مراتى الاولة
في الآخر أبويا.
حضنته.
وبصيت ناحية أمه.
كانت بتصورنا وهي مبتسمة.
بعدها رجعت البيت لوحدي.
وقعدت أفتكر كل حاجة.
الشقة.
الذهب.
الكذبة.
ليلة العيد.
دموع أولادي.
والباب اللي قفلته في وشهم.
واكتشفت إن العقاب الحقيقي مش المحكمة، ولا خسارة الفلوس.
العقاب الحقيقي إنك تعيش وأنت عارف إنك كنت سبب في وجع إنسانة ما كانتش تستاهله.
لكن ربنا اداني فرصة أصلح جزء من اللي أفسدته.
وفي آخر يوم من السنة، لقيت رسالة من مراتي الأولى.
فتحتها.
كان مكتوب
محمد...
أنا مش هقول إن كل اللي حصل اتنسى.
في حاجات بتفضل علامة في القلب.
لكن عايزة أقولك حاجة
أنت أخيرًا بقيت الأب اللي أولادنا كانوا محتاجينه.
وده عندي أهم من أي اعتذار.
خليهم دايمًا أولويتك.
وربنا يصلح حالك وحالنا.
قفلت الرسالة.
وبكيت.
مش من الحزن...
لكن من الامتنان.
لأن الست اللي كسرتها في يوم، كانت هي نفسها السبب إن أولادي ما كرهونيش.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه أغلى حاجة امتلكتها في حياتك؟
بقول
مش الشقة... ولا الفلوس... ولا أي حاجة اشتريتها.
أغلى حاجة هي فرصة إنك تصلح غلطك قبل ما أولادك يكبروا ويقرروا إن أبوهم ما يستاهلش مكان في حياتهم أكيد، دي نهاية مقفولة ومؤثرة للقصة
مرت سنين، وكبر أولادي، وكل واحد فيهم بقى له حياته.
مراتي الأولى كملت مشروعها، وبقت ست ناجحة ومعروفة في شغلها، والشقة فضلت باسمها واسم أولادنا، محدش قدر يقرب منها.
أما أنا، ففضلت عايش بعيد، لكن موجود في حياة أولادي.
ما حاولتش أطلب من أمهم ترجعلي.
كنت عارف إن في حاجات لما بتتكسر، حتى لو اتصلحت، عمرها ما بترجع زي الأول.
وفي يوم، ابني الكبير اتجوز.
وقف قدامي قبل الفرح وقال
بابا، عايزك تدخل معايا القاعة.
سألته
وماما؟
ابتسم وقال
ماما هتكون مستنيانا جوه.
دخلنا سوا.
لقيت مراتي الأولى واقفة، ولما شافتنا ابتسمت.
بعد الفرح، وإحنا خارجين، وقفت جنبها وقلت
فاكرة أول عيد بعد ما خرجتي من الشقة؟
سكتت.
قلت
أنا عمري ما نسيت اليوم ده.
قالت بهدوء
وأنا كمان.
نزلت عيني في الأرض.
لو الزمن رجع بيا، كنت هحافظ على كل حاجة عملتيها عشاني.
قالت
الزمن مش بيرجع يا محمد.
وبعدين ابتسمت وأضافت
بس الإنسان يقدر يتعلم.
هزيت رأسي.
اتعلمت... متأخر.
قالت
المهم إنك اتعلمت قبل ما تخسر أولادك.
بصيت لأولادي وهم بيضحكوا حوالينا.
وقتها فهمت إن دي كانت النهاية الحقيقية للقصة.
مش إن الزوج رجع لزوجته الأولى...
ولا إن الظالم اتعاقب وخلاص.
لكن إن كل واحد دفع ثمن اختياراته، وإن المرأة اللي اتظلمت قدرت تقف على رجليها من جديد، وتربي أولادها، وتحافظ على حقها وكرامتها.
أما أنا، ففضلت شايل في قلبي درس عمري
الإنسان ممكن يخدع الناس فترة، وممكن يهرب من الحقيقة شوية... لكنه مستحيل يهرب من نفسه.
والشقة اللي طردتهم منها في ليلة العيد؟
فضلت واقفة لسنين.
كل ما أعدي من قدامها، أفتكر إن الحيطان دي اتبنت بالذهب والتعب والصبر...
لكن أهم حاجة اتبنت جواها كانت تضحية إنسانة وثقت فيا، وأنا خذلتها.
وعشان كده، عمري ما قدرت أقول إنني كسبت الشقة أو خسرتها.
أنا خسرت ثقتها...
لكن ربنا اداني فرصة أتعلم إن البيت الحقيقي مش ملكية وعقد ومفتاح... البيت الحقيقي هو الأمان اللي بتديه للناس اللي وثقوا فيك.
ومن يومها، كل ما أولادي يسألوني عن أكبر غلطة عملتها في حياتي، بقول لهم
إوعي تظلم حد وقف جنبك وقت ما كنت محتاجه... لأنك ممكن تسترد فلوسك، وممكن تشتري بيت جديد، لكن ثقة الإنسان لما تضيع... أغلى من إن كل فلوس الدنيا تقدر ترجعها.
تمت.