براحة.
الحمد لله.
سلمى قربت منها.
الدكتور قال إن سيف محتاج متابعة ومحتاج أمه تكون جنبه.
ثريا نزلت عينيها.
أنا فهمت.
سلمى مدت إيدها وأخدت الدوسيه.
هنحتفظ بيه عندنا.
ثريا هزت رأسها.
حقك.
وبعد لحظة صمت، قالت
سلمى أنا آسفة.
سلمى بصت لها.
أنا قبلت اعتذارك.
ثريا ابتسمت بحزن.
بس عارفة إن الثقة مش هترجع في يوم.
مش لازم ترجع في يوم.
ثريا قربت منها.
بس ممكن أبدأ أصلح اللي عملته.
سلمى مدت إيدها.
ثريا مسكتها.
وفي اللحظة دي، سيف بدأ يعيط.
ثريا تلقائيًا تحركت ناحيته، ثم توقفت.
بصت لسلمى وقالت
خديه.
سلمى ابتسمت.
أخدت سيف وضمتّه لصدرها.
ولأول مرة، ثريا لم تحاول تنتزعه منها.
لكن بينما سلمى كانت بتهدهده، طارق فتح الدوسيه مرة أخيرة.
وجد ورقة صغيرة في جيب داخلي.
قرأها.
ثم تغير وجهه.
سلمى لاحظت.
في إيه؟
طارق لم يجب فورًا.
مد الورقة لها.
كانت ورقة من المستشفى، لكن عليها ملاحظة بخط الطبيب
يُرجى عدم ترك الطفل وحده أثناء النوم خلال الفترة الأولى، وإبلاغ الوالدين مباشرة بأي تغير في حالته.
سلمى رفعت عينيها.
يعني ثريا كانت عارفة؟
طارق هز رأسه.
أيوه.
ثريا قالت بسرعة
أنا كنت خايفة أقول لكم وأرعبكم.
طارق بص لها.
كان لازم تقولي.
ثريا دموعها نزلت.
عارفة.
سلمى أخذت نفسًا عميقًا.
خلاص. من النهارده مفيش أسرار.
طارق أومأ.
وثريا قالت
وعد.
في المساء، رجعت سلمى وطارق لشقتهم في المعادي.
وضعت سيف في سريره، وجلست بجانبه.
طارق وقف عند الباب.
أخيرًا بيتنا.
سلمى ابتسمت.
وأخيرًا أنا مع ابني.
اقترب طارق وقبّل رأس سيف.
ثم نظر لسلمى
مش هسمح لأي حد، حتى لو أمي، إنه يحطك تاني في موقف تحسي فيه إنك مش أمه.
سلمى ابتسمت.
وأنا مش هسمح للخوف يخليني أقطع علاقتك بأمك.
وفي تلك الليلة، نام سيف بهدوء بين والديه.
أما ثريا
ففي بيتها، فتحت الدوسيه الأبيض للمرة الأخيرة.
وأخرجت منه صورة قديمة لطارق وهو طفل صغير.
فضلت تبص للصورة طويلًا، ثم قالت لنفسها
يمكن أنا خوفت أخسره فنسيت إن الأم مش بتخسر ابنها لما تخليه يعيش حياته.
قفلت الدوسيه.
ومن اليوم ده، بدأت ثريا تتعلم شيئًا لم تتعلمه طوال عمرها
إن الحب الحقيقي مش معناه إنك تمسك في اللي بتحبه بقوة أحيانًا الحب الحقيقي إنك تسيبه ياخد مكانه الطبيعي، وتفضل جنبه من غير ما تاخد مكانه.
وبعد شهور، كانت سلمى واقفة في عيد ميلاد سيف الأول، شايلة ابنها وسط العيلة.
ثريا قربت منها، ولم تمد إيدها لتأخذه.
اكتفت بابتسامة وقالت
ممكن أحضنه؟
سلمى ضحكت.
طبعًا يا طنط.
ناولتها سيف بنفسها.
ثريا لحظات، ثم أعادته لأمه.
وكانت الحركة البسيطة دي بالنسبة لسلمى أكبر دليل إن كل شيء اتغير.
لم يصبح بينهم صراع.
ولم تصبح ثريا غريبة عن حفيدها.
لكن كل واحد فيهم عرف مكانه.
وسيف كبر وهو محاط بأم بتحبه، وأب يحمي بيته، وجدة تعلمت أن تكون سندًا لا صاحبة القرار.
وهكذا انتهت الأزمة، لا بانتصار طرف على الآخر
بل بعيلة اتعلمت أخيرًا إن الحدود لا تفسد الحب، وإنما تحميه أكيد، نكمل بجزء جديد بعد ما استقرت الأمور، ومن غير أي خيانة أو شخص دخيل
عدّى شهرين على اللي حصل، والبيت أخيرًا رجع هادي.
سلمى بقت أقوى، وسيف كبر شوية، وطارق بدأ يقسم وقته بين شغله وبيته.
أما ثريا، فكانت بتحاول فعلًا تتغير.
بقت قبل ما تيجي تتصل
سلمى، ينفع أعدي أشوف سيف؟
وسلمى كانت ترد
طبعًا يا طنط.
وبالفعل، كانت تيجي وتقعد جنبهم من غير ما تفرض نفسها.
لكن في يوم، حصل شيء محدش كان متوقعه.
طارق رجع من الشركة بدري، وشكله كان متغير.
حط مفاتيحه على الترابيزة وقال
سلمى محتاج أتكلم معاكي.
سلمى كانت قاعدة جنب سيف.
خير؟
طارق قعد قدامها.
الشركة داخلة على مرحلة صعبة.
سلمى اتوترت.
يعني إيه؟
في مشروع كبير خسرنا فيه مبلغ مش قليل.
وإنت هتعمل إيه؟
طارق سكت لحظات.
محتاج أسافر أسبوعين.
سلمى بصت له.
إسكندرية تاني؟
المرة دي أبعد.
فين؟
أسوان.
سلمى سكتت.
طارق قرب منها.
عارف إن سيف لسه صغير، وعارف إنك مش عايزة تبقي لوحدك.
مش المشكلة إني أبقى لوحدي المشكلة إني مش عايزة أرجع لنفس اللي حصل.
طارق فهم فورًا إنها تقصد ثريا.
ماما اتغيرت.
أنا شايفة ده.
ولو احتجتي أي حاجة، تكلميها.
سلمى ابتسمت.
هكلمها، بس أنا مش هسيب سيف مع حد من غير ما أكون موجودة.
طارق ابتسم.
وأنا أصلًا مش طالب منك كده.
في اليوم التالي، سافر طارق.
وبعد ثلاثة أيام، في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سلمى صحيت على صوت غريب.
سيف كان بيكح.
قامت بسرعة.
حاولت تهديه، لكن
متابعة القراءة