مراتى الاولة
المحتويات
الباب.
وأب واقف بعيد شوية.
سألتها
ليه بابا بعيد؟
قالت بمنتهى البراءة
عشان أنت مش ساكن معانا.
الكلمة وجعتني.
لكنها علمتني إن الأطفال مش محتاجين وعود كبيرة.
هم محتاجين وجود.
في نفس الليلة، روحت لمراتي الأولى وقلت لها
أنا عايز أطلب منك حاجة.
قالت
اتفضل.
عايز أشارك في مصاريف البيت بشكل ثابت، مش عشان أرجع أتحكم في أي حاجة، ولا عشان آخد مقابل... عشان ده حق الأولاد.
فكرت شوية وقالت
موافقة، بشرط.
إيه؟
كل حاجة تبقى مكتوبة وواضحة. أنا مش عايزة خلافات تاني.
قلت
موافق.
وبمرور الوقت، بدأت الثقة ترجع بشكل بسيط جدًا.
مش ثقة زوجة في زوجها...
لكن ثقة أم في أب أولادها.
وفي يوم من الأيام، وصلني اتصال من المستشفى.
قلبي وقع.
الممرضة قالت
حضرتك والد الطفل؟
قلت
أيوه!
قالت
ابنك حصل له حادث بسيط، ووالدته معاه، تعالى بسرعة.
جريت على المستشفى.
ولما وصلت، لقيت مراتي الأولى واقفة قدام غرفة الطوارئ.
أول ما شافتني قالت
هو جوه.
وقفت جنبها.
لأول مرة منذ سنوات، كنا الاتنين واقفين في نفس المكان بسبب أولادنا، من غير صراخ، ومن غير مشاكل.
بعد دقائق خرج الدكتور وقال
الحمد لله، إصابته بسيطة.
مراتي الأولى أغمضت عينيها من شدة الارتياح.
وأنا قعدت على الكرسي وأنا ببكي.
بصتلي وقالت
خلاص يا محمد... الحمد لله.
رفعت عيني لها وقلت
عارفة؟ أنا كنت فاكر إن امتلاك البيت هو أكبر نجاح في حياتي.
ابتسمت بحزن
وطلع إيه؟
قلت
إن البيت من غير أهل البيت مالوش قيمة.
سكتت.
وبعدها قالت جملة عمرها ما خرجت من دماغي
أنت خسرت جوازنا يوم اخترت الظلم... لكن لسه قدامك فرصة ما تخسرش أولادك.
ومن اليوم ده، قررت إن دي هتكون أهم فرصة في حياتي.
مش عشان أرجعها ليا...
لكن عشان أولادي لما يكبروا، ما يفتكروش إن أبوهم كان الرجل اللي طرد أمهم من بيتها في ليلة العيد.
عايزهم يفتكروا إنه غلط غلطة كبيرة...
وبعدها امتلك الشجاعة إنه يعترف بيها ويصلح اللي قدر عليه مرت سنتين، وكنت فاكر إن حياتي أخيرًا استقرت.
لكن في يوم، ابني الكبير رجع من المدرسة ومعاه ظرف أبيض.
قال لي
بابا، ماما قالت إن ده ليك.
فتحته، ولقيت فيه ورقة من المحكمة.
اتوترت وقلت
إيه ده؟
قال
مش عارف... بس ماما قالت لي أوصلهولك.
فتحت الورقة.
كانت رسالة من المحامي.
مضمونها إن مراتي الأولى قررت تعمل حاجة ما توقعتهاش أبدًا.
كانت بتتنازل عن جزء من التعويض المالي اللي كان من حقها...
لكن بشرط واحد.
اتصلت بيها فورًا.
قلت
ليه عملتي كده؟
قالت
عشان المبلغ ده لو أخدته كله، مش هيغير اللي حصل.
قلت
ده حقك.
ردت
عارفة إنه حقي. بس أنا حطيت جزء منه في حساب باسم الأولاد، وجزء تاني هستخدمه في مشروع صغير.
استغربت
مشروع؟
قالت
أيوه. طول عمري كنت بقول إننا هنأمن مستقبل العيال. المرة دي هأمنه بإيدي.
ابتسمت لأول مرة وأنا سامع صوتها.
وأنا ممكن أساعدك.
سكتت.
قلت بسرعة
مش بفلوس ولا بشروط. لو احتجتي رأي أو مساعدة في أي حاجة تخص المشروع.
قالت
ممكن.
وبالفعل بدأت مشروعًا صغيرًا من البيت، ومع الوقت المشروع كبر.
كانت كل مرة تحقق خطوة جديدة، تبعتلي صورة للأولاد وهم فرحانين.
وأنا كنت فخور بيها من بعيد.
مش كزوج...
لكن كإنسانة أعرف جيدًا حجم القوة اللي جواها.
وفي يوم، اتصلت بيا وقالت
محمد، تعالى ضروري.
خفت.
حصل حاجة؟
قالت
لأ... بس لازم تشوف بنفسك.
روحت.
دخلت الشقة.
لقيت أولادي واقفين قدام ترابيزة عليها صندوق خشب قديم.
بصيت للصندوق.
عرفته فورًا.
كان صندوق أمها.
قالت
لقيته وأنا برتب حاجات قديمة.
فتحته.
جواه صورنا القديمة.
صورة يوم استلمنا الشقة وهي لسه على الطوب.
صورة وهي ماسكة أول مفتاح.
وصورة ليا وأنا شايل ابني الصغير أول يوم رجعنا فيه البيت.
وقفت قدام الصور وأنا ساكت.
ابني قال
بابا، ماما قالت إن البيت ده كان حلمكم زمان.
بصيت لأمه.
قالت
كان حلمنا فعلًا.
سألتها
إنتِ مش ندمانة إنك اشتريتي الشقة معايا؟
هزت رأسها.
لأ.
استغربت.
قالت
أنا ندمانة على اختيار الإنسان اللي ائتمنته عليها... لكن مش ندمانة على السنين الحلوة اللي عشناها ولا على أولادي.
الجملة دي علمتني حاجة مهمة.
إن الإنسان ممكن يكره الغلط...
من غير ما يكره كل عمره.
وقبل ما أمشي، ابني الكبير ناداني
بابا!
التفت.
قال
ممكن تيجي بكرة نفطر كلنا سوا؟
بصيت لأمه.
كانت ساكتة.
قلت
لو ماما موافقة.
ابتسمت وقالت
تعالى.
خرجت من البيت وأنا حاسس إن دي أول مرة أدخل بيتهم وأخرج منه من غير ما أحس إنه بعيد عني.
وفي اليوم التالي، قعدنا كلنا على سفرة واحدة.
الأطفال بيتكلموا ويضحكوا.
وأنا ساكت وببص لهم.
وفجأة بنتي قالت
بابا، إنت ليه بتبص لنا كده؟
ابتسمت وقلت
عشان بحاول أحفظ اللحظة دي.
قالت
ليه؟
قلت
عشان لو الدنيا زعلتنا يوم، نفتكر إننا كنا قاعدين هنا سوا.
مراتي الأولى بصتلي.
ولأول مرة ابتسمت من قلبها.
لكن قبل ما نخلص الفطار، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت
ألو؟
جاءني صوت رجل يقول
أستاذ محمد؟
أيوه.
أنا محامي زوجتك السابقة... وفيه موضوع قديم ظهر في أوراق الشقة، ولازم نتقابل.
قلبي انقبض.
موضوع إيه؟
سكت الرجل لحظة وقال
الموضوع متعلق بملكية الأرض اللي اتبنت عليها العمارة كلها...
واللي اكتشفناه ممكن يغيّر ملكية الشقة من الأساس تاني يوم رحت للمحامي وأنا متوقع إن الموضوع مجرد ورقة قديمة.
لكن أول ما دخلت مكتبه، لقيت مراتي الأولى قاعدة هناك.
بصتلي وقالت
أنا كمان معرفش إيه الموضوع.
المحامي فتح ملف كبير وحطه قدامنا.
وقال
الأرض اللي اتبنت عليها العمارة كان ليها ورثة كتير، وفيه جزء من المستندات القديمة ما اتسجلش بشكل صحيح.
سألته
يعني إيه؟
قال
يعني إن فيه نزاع قديم على ملكية الأرض، ولازم نتأكد إن كل عقود الشقق سليمة.
قلبي وقع.
وشقتنا؟
قال
لحد دلوقتي مفيش حكم بيبطل ملكيتها، لكن فيه إجراءات لازم تتعمل لتثبيت الملكية.
مراتي الأولى بصتلي وقالت
يعني بعد كل اللي حصل، لسه هنبدأ مشاكل تاني؟
المحامي ابتسم
بالعكس. فيه خبر كويس.
طلع ورقة.
أثناء مراجعة الملفات، لقينا عقدًا قديمًا يثبت إن والد زوجتك كان شريكًا في شراء جزء من الأرض قبل بناء العمارة.
أنا بصيت لها.
هي نفسها كانت مذهولة.
بابا؟
قال المحامي
أيوه. وده معناه إن ليها حق أصلي في جزء من الأرض، مش مجرد حق ناتج عن شراء الشقة.
سكتنا إحنا الاتنين.
كل اللي حصل بينا بدأ يتكشف بطريقة ما كناش نتوقعها.
مراتي قالت
أنا مش عايزة مشاكل مع السكان.
المحامي رد
محدش قال إنك تعملي مشاكل. بالعكس، الأفضل تتصرفوا بشكل قانوني وهادئ.
خرجنا من المكتب.
وفي الطريق، قالتلي
غريبة الدنيا.
قلت
ليه؟
قالت
أنا كنت فاكرة إن أكبر حق ليا هو البيت اللي دفعنا فيه تعبنا... وطلع فيه حق أقدم من كده.
بصيت لها وقلت
المرة دي حقك مش هقرب منه.
قالت
عارفة.
سألتها
واثقة؟
ردت
لأنك اتغيرت.
الكلمة دي فرحتني رغم بساطتها.
بعد أسابيع، انتهت الإجراءات، وثبت حقها بشكل رسمي.
والأغرب إن الجزء اللي ثبت باسمها كان أكبر مما كنا متوقعين.
لكنها ما استغلتش الأمر.
اتفقت مع باقي أصحاب الحقوق على حل ودي، وحصل كل واحد على نصيبه.
وبعدها قررت تستخدم جزءًا من نصيبها في مشروع جديد.
مشروع كبير باسم أولادنا.
لما عرفت، قلت لها
ليه باسمهم؟
قالت
عشان هما أكتر ناس دفعوا تمن أخطاءنا.
سكت.
ثم قلت
أنا آسف.
ابتسمت وقالت
بطلت أحتاج أسمعها.
استغربت.
قالت
لأن أفعالك بقت بتقولها كل يوم.
الكلام ده كان بالنسبة لي أكبر حكم وأجمل فرصة.
مرت سنوات.
كبر الأولاد.
وفي يوم تخرج ابني الكبير، وقف على المسرح، وبعد ما استلم شهادته، قال قدام الناس
أهدي النجاح ده لأمي وأبويا.
أنا اتفاجئت.
بعد الحفل قرب مني وقال
بابا، مهما حصل بينكم، أنت
متابعة القراءة