مراتى الاولة
مراتي الأولى باعت دهب جهازها، وباعت كمان السلسلة الوحيدة اللي كانت لوالدتها الله يرحمها، عشان تساعدني أكمل تمن شقة كنا داخلينها على الطوب.
كانت تقعد في عز البرد تغسل الهدوم على إيدها، وتقول لي
استحمل شوية يا محمد... المهم نأمن مستقبل العيال. لما ربنا يوسعها علينا هتجيب الغسالة اللي نفسك فيها.
عمرها ما عايرتني بفلوسها، ولا قالت لي يوم إنها ضحت عشاني.
كانت كل ما تشوفني راجع تعبان من الشغل، تحط الأكل قدامي وتقول
المهم أشوفك واقف على رجلك.
وفعلًا... السنين عدت، والشقة خلصت، وشغلي كبر، والفلوس بدأت تدخل إيدي.
وفي الوقت اللي كنت فاكر فيه إن الدنيا أخيرًا ابتسمت لي، اتجوزت مرة تانية.
مراتي الأولى وافقت على الجواز، خصوصًا إننا كنا وصلنا لمرحلة من الخلافات خلت استمرارنا مع بعض صعب، واتفقنا إن كل واحد يعيش حياته، لكن يفضل بينا احترام، خصوصًا عشان ولادنا.
الغلط الحقيقي بدأ بعد جوازي.
مراتي الجديدة كانت بتحب المظاهر جدًا، ومن أول شهر قالت لي
أنا مش هعيش في إيجار. طالما الأولى عندها شقة ملك، أنا كمان لازم يكون عندي بيت ملك.
حاولت أفهمها إن عندي التزامات وولاد ومصاريف، لكنها فضلت تضغط عليَّ.
لحد ما في يوم قالت
إنت مش هتشتري بيت جديد... إنت عندك شقة جاهزة.
بصيت لها باستغراب
شقة مين؟
ابتسمت وقالت
الشقة اللي الأولى عايشة فيها.
الجملة دي فضلت ترن في ودني.
وفي لحظة ضعف وطمع، عملت أبشع حاجة ممكن يعملها إنسان في واحدة كانت يومًا شريكته في كل حاجة.
روحت لمراتي الأولى وادعيت إن عليَّ ديون كبيرة، وإن فيه قضية ممكن تدخلني السجن لو ما سددتش بسرعة.
بصتلي بخوف وقالت
طب نتصرف إزاي؟
قلت لها
الحل الوحيد إني أبيع الشقة... بس لازم توقعي على تنازل عن نصيبك عشان أعرف أتصرف.
هي ما طلبتش تشوف ورقة.
ما سألتنيش عن محامي.
ما شكّتنيش حتى.
بس قالت
لو ده هينقذك... أمضي.
ومضت.
قبل ما تخرج من المكتب، بصتلي وقالت
أنا مش فارق معايا البيت يا محمد... إنت والعيال أهم.
وأنا خرجت بالورقة اللي هدمت حياتها بإمضيها.
بدل ما أبيع الشقة وأسدد أي ديون، نقلت ملكيتها لمراتي الجديدة.
ولما شافت العقد، فرحت بشكل خلاني أكتشف قد إيه كنت أعمى.
قالت
أخيرًا بقيت أنا صاحبة البيت!
مرت أيام قليلة.
وجاءت ليلة عيد الأضحى.
كانت مراتي الأولى في الشقة مع ولادنا، مجهزة أكل العيد، والعيال مستنيين أرجع عشان نروح نصلي ونقضي اليوم سوا.
لكن الباب اتفتح...
ودخلت أنا ومراتي الجديدة.
وكان معاها عاملين شايلين كراتين.
وقفت في نص الصالة وقالت للأولى
يلا يا حبيبتي... لمي حاجتك.
مراتي الأولى بصتلها باستغراب
حاجتي؟
ردت ببرود
أيوه. الشقة دي بقت باسمي.
بصتلي.
كان في عينيها سؤال واحد
قول إن الكلام ده مش حقيقي.
لكن بدل ما أواجه نفسي، طلعت العقد وحطيته قدامها.
قرأته.
إيديها بدأت ترتعش.
قالت بصوت مكسور
يعني إيه؟
قلت وأنا بتجنب عينيها
يعني الشقة مبقتش بتاعتك.
سكتت ثواني، وبعدها قالت
والديون؟
ما قدرتش أرد.
فهمت.
قالت
مفيش ديون... صح؟
فضلت ساكت.
دموعها نزلت، لكنها ما صرختش.
بس بصتلي وقالت
أنا بعت دهبي... ودهب أمي... عشان البيت ده.
مراتي الجديدة قاطعتها
والبيت دلوقتي باسمي.
ابني الصغير جري ناحيتي ومسك إيدي
بابا... إحنا هنروح فين؟
السؤال ده كان أول مرة يهزني من جوا.
لكن بدل ما أرجع عن جريمتي، سبتهم يلموا هدومهم.
خرجت مراتي الأولى من الشقة وهي ماسكة إيد ولادها.
وقبل ما تنزل السلم، وقفت وبصتلي للمرة الأخيرة وقالت
أنا مش زعلانة على الشقة يا محمد...
سكتت، ومسحت دموعها.
أنا زعلانة إن الإنسان اللي ائتمنته على عمري وولادي هو اللي كسرنا.
نزلت.
وأنا قفلت الباب.
لكن بعد ما الباب اتقفل، حصل شيء لم أكن أتوقعه.
مراتي الجديدة دخلت غرفة النوم، وبدأت تفتح الدولاب وتفرغ هدوم مراتي الأولى في أكياس.
وفجأة لقت صندوق خشب صغير.
فتحته...
وكان جواه باقي حاجات بسيطة من دهب أم مراتي الأولى، ومعاها إيصالات قديمة تثبت إنها هي اللي دفعت جزءًا كبيرًا من ثمن الشقة.
رفعت الورق وقالت
إيه ده؟
قربت منها.
وأول ما شفت الأوراق...
وشي اصفر.
لأن الورق ده كان فيه شيء واحد أنا نسيته تمامًا...
إثبات إن التنازل اللي خدته منها كان مبنيًا على كذبة، وإنها لم تكن تعرف أنها تتنازل عن ملكيتها للشقة.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
فتحت مراتي الجديدة.
كان واقف محامي.
بصلي وقال
حضرتك محمد؟
قلت
أيوه.
طلع ظرف من شنطته وقال
أنا جاي لحساب السيدة الأولى... ومعايا طلب رسمي لإلغاء التنازل، وبلاغ بكل المستندات اللي تثبت إنك استوليت على حقها بالغش.
اتجمدت مكاني.
لأول مرة فهمت إن الورقة اللي كنت فاكرها نهاية حياتها...
ممكن تكون بداية نهايتي أنا المحامي حط الظرف قدامي وقال بهدوء
الأفضل لحضرتك تقرأ المستندات مع محاميك، لأن الموضوع مش مجرد خلاف عائلي.
مديت إيدي للظرف، لكن إيدي كانت بتترعش.
مراتي الجديدة بصتلي وقالت
هو إيه اللي بيحصل؟
المحامي رد بدل مني
زوجك نقل ملكية شقة لموكلتي الجديدة بناءً على تنازل حصلت عليه منه موكلتي الأولى بعد ما أوهمها بوجود ديون وخطر سجن، من غير ما يوضح لها حقيقة التصرف اللي هتوقع عليه.
وشها اتغير.
بصتلي
يعني إنت كذبت عليها؟
ما رديتش.
قالت بعصبية
قول!
قلت بصوت واطي
أيوه.
سكتت لحظة.
وبعدين بصت للعقد اللي كان في إيدها، وكأنها لأول مرة شايفة حقيقته.
قالت
وإنت كنت فاكر إن البيت ده هيخليني مرتاحة؟
المحامي قال
أنا مش هنا أحكم على حد. أنا بس جاي أبلغكم إن السيدة الأولى بدأت الإجراءات القانونية لاسترداد حقها.
خرج المحامي.
وأنا فضلت واقف مكاني.
مراتي الجديدة قالت
خدني للبيت اللي رميت فيه أولادك.
بصيتلها باستغراب
ليه؟
قالت
عايزة أقابلها.
وصلنا عند بيت أخوها اللي راحت تقعد عنده مؤقتًا.
فتحت لنا الباب.
كانت قاعدة جنب ولادنا، والعيال نايمين من التعب.
أول ما شافتني، قامت.
وقالت
جاي ليه؟
ما قدرتش أبص في عينيها.
مراتي الجديدة تقدمت خطوة وقالت
أنا جاية أقولك إني غلطت لما وافقت على اللي حصل.
مراتي الأولى ردت بهدوء
إنتِ مش مطالبة تعتذري عن حاجة هو اللي عملها.
قالت
بس أنا استفدت من ظلمك.
سكتت الأولى.
مراتي الجديدة طلعت العقد من شنطتها وحطته على الترابيزة.
أنا مش عايزة الشقة.
مراتي الأولى بصت لها باستغراب.
الشقة مش هترجعلي بكلمتين.
ردت
عارفة.
وبعدين بصتلي
بس هو لازم يرجعها لك قدام الكل.
الكلام نزل عليَّ كأنه حكم.
قربت من مراتي الأولى وقلت
أنا آسف.
قالت
الاعتذار مش هيغسل السلسلة اللي بعتها أمي.
دموعي نزلت لأول مرة.
أنا مستعد أصلح كل حاجة.
قالت
مش عشاني.
وبصت ناحية ولادنا.
عشانهم.
في اليوم التالي، روحت للمحامي بتاعي.
قلت له
عايز أرجع الشقة باسمها، وأعوضها عن كل اللي حصل.
قال
الموضوع ممكن يتصلح، لكن لازم تكون مستعد تتحمل النتائج القانونية.
قلت
أنا مستعد.
وبالفعل بدأت إجراءات التنازل عن الشقة لها من جديد، ودفعت لها قيمة كل المصاريف اللي تحملتها خلال السنين، وكتبت تعهد رسمي إن نصيبها وحقوق أولادي محفوظة.
أما مراتي الجديدة...
فطلبت الطلاق بهدوء.
قالت لي
أنا اتجوزتك عشان أعيش حياة مستقرة، لكن اكتشفت إن الاستقرار اللي بيتبني على ظلم حد عمره ما بيكون استقرار.
وافترقنا من غير مشاكل.
بعد شهور، رجعت مراتي الأولى للشقة.
دخلت الصالة، لقت نفس الحيطان اللي كانت بتدهنها بإيدها، ونفس المطبخ اللي كانت بتطبخ فيه لأولادنا.
لكن المرة دي، البيت كان ملكها رسميًا.
ناولتها علبة صغيرة.
فتحتها...
كانت فيها سلسلة شبيهة جدًا بسلسلة أمها.
قالت باستغراب
دي إيه؟
قلت
مش هتعوض سلسلة أمك، وعارف إنها عمرها ما هترجع... بس دي محاولة مني أقولك إني