تجاهل المكالماتها الخمسة
المحتويات
كان موجود في مكان واحد فقط
حياة سليم.
كل يوم جمعة، كان ياخده من المدرسة، يقعد معاه ساعتين، وبعدها يرجعه البيت.
كان سليم في البداية مستغرب.
هو أنت وماما زعلانين؟
آدم ابتسم.
لأ.
أمال ليه مش بتيجي؟
عشان ماما محتاجة شوية وقت.
سليم فكر قليلًا.
هي زعلانة منك؟
آدم سكت.
ثم قال
أنا زعلتها من غير ما أقصد.
سليم عقد حاجبيه.
تعمل إيه عشان تصلح؟
آدم ابتسم بحزن.
بحاول.
طب حاول أكتر.
ضحك آدم لأول مرة من قلبه.
حاضر.
بعد شهرين
جاءت مريم للمستشفى في وردية الليل.
كانت الساعة 215 صباحًا.
وهي بتراجع ملفات المرضى، سمعت صوتًا من غرفة الاستقبال.
لو سمحتي، الطفل ده محتاج دكتور بسرعة.
مريم خرجت من المكتب.
تجمدت.
كان آدم واقف هناك.
وبجانبه سليم.
إيه اللي حصل؟
آدم قال بسرعة
سليم سخن جدًا من ساعتين، ومش عارفين ننزل الحرارة.
مريم نسيت كل شيء.
جريت ناحية ابنها.
حبيبي!
سليم ارتمى في حضنها.
ماما
مريم قاست حرارته، ونادت الطبيب.
وبعد الفحوصات، اتضح إنها عدوى بسيطة، ولا تحتاج إلا علاج ومتابعة.
مريم أخذت نفسًا عميقًا.
آدم كان واقف بعيد.
الحمد لله.
قالها بهدوء.
مريم بصت له.
شكرًا إنك جبته هنا.
ده ابني.
سكتت.
ثم قالت
كان ممكن تتصل بيا.
آدم ابتسم.
اتصلت.
مريم فتحت موبايلها.
وجدت ثلاث مكالمات فائتة منه.
نظرت إليه.
الموبايل كان سايلنت.
عارف.
ليه ما اتصلتش أكتر؟
لأنك مشغولة.
مريم بصت له باستغراب.
يعني إيه؟
يعني ماكنتش عايز أعمل نفس الغلطة.
الكلمة وقعت عليها بقوة.
سكتت.
ثم قالت
آدم
نعم؟
أنا لسه زعلانة.
عارف.
ولسه كل ما أفتكر اللي حصل بحس إني عايزة أصرخ.
عارف.
ولسه مش قادرة أرجع زي الأول.
آدم هز رأسه.
مش مطلوب منك ترجعي زي الأول.
مريم نظرت له طويلًا.
طب إنت مستني إيه؟
آدم ابتسم.
ولا حاجة.
ولا حاجة؟
أكون موجود بس.
ثم أضاف
لو يومًا ما حبيتي تفتحي الباب، هكون موجود بره.
ولو ما فتحتش؟
هفضل أحترم قرارك.
مريم لم ترد.
لكن في طريقها للبيت
فتحت درج صغير في شنطتها.
أخرجت ورقة أبوها.
الورقة التي احتفظت بها منذ يوم وفاته.
وقرأت السطر الأخير مرة أخرى
الفرق الحقيقي إن الشخص الكويس لما يعرف إنه غلط، يصلّح غلطه مش بالكلام، بالفعل.
بعد ستة أشهر
كان سليم واقف على مسرح المدرسة.
حفلة نهاية العام.
الأهالي كلهم قاعدين.
مريم كانت في الصف الأول.
وبجانبها
كان فيه كرسي فاضي.
لم تعرف مين حجزه.
حتى ظهر آدم.
لم يتقدم إليها.
لم يحاول يجلس بجانبها.
دخل بهدوء، وقعد في آخر الصف.
سليم بدأ العرض.
ومريم كانت بتصور.
وفي منتصف العرض، الطفل بص للجمهور.
ولما شاف آدم
ابتسم.
رفع إيده.
آدم ابتسم له.
مريم شاهدت المشهد.
وفجأة شعرت بشيء لم تشعر به منذ وفاة والدها.
الأمان.
ليس لأن آدم أصبح كاملًا.
بل لأنه أخيرًا فهم أن الحب لا يعني أن تقول
أنا بحبك.
الحب أحيانًا يعني
أنا جيت.
بعد انتهاء الحفل، خرج الجميع.
سليم جري ناحية آدم.
شفتني؟
شفتك يا بطل.
ماما قالت إني كنت كويس.
آدم نظر لمريم.
كانت عندها حق.
سليم ابتسم.
ثم جرى مع أصدقائه.
وبقي آدم ومريم وحدهما.
قالت مريم
بابا كان هيحبك.
آدم انخفضت عيناه.
كنت أتمنى أقابله.
وأنا كمان.
سكتت.
ثم مدت له يدها.
كان فيها شيء صغير.
ساعة جلال.
آدم بص لها بدهشة.
ليه بتديهالي؟
مش هديهالك.
ثم ابتسمت لأول مرة أمامه منذ شهور.
هخليك تصلحها.
آدم فهم.
الساعة؟
أيوه.
وإنتِ؟
مريم سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا كمان محتاجة وقت.
آدم ابتسم.
هاستنى.
مريم هزت رأسها.
بس المرة دي
رفعت عينيها له.
مش انتظار فارغ.
أمال؟
نبني حاجة جديدة.
ابتسم آدم.
من الأول؟
من الأول.
ثم مشيا جنب بعض.
لم تعد مريم تنتظر الرجل الذي سيأتي يومًا.
ولم يعد آدم يحاول تعويض يوم واحد بكلام كثير.
لقد فهم أخيرًا أن بعض الخسارات لا يمكن إصلاحها
لكن يمكن أن تجعل الإنسان شخصًا أفضل.
ومن يومها
كلما رن هاتف آدم وهو في وسط أي اجتماع، كان أول شيء يفعله
ينظر إلى الشاشة.
لأن اسم مريم لم يعد بالنسبة له مجرد مكالمة يمكن تأجيلها.
كان تذكيرًا دائمًا بأغلى درس في حياته
المستقبل يمكن بناؤه في أي وقت
لكن اللحظة التي تحتاج فيها إنسانًا تحبه، لو ضاعت، عمرها ما بترجع أكيد، نكمل من لحظة إن مريم وآدم قرروا يبدأوا من جديد، لكن من غير ما يكون الطريق سهل أو سريع.
مرت أسابيع بعد اليوم اللي مريم سلمت فيه ساعة أبوها لآدم.
العلاقة بينهم ما رجعتش زي الأول.
بالعكس
كانت أهدى.
أبطأ.
وأصدق.
آدم بقى يظهر في حياة مريم من غير ما يفرض نفسه.
لو سليم عنده تدريب، كان يوصله.
لو مريم عندها وردية طويلة، كان يبعت لها رسالة واحدة
خلصي شغلك براحتك. سليم معايا.
ولو احتاجت حاجة
كان موجود.
لكن عمره ما قال
أنا عملت كل ده عشانك.
كان فاهم إن اللي حصل مش صفقة.
وإنه مش ممكن يشتري مسامحتها بالأفعال.
في أحد الأيام، كانت مريم راجعة من المستشفى، ولقيت سليم قاعد في الصالة ومعاه آدم.
قدامهم صندوق أدوات.
مريم ابتسمت.
بتعملوا إيه؟
سليم رفع مفك صغير.
بنصلح الساعة.
مريم قربت.
كانت ساعة جلال.
آدم فك الغطاء الخلفي بحذر.
باباكي كان محافظ عليها جدًا.
مريم جلست بجانبه.
دي كانت أهم حاجة عنده.
سليم سأل
هي غالية؟
مريم ابتسمت.
مش عشان تمنها.
أمال ليه؟
بصت للساعة وقالت
عشان كانت مع جدو في كل حاجة.
سليم سكت.
ثم قال
يبقى لازم نصلحها.
آدم بص له.
لازم.
بعد ساعة تقريبًا
بدأت عقارب الساعة تتحرك.
تك.
تك.
تك.
مريم وضعت يدها على فمها.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
آدم لم يقل شيئًا.
فقط مد يده ووضع الساعة في كفها.
اشتغلت.
مريم ضمتها إلى صدرها.
شكرًا.
ثم رفعت عينيها له.
بابا كان هيحب اللحظة دي.
آدم ابتسم.
وأنا كنت أتمنى أشوفه فيها.
بعد أسبوع
حدث شيء لم تتوقعه مريم.
كانت في المستشفى عندما جاءها اتصال من مكتب آدم.
مدام مريم؟
أيوه.
أستاذ آدم حصل له حادث بسيط.
تجمدت.
حادث؟!
عربية، لكنه بخير. مجرد إصابة في ذراعه.
لم تفكر.
تركت كل شيء وخرجت.
وصلت إلى المستشفى التي نُقل إليها آدم.
دخلت الغرفة بسرعة.
وجدته جالسًا على السرير وذراعه في جبيرة.
أول ما شافها
ابتسم.
إنتي جيتي؟
مريم اقتربت منه بعصبية.
إنت كنت هتفضل ساكت؟!
كنت هكلمك.
إمتى؟ بعد ما أسمع من حد تاني؟
آدم سكت.
ثم قال
مريم، أنا بخير.
مش مهم.
إيه اللي مش مهم؟
إنك بخير.
سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض
المهم إني لما سمعت كلمة حادث قلبي وقف.
آدم نظر لها طويلًا.
ولأول مرة، لم يحاول يخفي ابتسامته.
يعني لسه فارق معاكي؟
مريم بصت له بحدة.
ما تستغلش اللحظة.
ضحك.
ثم توقف فجأة عندما شعر بالألم.
مريم قربت منه.
بتوجعك؟
شوية.
الدكتور قال إيه؟
أسبوعين وهبقى كويس.
مريم جلست بجانبه.
وأنا هتابع معاك.
آدم نظر لها.
لازم؟
أيوه.
ليه؟
مريم أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
عشان أنا كمان مش عايزة أعيش طول عمري خايفة من إن حد أحبه يختفي فجأة.
سكت آدم.
وفهم.
هي لم تكن تتحدث عن الحادث فقط.
كانت تتحدث عن أبيها.
عن الخوف.
عن تلك الليلة.
وعن كل شيء لم تستطع تجاوزه.
فقال بهدوء
مش هقدر أوعدك إن الدنيا مش هتوجعنا تاني.
مريم بصت له.
عارف.
لكن أقدر أوعدك بحاجة.
إيه؟
لو في يوم احتجتيني هتلاقيني.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
وأنا كمان.
بعد سنة كاملة
كان البيت مليان ناس.
سليم كان بيجري في الصالة.
والضحك مالي المكان.
مريم كانت واقفة في المطبخ، ولما خرجت
وجدت آدم واقفًا أمام صورة جلال المعلقة على الحائط.
كان ينظر إليها بصمت.
اقتربت منه.
بتبص على إيه؟
قال
بحاول أتخيل لو كنت قابلته.
مريم وقفت بجانبه.
كان هيسألك سؤال واحد.
إيه؟
هتحب مريم إزاي؟
آدم ابتسم.
وإنتي كنتي هتجاوبي بدالي؟
لأ.
أمال؟
كنت هسيبه يشوف بنفسه.
نظر إليها.
ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة.
مريم اتفاجئت.
إيه دي؟
فتحها.
كان بداخلها خاتم بسيط.
لم يمده إليها.
فقط وضع العلبة في يدها.
مش طلب جواز.
مريم رفعت حاجبها.
أمال إيه؟
وعد.
وعد بإيه؟
إن المرة دي، لو اخترتيني، مش هخلي شغلي ياخد مكاني منك.
سكت.
ومش هطلب منك تنسي اللي حصل.
ومش هحاول أشتري ثقتك.
ومش هقول لك إني اتغيرت عشان أسمع منك كلمة سامحتك.
مريم نظرت إلى الخاتم.
وإيه المطلوب مني؟
آدم ابتسم.
ولا حاجة دلوقتي.
ثم أضاف
خدي وقتك.
مريم ضحكت وسط دموعها.
إنت اتعلمت فعلًا.
اتعلمت بالطريقة الصعبة.
نظرت إلى صورة أبيها.
ثم إلى آدم.
وقالت
بابا كان دايمًا بيقول إن الإنسان بيتعرف وقت الشدة.
وأنا فشلت أول مرة.
أيوه.
سكتت.
ثم مدت يدها.
أخذت الخاتم.
لكنها لم تلبسه.
وضعت العلبة في جيبها.
لما أبقى جاهزة هلبسه.
آدم ابتسم.
هستنى.
مريم هزت رأسها.
بس متتأخرش.
نظر لها.
مش هتأخر.
وفي الخلف
كان سليم واقفًا يراقبهما.
ثم قال بصوت عالٍ
يعني إيه؟ هتتجوزوا ولا لأ؟!
انفجر الاثنان بالضحك.
ومريم بصت لآدم.
لأول مرة
لم تشعر أنها تنتظر شيئًا مجهولًا.
كانت ببساطة
تعيش اللحظة.
وكان ذلك بالضبط هو الشيء الذي حاول أبوها أن يعلمها إياه قبل رحيله.
أن الحياة لا تمنحنا فرصة لإعادة اللحظات الضائعة
لكنها أحيانًا تمنحنا فرصة ثانية
لنعيش اللحظات القادمة بشكل أفضل مرت ثلاثة شهور
ومريم كانت لسه محتفظة بالخاتم في العلبة.
آدم ما سألهاش عنه ولا مرة.
وده بالذات كان أكتر شيء خلّاها تفكر فيه.
في يوم، رجعت من الشغل متأخرة، ولقت سليم واقف عند باب البيت ومعاه شنطة صغيرة.
ماما!
نعم يا حبيبي؟
آدم قال لي عنده مفاجأة.
مريم بصت له باستغراب.
مفاجأة إيه؟
سليم ضحك
مش هقول!
بعد دقائق، وصل آدم.
جاهزة؟
رايحين فين؟
مكان لازم تشوفيه.
ركبوا العربية، وسليم قعد ورا.
بعد حوالي ساعة، وصلوا لمنطقة هادئة خارج المدينة.
مريم بصت من الشباك.
إحنا فين؟
آدم ركن العربية قدام مبنى صغير.
نزلوا.
كان المكان عبارة عن مركز مجتمعي لتعليم الأطفال وصيانة المنازل للأسر المحتاجة.
وعلى الباب كانت هناك لوحة
مركز جلال الشافعي للخدمات المجتمعية
مريم وقفت مكانها.
بصت لآدم.
إيه ده؟
قال بهدوء
فاكرة لما أبوكي كان بيصلح التدفئة للناس اللي مش قادرين يدفعوا؟
دموعها بدأت تظهر.
أيوه.
اكتشفت إنه كان بيعمل حاجات أكتر بكتير من اللي كنتي تعرفيها.
فتح لها الباب.
في الداخل كان هناك قسم صغير لتعليم الأطفال، وورشة بها أدوات صيانة.
أنا اشتريت المكان ده من فترة.
مريم هزت رأسها.
ليه؟
عشان اسمه يفضل موجود في حاجة شبهه.
سكت لحظة.
بس المكان مش بتاعي.
مريم بصت له.
أمال؟
باسم المؤسسة.
وإنت؟
أنا بس موّلته.
مريم اقتربت منه.
ليه ما قلتليش؟
ابتسم.
عشان ماكنتش عايز أستخدم أبوكي عشان أكسب رضاكي.
الجملة دي كسرت آخر حاجز داخلها.
مريم بكت.
آدم
نعم؟
أنت اتغيرت.
حاولت.
لأ.
مسحت دموعها.
أنت فعلًا اتغيرت.
سليم جري ناحية الورشة.
ماما! بصي!
كان ماسك مفكًا صغيرًا.
أنا هتعلم زي جدو!
مريم ضحكت وهي بتبكي.
ثم نظرت لصورة جلال المعلقة على الحائط.
كان نفسه يسيب حاجة بعده.
آدم قال
هو ساب.
إيه؟
إنتي.
مريم سكتت.
ثم قالت
وسليم.
آدم ابتسم.
متابعة القراءة