تجاهل المكالماتها الخمسة

لمحة نيوز

وأهو أنا كمان بدأت أتعلم منه.
في المساء، بعد ما رجعوا البيت، جلست مريم وحدها.
فتحت الدرج.
أخرجت علبة الخاتم.
فضلت تبص إليها طويلًا.
ثم قامت.
دخلت غرفة سليم.
وجدته نائمًا.
قبلته على جبينه.
ثم رجعت للصالة.
كان آدم يستعد للمغادرة.
أنا همشي.
مريم قالت
آدم.
التفت.
أيوه؟
مدت يدها.
وفي إصبعها
كان الخاتم.
آدم اتجمد.
لبستيه؟
مريم ابتسمت.
أيوه.
اقترب خطوة.
متأكدة؟
لأ.
ضحك بخفة.
لأ؟
متأكدة إني بحبك.
ثم قالت
لكن مش عايزة نرجع للعلاقة القديمة.
وأنا كمان.
عايزة علاقة جديدة.
من الأول؟
من الأول.
آدم مد يده.
مريم أمسكتها.
وفي اللحظة دي
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
ردت.
ألو؟
جاءها صوت رجل مسن
حضرتك مريم الشافعي؟
أيوه.
أنا كنت صديق والدك.
مريم عقدت حاجبيها.
بابا؟
أيوه.
حضرتك تعرفه منين؟
الرجل سكت لحظة، ثم قال
في حاجة والدك طلب مني أسلمها لك بعد وفاته.
مريم شعرت بقلبها يخفق.
حاجة إيه؟
ملف.
ملف؟
أيوه.
موجود فين؟
عندي.
ثم أضاف
ووالدك قال لي ما أسلمهوش غير لما أتأكد إنك بقيتي مستعدة تعرفي الحقيقة.
مريم بصت لآدم.
حقيقة إيه؟
الرجل قال
الحقيقة عن البيت القديم وعن سبب بيع والدك له قبل سنين.
مريم تجمدت.
آدم اقترب منها.
مين؟
غطت مريم سماعة الهاتف بإيدها.
واحد كان يعرف بابا.
ثم عادت للمكالمة.
حضرتك ممكن تقابلني إمتى؟
الرجل رد
بكرة الصبح.
فين؟
في الورشة القديمة بتاعة والدك.
سكت لحظة.
ثم قال
وفي حاجة تانية
إيه؟
أبوكي كان محتفظ برسالة من سنين.
رسالة من مين؟
الرجل قال
من أمك.
مريم فتحت عينيها على آخرهما.
أمها ماتت وهي طفلة.
ولأول مرة منذ عشرين سنة
ظهر شيء من الماضي كانت تظن أنه دُفن إلى الأبد.
نظرت إلى آدم.
وقالت بصوت مرتعش
آدم
أنا معاكي.
أمي كانت سايبة لي رسالة.
وهنا أدرك الاثنان
أن قصة جلال الشافعي لم تنتهِ بوفاته.
بل كانت هناك صفحة أخيرة أخفاها عن ابنته طوال حياتها
وآن أوان فتحها في صباح اليوم التالي، مريم ما نامتش تقريبًا.
فضلت طول الليل تفكر في الجملة الأخيرة
رسالة من أمك.
كانت عندها صور قليلة لوالدتها، وشال قديم، وذكريات متقطعة لطفلة عمرها 11 سنة.
لكن رسالة؟
دي أول مرة تعرف إنها موجودة.
الساعة 9 الصبح، آدم وصل.
مريم كانت مستنياه تحت البيت.
أول ما شافها قال
جاهزة؟
هزت رأسها.
مش عارفة.
ولا أنا.
ابتسمت رغم توترها.
كويس إننا متفقين على حاجة.
ركبوا العربية، واتجهوا إلى الورشة القديمة التي كان يعمل فيها جلال.
المكان كان مقفولًا من سنين.
باب حديد صدئ، وشعار قديم فوقه بالكاد يُقرأ.
عندما دخلوا، شعرت مريم كأنها رجعت طفلة.
رائحة الزيت.
صوت الأدوات القديمة.
المكتب الخشبي.
حتى الكرسي الذي كان أبوها يجلس عليه.
الرجل الذي اتصل بها كان ينتظرهم.
كان اسمه عم صبحي.
أول ما شاف مريم، قال
شبه أمك.
مريم تجمدت.
حضرتك تعرف أمي؟
صبحي أومأ.
كنت أعرفها كويس.
ليه بابا عمره ما حكالي عنك؟
الرجل تنهد.
لأن أبوكي كان بيحاول يحميكي.
أخرج من حقيبته ملفًا بنيًا قديمًا.
ووضعه أمامها.
ده كل اللي سابهولي.
مريم لم تمد يدها.
الرسالة فين؟
صبحي أخرج ظرفًا أبيض.
كان أصفر من الزمن.
وعليه اسمها بخط أنثوي
إلى مريم عندما تكبر.
بدأت أصابعها ترتعش.
دي خط أمي؟
أيوه.
أخذت الظرف.
لكنها لم تفتحه.
سألت
ليه ما وصلنيش من زمان؟
صبحي نظر إليها بحزن.
لأن والدتك كتبته قبل وفاتها بفترة قصيرة.
وبابا؟
احتفظ بيه.
ليه؟
لأنها طلبت منه كده.
مريم عقدت حاجبيها.
طلبت منه يخبيه عني؟
لحد ما تكبري.
ثم أضاف
أبوكي كان شايف إنك محتاجة تعيشي طفولتك من غير ما تتحملي أسرار الكبار.
مريم نزلت دموعها.
هو كان دايمًا بيعمل كده.
آدم وقف بجانبها من غير ما يتدخل.
فتحت الظرف.
وكانت الرسالة قصيرة.
لكن أول سطر فيها جعلها تنهار
مريم حبيبتي لو بتقري كلامي ده، يبقى أكيد أبوكي وفّى بوعده لي.
مريم وضعت يدها على فمها.
وأكملت
أنا مش عارفة إنتي هتكوني عاملة إزاي لما تقري الكلام ده.
يمكن تكوني لسه صغيرة.
ويمكن تكوني بقيتي أم.
لكن مهما كبرتي
افتكري حاجة واحدة
أنا ما سبتكيش بإرادتي.
أنا كنت مريضة، وأبوك حاول بكل قوته يخليني أعيش.
ولو حصل في يوم وسألتي نفسك ليه أبوكي ما اتجوزش بعدي
فالإجابة بسيطة.
لأنه كان شايف إن وجوده جنبك أهم من أي حاجة تانية.
مريم توقفت عن القراءة.
نظرت إلى صبحي.
هو بابا كان ممكن يتجوز؟
صبحي ابتسم.
أكتر من مرة.
وماتجوزش؟
رفض.
ليه؟
كان بيقول أنا عندي بنت محتاجة أبوها.
دموع مريم نزلت بغزارة.
آدم وضع يده على كتفها.
لكنها أكملت.
مريم
لو في يوم حبيتي شخصًا
ما تختاريش اللي يقول لك كلام حلو بس.
اختاري اللي يكون موجود وقت خوفك.
وقت تعبك.
وقت ما الدنيا تضيق بيكي.
وما تطلبيش من حد الكمال.
اطلبي الصدق.
واختاري الشخص اللي لما يغلط
يعترف.
ولما يخاف
ما يهربش.
ولما يحب
ما يأجلش.
مريم توقفت.
رفعت عينيها ببطء نحو آدم.
هو لم يقل شيئًا.
فقط فهم.
آخر سطر كان
وأخيرًا
لو أبوكي لسه موجود جنبك لما تقري الرسالة
قولي له إني كنت محظوظة بيه.
وقولي له إنه كان أحسن أب ممكن تتمناه بنتي.
وأنتِ يا مريم
عيشي.
ما تحولي حياتكش لنصب تذكاري ليا.
أنا عايزاكي تضحكي.
تحبي.
وتسامحي.
بس أهم حاجة
ما تضيعيش عمرك في انتظار اللحظة المناسبة.
لأن أحيانًا
اللحظة المناسبة ما بتيجيش مرتين.
انتهت الرسالة.
مريم ضمتها إلى صدرها.
ثم بكت.
بكاء طويلًا.
ولأول مرة منذ وفاة أبيها، لم يكن بكاؤها كله حزنًا.
كان فيه امتنان.
امتنان لأب عاش عمره كله يحاول يحميها.
وأم تركت لها نصيحة من وراء السنين.
خرجت مريم من الورشة بعد الظهر.
وقفت أمام الباب.
الشارع هادئ.
قال آدم
مريم.
نعم؟
الرسالة كانت بتتكلم عني؟
ابتسمت وسط دموعها.
مش كل حاجة عنك.
ضحك.
كنت بسأل.
سكتت قليلًا.
ثم قالت
أمي قالت لي ما أطلبش الكمال.
كويس.
وقالت أختار اللي لما يغلط يعترف.
آدم هز رأسه.
أنا غلطت.
عارفة.
وقالت لما يحب ما يأجلش.
مريم نظرت إليه.
وإنت لسه عندك حاجة مأجلها؟
آدم ابتسم.
آه.
إيه؟
حاجة مهمة جدًا.
أخرج من جيبه هاتفه.
اتصل بمدير شركته أمامها.
أيوه، أنا آدم.
سكت لحظة.
ثم قال
من النهارده، كل القرارات اللي ممكن تستنى تستنى.
مريم ضحكت.
بتعمل إيه؟
ببدأ أصلح آخر حاجة.
إيه؟
نظر لها.
حياتي.
ثم أغلق الهاتف.
مريم لم تجبه.
لكنها مدت يدها له.
ومشيا معًا.
ولأول مرة
لم يكن آدم يحاول اللحاق بمستقبل بعيد.
كان يعيش اللحظة التي أمامه.
وبجانب مريم
بدأت صفحة جديدة.
لكن في اليوم نفسه، وبينما كانوا عائدين إلى البيت
رن هاتف صبحي.
كان المتصل مجهولًا.
رد.
ألو؟
جاءه صوت رجل
أنت سلمت مريم الملف؟
صبحي تغير وجهه.
أيوه.
والرسالة؟
سلمتها.
صمت الطرف الآخر لحظات.
ثم قال
كان لازم تستنى.
صبحي عبس.
والدها قال لي أسلمها لما تكون مستعدة.
وأنت شايف إنها مستعدة؟
أيوه.
جاء الصوت باردًا
يبقى دلوقتي لازم تعرف الحقيقة التانية.
صبحي وقف.
حقيقة إيه؟
الرجل قال
الحقيقة اللي جلال أخفاها حتى عنك.
ثم أغلق الخط.
صبحي ظل واقفًا للحظات.
وبص ناحية الطريق الذي اختفت فيه سيارة مريم.
وقال لنفسه
سامحني يا جلال
لكن السر ده
أنا مش عارف إذا كان من حقي أفتحه ولا لأ في نفس الليلة، كان صبحي قاعد لوحده في الورشة القديمة.
الملف البني قدامه.
والهاتف في إيده.
فضل يبص للرقم المجهول اللي اتصل بيه.
كان ممكن يقفل الموضوع كله.
يعتبر المكالمة ما حصلتش.
لكن جملة الرجل فضلت ترن في دماغه
الحقيقة اللي جلال أخفاها حتى عنك.
صبحي فتح درج المكتب القديم.
طلع منه مفتاح صغير.
كان جلال هو الوحيد اللي يعرف مكانه.
دخل المفتاح في قفل درج سفلي مخفي داخل المكتب.
فتح الدرج.
وجد دفترًا أسود.
وعلى الغلاف كان مكتوبًا
لو مريم عرفت الحقيقة سلّمه لها.
صبحي غمض عينيه.
يا جلال
فتح الدفتر.
في أول صفحة كان هناك تاريخ قبل وفاة والدة مريم بأشهر.
وتحت التاريخ جملة واحدة
أنا خايف اليوم اللي مريم تعرف فيه كل حاجة.
في صباح اليوم التالي، كانت مريم في المطبخ بتحضر الفطار لسليم.
دخل آدم.
صباح الخير.
صباح النور.
سليم جري عليه.
آدم! أنا حلمت بجدو.
مريم وقفت.
حلمت بإيه؟
كان واقف في الورشة.
سكت سليم لحظة.
وكان بيقول لي حاجة.
آدم ابتسم.
قال لك إيه؟
قال لي خلي بالك من ماما.
مريم شعرت بقشعريرة.
اقتربت من ابنها وقبلت رأسه.
حاضر يا حبيبي.
ثم نظرت إلى آدم.
صبحي اتصل بيا الصبح.
آدم عقد حاجبيه.
قال إيه؟
قال إنه عايز يقابلني.
بخصوص إيه؟
مش عارفة.
في نفس اللحظة، رن هاتفها.
كان صبحي.
ردت.
ألو؟
مريم، لازم أشوفك.
ليه؟
عندي حاجة تخص والدك.
مريم سكتت.
رسالة تانية؟
لأ.
صوته كان مترددًا.
حاجة أكبر.
بعد ساعة، وصلت مريم إلى الورشة.
هذه المرة لم يأتِ آدم معها.
كانت تريد أن تسمع الحقيقة وحدها.
وجدت صبحي واقفًا بجانب المكتب.
اقعدي يا بنتي.
جلست.
وضع الدفتر الأسود أمامها.
ده كان عند أبوكي.
مريم بصت له.
إيه ده؟
مذكراته.
ومين قال لك تديهالي؟
أبوكي.
إمتى؟
صبحي أخذ نفسًا عميقًا.
قبل ما يتوفى بفترة.
مريم فتحت الدفتر.
قرأت أول صفحة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
كلها كانت عن حياتها.
عن طفولتها.
عن مرض أمها.
عن الأيام الأخيرة قبل وفاتها.
لكن فجأة
وصلت لصفحة مكتوب في أعلاها
اليوم اللي مريم اتولدت فيه.
بدأت تقرأ.
اليوم ده كان أسعد يوم في حياتي.
لكن بعد ساعات، الدكتور قال لي إن زوجتي حالتها خطيرة.
كانت مريم بين إيدينا، صغيرة جدًا.
وأمها كانت بتصارع.
فضلت بين الاتنين.
مراتي قالت لي
لو حصل لي حاجة، اوعى تسيب مريم.
وعدتها.
لكن اللي ما قلتهوش لمريم
إن أمها ما ماتتش بسبب المرض وحده.
كان فيه قرار طبي اتاخد وقتها
ولو كنت رفعت قضية، كان ممكن مستشفى كاملة تتحاسب.
لكنني اخترت ألا أفعل.
لأني كنت عارف إن أي قضية هتخلّي مريم تكبر وسط المحاكم والخصومات.
اخترت بنتي.
وابتعدت عن كل شيء.
مريم رفعت رأسها.
يعني أمي
صبحي قال
والدتك كانت مريضة فعلًا.
بس؟
حصل خطأ طبي.
مريم وضعت يدها على فمها.
وبابا عرف؟
أيوه.
وسكت؟
عشانك.
بدأت تقلب الصفحات بسرعة.
ثم وجدت شيئًا آخر.
اسم المستشفى.
اسم الطبيب.
وتاريخ.
لكن الأغرب
كان اسمًا مكتوبًا في آخر الصفحة.
آدم المنشاوي.
مريم تجمدت.
آدم؟
صبحي أومأ.
أيوه.
إيه علاقة آدم بالموضوع؟
دي النقطة اللي ماكنتش عايز أقولها لك.
قول.
صبحي سكت.
أبوكي عرف والد آدم من زمان.
مريم عقدت حاجبيها.
والد آدم؟
أيوه.
إزاي؟
كان فيه مشروع بناء كبير في المنطقة، ووالد آدم كان واحد من المسؤولين عنه.
وإيه علاقة ده بأمي؟
صبحي أخرج ورقة قديمة.
المستشفى اللي حصل فيها الخطأ كانت مملوكة لمجموعة استثمارية مرتبطة بعائلة المنشاوي.
مريم شعرت بصدمة.
يعني آدم كان يعرف؟
لا.
صبحي أسرع في الرد.
آدم ماكانش يعرف أي حاجة.
متأكد؟
أبوكي بنفسه كتب إنه مش عايزك تعرفي قبل ما تتأكدي إن آدم ملوش علاقة بالموضوع.
مريم نظرت إلى الورقة.
ثم إلى الدفتر.
وفي آخر الصفحة كان جلال كاتبًا
أنا لا أريد أن تعاقب مريم ابنًا على شيء لم يفعله أبوه.
مريم أغمضت عينيها.
وفجأة فهمت
ليه جلال كان مترددًا في مقابلة آدم.
ليه كان عايز يعرف شخصيته.
وليه كان عنده أسئلة كثيرة.
لم يكن يريد
تم نسخ الرابط