مراتى الاولة
المحتويات
فاكر ثمن اللي ضحيتي بيه.
قفلت العلبة وقالت
خليها لأولادنا.
استغربت.
قالت
عشان لما يكبروا، يعرفوا إن أمهم ضحت عشان بيتهم... وإن أبوهم اتعلم متأخر إن البيت مش حيطان.
بصيت لأولادي.
كانوا بيلعبوا في الصالة ويضحكوا.
وفي اللحظة دي فهمت إن أكبر خسارة في حياتي ما كانتش فلوس، ولا شقة، ولا جواز انتهى...
كانت ثقة ست ائتمنتني على عمرها.
أما هي، فرغم كل اللي عملته فيها...
اختارت إنها ما تنتقمش.
اختارت بس إنها تحمي أولادها وتبدأ حياتها من جديد.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوفها وأشوف ولادي، أفتكر درس عمري كله
البيت ممكن يتعوض... والفلوس ممكن ترجع... لكن قلب الإنسان لما تكسره، مش دايمًا تعرف تصلحه عدت الأيام، وكنت فاكر إن رجوع الشقة واعتذاري كفاية عشان أصلح اللي اتكسر.
لكن اكتشفت إن أصعب حاجة مش إنك تصلح الغلط...
أصعب حاجة إنك تعيش كل يوم وأنت شايف أثره في عيون الناس اللي ظلمتهم.
ولادي بقوا ييجوا عندي في مواعيد محددة.
في البداية كانوا بيتعاملوا معايا بحذر.
ابني الكبير بطل يجري عليَّ زي زمان، والبنت الصغيرة كانت كل ما أمها توصلها عندي تسألها
ماما... هو بابا هيخلينا نرجع البيت تاني؟
السؤال كان بيوجعني.
وفي يوم، ابني الكبير قال لي
بابا، إنت ليه طلعتنا من بيتنا؟
اتجمدت.
ما كانش ينفع أكذب تاني.
قعدت جنبه وقلت
عشان بابا غلط.
قال
غلط إزاي؟
قلت
طمع... وأنانية... وفكرت في نفسي أكتر منكم.
سكت شوية، وبعدين قال
وماما سامحتك؟
بصيت له.
لأ.
رد بمنتهى البراءة
عندها حق.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حكم ممكن آخده.
مر الوقت، وبدأت أساعد في مصاريف أولادي من غير ما أطلب من أمهم أي مقابل.
لكنها كانت حريصة جدًا.
كل مبلغ كنت أدفعه كان بيتسجل، وكل حاجة تخص الأولاد كانت واضحة.
وفي يوم، وصلني اتصال من المحامي.
قال لي
عندي خبر مهم.
قلت
خير؟
قال
أثناء مراجعة أوراق الشقة، ظهر مستند قديم ممكن يغيّر الوضع كله.
قلبي وقع.
مستند إيه؟
قال
إيصال مكتوب بخط إيدك، بتقر فيه إن جزء من ثمن الشقة اتدفع من فلوس زوجتك الأولى وذهب والدتها.
سكت.
كنت ناسي الورقة دي تمامًا.
سألته
وده معناه إيه؟
قال
معناه إن موقفها القانوني أقوى بكتير، لكن الأهم إن الورقة تثبت حاجة أخطر...
إيه؟
إنك كنت عارف من البداية إنها صاحبة حق في جزء كبير من الشقة.
قفلت المكالمة.
وقعدت لوحدي.
لأول مرة حسيت إن كل شيء عملته كان مكتوبًا عليَّ، خطوة بخطوة.
وفي نفس الليلة، رحت لها.
قلت
لقيت ورقة ممكن تثبت حقك بشكل أكبر.
قالت
وماذا تريد مني؟
قلت
ولا حاجة. هسلمها لك.
أخذت الورقة، قرأتها، وسكتت.
وبعدين قالت
ليه بتعمل كده؟
قلت
عشان خلاص تعبت من الكذب.
رفعت عينيها وقالت
أنت مش محتاج تثبت لي إنك ندمت. أثبت لنفسك إنك اتغيرت.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
ومن اليوم ده بدأت فعلًا أتغير.
بعت العربية الغالية اللي كنت جايبها، وسددت جزءًا كبيرًا من حقوق أولادي، وخصصت حسابًا مستقلًا لمصاريف تعليمهم.
وبعد فترة، حصل شيء ما كنتش متوقعه.
ابني الكبير جه عندي، وقعد جنبي وقال
بابا...
قلت
نعم؟
قال
ماما قالت إنك بقيت بتساعدنا كويس.
ابتسمت.
قال
ممكن نرجع نناديك بابا زي زمان؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
حضنته وقلت
ده أحلى شيء ممكن أسمعه في حياتي.
لكن قبل ما اليوم ينتهي، جالي اتصال من المحامي.
قال
فيه جلسة الأسبوع الجاي.
سألته
قضية الشقة؟
قال
أيوه.
وبعدين سكت لحظة وأضاف
وفيه مفاجأة.
قلت
إيه؟
قال
زوجتك الأولى مش هتطالب بالشقة بس...
أمال هتطالب بإيه؟
رد
هي قررت تقدم كل المستندات اللي معاها للمحكمة، وفيه ورقة ممكن تثبت إنك وقعت كمان على تنازل آخر أنت نفسك ناسيه.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لأني فجأة افتكرت...
في أول يوم اشترينا فيه الشقة، كنت مضيت لها ورقة بخط إيدي... وكتبت فيها وعدًا لا يمكنني التراجع عنه افتكرت الورقة فجأة...
كانت ورقة كتبتها بإيدي قبل ما الشقة تخلص بسنين.
يومها كانت مراتي الأولى باعت آخر قطعة دهب عندها، وأنا كنت حاسس بالذنب، فكتبت لها ورقة وقلت
دي أمان ليكي وللعيال، حتى لو الدنيا اتغيرت.
ما كانش فيها كلام قانوني معقد، لكنها كانت واضحة جدًا
أنا أقر إن الشقة دي اتبنت بمجهودنا إحنا الاتنين، وإن لزوجتي وأولادي حقًا محفوظًا فيها، ولا يجوز لي التصرف فيها بما يضرهم.
كنت فاكر إني رميتها من زمان.
لكن هي احتفظت بيها.
وفي المحكمة، ظهرت الورقة.
المحامي قدمها، ومعاها إيصالات شراء مواد البناء، وتحويلات مالية قديمة، وإثباتات بيع الذهب.
القاضي بص في الأوراق، وبعدين بصلي.
هل التوقيع ده توقيعك؟
بلعت ريقي وقلت
أيوه.
وهل كنت تعلم أن زوجتك ساهمت في شراء الشقة؟
قلت
كنت أعلم.
وهل نقلت ملكية الشقة رغم ذلك؟
سكت لحظة.
وبعدين قلت
أيوه.
ما حاولتش أبرر.
لأول مرة، قررت أتحمل نتيجة كل قرار أخدته.
بعد الجلسة، خرجت مراتي الأولى من المحكمة.
وقفت قدامي.
كنت مستني منها شماتة أو غضب.
لكنها قالت
أنا مش عايزة أشوفك بتتعذب.
استغربت.
بعد كل اللي عملته فيكي؟
قالت
اللي حصل وجعني، بس أنا مش عايزة أولادي يكبروا وهم شايفين أبوهم عدوهم.
سألتها
وإنتِ عايزة إيه؟
قالت
حقي وحق أولادي. مش أكتر.
وبالفعل، انتهى الأمر بتسوية تحفظ لها ملكيتها وحقوق الأولاد، مع التزامات مالية واضحة عليَّ.
خرجت من المحكمة وأنا حاسس إني خسرت كتير...
لكن لأول مرة، كنت حاسس إني استرديت جزءًا من إنسانيتي.
بعد شهور، في أول عيد أضحى بعد كل اللي حصل، كنت واقف بعيد عن باب الشقة.
ولادي كانوا بيجروا في المدخل وهم لابسين هدوم العيد.
ابني الكبير وقف عند الباب وناداني
بابا! تعالى.
بصيت لمراته أمه.
كانت واقفة جوه.
قالت بهدوء
ادخل... العيد للولاد.
دخلت.
البيت اللي طردتهم منه يوم العيد بقى مكانًا نجتمع فيه عشان أولادنا.
مش رجعنا زي الأول...
ومش كل حاجة اتصلحت.
لكننا اتعلمنا نعيش من غير ظلم، ومن غير كذب.
وقبل ما أمشي، ابني الصغير شد إيدي وقال
بابا، هو البيت ده بتاع مين؟
بصيت لأمه.
وبعدين قلت
البيت ده يا حبيبي... أمانة.
ابتسمت أمه.
ولأول مرة من سنين، شفت في عينيها حاجة غير الوجع.
مش حب...
لكن راحة.
وعرفت ساعتها إن بعض النهايات مش معناها إن الناس ترجع لبعض.
أحيانًا النهاية الحقيقية إن كل واحد ياخد حقه...
والأطفال يفضلوا بعيد عن أخطاء الكبار.
أما أنا، ففضلت أكرر لنفسي جملة واحدة كل ما افتكرت ليلة العيد
الست اللي وقفت جنبك وأنت مكسور، ما ينفعش تكافئها بأنك تكسرها لما تقف على رجلك بعد اللي حصل، افتكرت إن أصعب جزء انتهى.
لكن الحياة كان لسه عندها اختبار تاني ليا.
بعد حوالي سنة، ابني الكبير دخل المدرسة في مسابقة، وكان لازم أحد الوالدين يحضر معاه.
اتصلت بيا أمه وقالت
هو عايزك تحضر.
سكت شوية.
كنت خايف أروح، مش عشان منها... لكن عشان كنت خايف ابني يشوفني مجرد أب دفع فلوس وخلاص.
رحت.
لقيته واقف على المسرح، ولما شافني وسط الناس ابتسم ابتسامة كبيرة.
بعد المسابقة جري عليَّ وقال
أنا كنت بدور عليك!
حضنته وقلت
وأنا عمري ما هتأخر عليك تاني.
مراته أمه كانت واقفة بعيد.
قربت منها وقلت
شكرًا إنك خليتيني أكون موجود.
قالت
ده حقه عليك.
وبعدين سكتت لحظة وأضافت
بس متفتكرش إن وجودك في حياة أولادك فضل مني. ده واجبك.
هزيت رأسي.
عندك حق.
ومن يومها بدأت علاقتي بولادي تتغير فعلًا.
بقيت أذاكر لهم، أحضر مناسباتهم، وأعرف تفاصيل حياتهم بدل ما أكتفي بتحويل المصاريف.
وفي يوم، بنتي الصغيرة رجعت من المدرسة ومعاها رسم.
ناولتهولي وقالت
رسمت بيتنا.
بصيت للرسم.
كان فيه بيت، وشجرة، وثلاثة أطفال، وأم واقفة عند
متابعة القراءة