تجاهل المكالماتها الخمسة

لمحة نيوز

تجاهل مكالماتها الخمسة وقال هتكون كويسة... وبعدها المستشفى اتصل بيه بخبر مستحيل يرجّع الزمن
الساعة كانت 903 مساءً يوم الخميس، لما آدم المنشاوي بصّ لموبايله وشاف اسم مريم الشافعي منور على الشاشة.
مريم بتتصل.
مد إيده ناحية الموبايل
وبعدين سحبها.
كان واقف في اجتماع مهم جدًا في الدور ال من مقر شركته في وسط شيكاغو.
قدامه ثمانية من كبار المديرين، وعلى الشاشة صفقة استحواذ قيمتها 92 مليون دولار.
كل دقيقة تأخير كانت ممكن تكلف الشركة ملايين.
الموبايل رن تاني.
آدم ضغط على زرار الجنب، وسكت الرنين.
مش هترد؟
سأله شريكه سامر.
آدم بص للموبايل وقال بهدوء
مريم هتكون كويسة.
ماكانش يعرف إن دي كانت المرة الخامسة اللي بتحاول توصله فيها.
وماكانش يعرف إن مريم كانت واقفة جنب سرير أبوها في مستشفى النور، وبتحاول تخبي عنه إنها بدأت تفقد الأمل.
وماكانش يعرف إن أبوها، جلال الشافعي، كان بيسأل عليه من الصبح.
والأهم
ماكانش يعرف إن الساعات القليلة الجاية هتغير حياته كلها.
في مستشفى النور، كانت مريم قاعدة جنب سرير أبوها.
كانت لابسة بدلة التمريض الكحلي، وشعرها مربوط بسرعة، وملامح التعب واضحة على وشها.
أبوها جلال كان عنده 71 سنة.
راجل بسيط قضى عمره في شغل صيانة أجهزة التدفئة والتكييف.
ماكانش غني.
لكن كان عنده ثروة من نوع تاني
كان عنده مريم.
بعد وفاة والدتها، هو اللي رباها لوحده.
كان حاضر في كل تفاصيل حياتها.
أول يوم مدرسة.
أول يوم جامعة.
أول شغل.
أول مرة رجعت فيها البيت مكسورة بسبب شخص خذلها.
ولما ولدت ابنها سليم، كان جلال أول شخص حمل الطفل بين إيديه.
كان دايمًا يقول لها
طول ما أنا عايش، مش هخلي الدنيا تكسر ضهرك.
لكن دلوقتي
الدنيا كانت بتاخد منه آخر حاجة.
صحته.
من ست شهور، الأطباء قالوا إن مرض الرئة وصل لمرحلة متقدمة جدًا.
ومع مرور الأيام، بدأ جلال يضعف.
وفي الأسبوع الأخير، بقى أغلب الوقت نايم.
لكن في مساء الخميس، فتح عينيه فجأة وقال
ميرو
مريم قربت منه.
نعم يا بابا؟
آدم جه؟
نزلت عينيها للأرض.
لسه.
كلمتيه؟
آه.
وهييجي؟
مريم سكتت.
جلال ابتسم.
مشغول؟
عنده اجتماع مهم.
أهم مني؟
بابا
بهزر يا بنتي.
ضحك ضحكة خفيفة، ثم بدأ يكح.
مريم عدلت له الأكسجين بسرعة.
خلاص، متتكلمش.
بعد ما هدأ، مسك إيدها.
أنا مش زعلان منه.
عارفة.
أنا بس عايز أشوفه.
مريم بصت له.
ليه؟
جلال ابتسم.
عايز أعرف الراجل اللي قلب بنتي اتعلق بيه.
دمعت عيناها.
هو بيحبني يا بابا.
وأنا مصدقك.
ومش بيقصد يتأخر.
وأنا مصدقك برضه.
سكت قليلًا، ثم قال
بس الحب مش كلمة يا ميرو.
مريم لم ترد.
لأنها كانت تعرف.
على مدار سنتين، آدم أحبها بطريقته.
كان يهتم بها.
يساعدها.
يسأل على سليم.
ويحاول يوفر لهم حياة أفضل.
لكن مشكلته كانت واحدة
كان دايمًا فاكر إن عنده وقت.
وقت يزورهم.
وقت يقعد مع جلال.
وقت يتكلم عن الزواج.
وقت يبدأ حياة حقيقية مع مريم.
لكن جلال لم يكن عنده وقت.
918 مساءً.
مريم فتحت هاتفها.
كتبت
بابا عايز يشوفك. أرجوك تعالى.
وبعدها كتبت
مش عشان الجواز عشان خاطري.
أرسلت الرسالة.
ظهرت علامة الاستلام.
لكن لا رد.
وضعت الهاتف بجانبها.
ثم عادت تمسك يد والدها.
هييجي يا بابا.
جلال ابتسم.
ما تستنيش كتير.
ليه؟
عشان ساعات الإنسان بيفتكر إن بكرة مضمون.
بصت له بخوف.
متقولش كده.
حاضر.
سكت لحظة.
ثم قال
لو حصل لي حاجة
مش هيحصل.
اسمعيني.
بابا
خليكي قوية.
مريم بدأت تبكي.
أنا مش عايزة أبقى قوية.
ابتسم جلال.
عارف.
أنا عايزاك أنت.
جلال ضغط على إيدها.
وأنا نفسي أفضل معاكي.
ثم أغمض عينيه.
1002 مساءً.
انتهى الاجتماع تقريبًا.
آدم بص لموبايله.
وجد خمس مكالمات فائتة من مريم.
وشاف الرسائل.
قرأ
بابا عايز يشوفك.
ثم
أرجوك تعالى.
ثم
آدم، رد عليا.
وقف مكانه.
في اللحظة دي، حس بحاجة غريبة.
اتصل بها.
رن الهاتف
لكن لم ترد.
اتصل مرة ثانية.
لا رد.
آدم بدأ يقلق.
اتصل بالمستشفى مباشرة.
مستشفى النور؟
أيوه.
أنا آدم المنشاوي، مريم الشافعي موجودة عندكم؟
الموظفة فتحت البيانات.
أيوه.
آدم تنفس براحة.
هي كويسة؟
الصمت طال.
حضرتك قريبها؟
خطيبها.
الموظفة قالت
لازم تيجي هنا فورًا.
قلبه وقع.
حصل إيه؟
حصل حادث.
لمين؟
الآنسة مريم.
لم يشعر آدم بقدميه.
هي فين؟
الطوارئ.
حالتها إيه؟
الموظفة سكتت.
ألو؟
الدكتور هيشرح لك لما توصل.
قفل آدم المكالمة.
أخذ مفاتيح سيارته.
وساب الشركة لأول مرة من غير ما يهتم بالصفقة.
لكن وهو خارج من المبنى
وصلته رسالة من المستشفى.
قرأها.
وتجمد.
يرجى الحضور فورًا بخصوص حالة السيد جلال الشافعي.
آدم رفع عينيه بصدمة.
جلال؟
أبو مريم.
الرجل الذي كان يريد مقابلته.
الرجل الذي تجاهل طلب مريم لرؤيته.
الرجل الذي ربما كان ينتظره حتى آخر لحظة.
ركب سيارته وانطلق.
في نفس الوقت
كانت مريم في الطوارئ.
العربية انزلقت بسبب الطريق الجليدي.
اصطدمت بحاجز الطريق.
لحسن الحظ، لم تكن الإصابة قاتلة.
لكنها فقدت الوعي للحظات.
ولما فتحت عينيها
أول كلمة قالتها كانت
بابا!
الممرضة حاولت تهديها.
والدك في مستشفى النور.
مريم اتسعت عيناها.
لازم أشوفه.
لازم الدكتور يفحصك الأول.
أنا كويسة!
حاولت تقوم.
أبويا لوحده!
الممرضة مسكت كتفها.
مريم، اهدئي.
بدأت مريم تبكي.
هو كان مستنيني
ثم نظرت للممرضة.
آدم وصل؟
الممرضة لم تعرف ماذا تقول.
وفي اللحظة دي
دخل آدم الطوارئ وهو يلهث.
مريم!
مريم رفعت عينيها.
وأول ما شافته
انفجرت في البكاء.
آدم!
جرى ناحيتها.
أنا هنا.
بابا!
آدم أمسك إيدها.
هنروح له.
مريم هزت رأسها.
هو مستنيك أنت كمان.
آدم سكت.
ثم قال
هروح له.
لكن قبل ما يتحرك
خرج الدكتور من غرفة جلال.
كان وجهه مختلفًا.
مريم بصت له.
وفهمت قبل ما يتكلم.
بابا؟
الدكتور اقترب ببطء.
أنا آسف.
مريم هزت رأسها بعنف.
لا.
عملنا كل اللي نقدر عليه.
لا!
مريم
صرخت
بابااا!
انهارت على الأرض.
وآدم نزل جنبها.
حاول يسندها.
لكنها دفعته بعيدًا وهي بتبكي
أنا وعدته إنك هتيجي.
آدم لم يرد.
لأنه لأول مرة في حياته
لم يجد أي كلام ينفع.
وبص ناحية باب غرفة جلال.
ثم قال بصوت مكسور
أنا آسف.
لكن جلال لم يسمعه.
ولن يسمعه أبدًا.
وفي جيب معطف آدم
كان موبايله لا يزال يعرض آخر رسالة من مريم
أرجوك يا آدم أنا مش بطلب ده عشاني.
ظل يقرأها مرة بعد مرة.
ومن الليلة دي
اتغير آدم المنشاوي.
لأن بعض الأخطاء يمكن إصلاحها.
وبعض الاعتذارات يمكن قبولها.
لكن في أخطاء
أكبر عقوبة ليها إنك تفضل عايش وأنت عارف إنك كنت تقدر تعمل حاجة وما عملتهاش في صباح اليوم التالي
كانت مريم قاعدة في ممر المستشفى، لابسة نفس هدوم الحادث، ووشها شاحب كأنها ما نامتش من سنين.
قدامها كان فيه كوب قهوة بارد.
لكنها ما لمستوش.
آدم كان واقف بعيد عنها.
من ساعة ما الدكتور أعلن وفاة جلال، وهو ما حاولش يقرب منها.
كان حاسس إن وجوده جنبها دلوقتي ممكن يوجعها أكتر.
بعد دقائق، خرجت الممرضة من الغرفة وهي ماسكة ظرفًا أبيض.
الآنسة مريم الشافعي؟
مريم رفعت رأسها.
أيوه.
والدك كان سايب الظرف ده ليكي.
مريم أخدته بإيد بتترعش.
كان مكتوب عليه بخط أبوها
لمريم لو أنا ماقدرتش أقولها لك.
مريم فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
بدأت تقرأ
ميرو
لو وصلتي للورقة دي، يبقى أنا غالبًا ماقدرتش أقول لك الكلام ده بنفسي.
أول حاجة متزعليش مني.
وأوعى تفتكري إني مشيت وأنا خايف عليكي.
أنا مش خايف.
أنا مطمّن.
لأني عارف إنك أقوى بنت شوفتها في حياتي.
وعارف إنك هتربي سليم أحسن ما أنا ربيتك.
أما آدم
فأنا قابلته مرة من بعيد.
شوفتك وإنتي بتتكلمي عنه.
شوفت عينيكي وهي بتلمع لما اسمه بيتقال.
وعشان كده، أنا كنت عايز أقعد معاه.
مش عشان أختبره.
ولا عشان أحذره.
كنت عايز أقول له حاجة واحدة
مريم مش محتاجة راجل غني.
ولا راجل ناجح.
ولا حد يبني لها بيت كبير.
هي محتاجة راجل لما تتصل بيه يحس إن مكالمتها أهم من أي حاجة.
لو آدم فهم الكلام ده، يبقى يستاهلك.
ولو ما فهموش
فما تضيعيش عمرك مستنية إنه يفهم.
وقفت مريم عن القراءة.
دموعها نزلت على الورقة.
وفي آخر السطر كان مكتوب
وأنا عارف إن آدم مش شخص سيئ.
بس الناس الطيبة برضه ممكن تغلط.
والفرق الحقيقي
إن الشخص الكويس لما يعرف إنه غلط، يصلّح غلطه.
مش بالكلام.
بالفعل.
مريم فضلت ساكتة.
ثم رفعت عينيها ناحية آدم.
كان واقف بعيد.
ووشه مليان ندم.
قامت ببطء.
ومشت ناحيته.
آدم قال
مريم
رفعت إيدها.
متتكلمش.
سكت.
أنا مش عايزة أسمع إنك كنت في اجتماع.
آدم نزل عينيه.
ولا عايزة أسمع إنك ماكنتش تعرف.
سكت أكثر.
ولا عايزة منك اعتذار.
رفع عينيه لها.
أمال عايزة إيه؟
مريم بصت له طويلًا.
عايزة أعرف لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل إيه؟
آدم لم يتردد.
كنت هسيب كل حاجة وأجيلك.
حتى الصفقة؟
الصفقة تتعوض.
والشركة؟
الشركة تتبني من جديد.
لكن أبويا؟
آدم لم يستطع الرد.
مريم هزت رأسها.
بالضبط.
وسابته ومشيت.
بعد الجنازة
مرت ثلاثة أيام.
آدم لم يتصل.
ليس لأنه لم يكن يريد.
لكن لأنه قرر لأول مرة يحترم المسافة التي طلبتها مريم بصمت.
في اليوم الرابع، فوجئت مريم بجرس الباب.
فتحت.
وجدت آدم واقفًا.
لم يكن معه ورد.
ولا هدية.
ولا حتى سيارة فاخرة خلفه.
كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
إيه ده؟
حاجة من مكتب أبوكي.
مريم فتحت الصندوق.
وجدت مجموعة مفكات قديمة، ومفتاح إنجليزي، وصورة قديمة لها وهي طفلة.
وتحتهم
ساعة يد.
مريم عرفتها فورًا.
دي ساعة بابا.
آدم هز رأسه.
لقيتها في المستشفى.
مريم أمسكتها.
كان لابسها آخر مرة شوفته فيها.
سكت آدم.
ثم قال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي.
مريم رفعت عينيها.
جاي ليه؟
عشان أقول لك حاجة.
إيه؟
أبوكي كان عنده حق.
سكتت.
أنا كنت فاكر إن توفير المستقبل أهم من إنك تعيشي الحاضر.
أخذ نفسًا.
كنت فاكر إني لما أبني شركة كبيرة، وأوفر لك ول سليم حياة مريحة، يبقى كده أنا بحبكم كويس.
ابتسم بحزن.
بس أبوكي فهم حاجة أنا ما فهمتهاش.
إيه؟
إن البيت مش فلوس.
أمال إيه؟
حضور.
سكتت مريم.
آدم كمل
من النهارده، أنا مش هطلب منك تسامحيني.
كويس.
ومش هضغط عليكي ترجعيلي.
كويس.
ومش هقول لك إن الزمن يرجع.
ثم نظر إلى الساعة في يدها.
لأن الزمن ما بيرجعش.
مريم لأول مرة منذ أيام لم تجد ما تقوله.
آدم استدار ليغادر.
لكن قبل ما يفتح الباب
مريم قالت
آدم.
وقف.
أيوه؟
سليم هيسأل عليّك.
ابتسم.
وأنا هفضل موجود عشانه.
مريم سألته
حتى لو أنا مش رجعت لك؟
رد بهدوء
حتى لو عمري كله عدى وإنتي مش رجعتي.
ثم خرج.
وقفت مريم عند الباب تنظر إليه وهو يمشي.
ولأول مرة
لم ترَ الرجل الذي تجاهل مكالماتها.
رأت الرجل الذي بدأ يفهم متأخرًا جدًا
أن بعض الناس لا يحتاجون منك أن تنقذ مستقبلهم.
هم فقط يحتاجونك
أن تكون موجودًا عندما ينادونك مرّ شهر كامل على وفاة جلال.
مريم رجعت لشغلها في المستشفى، لكن كل حاجة كانت مختلفة.
كانت بتدخل قسم الأطفال وتبتسم للمرضى، وتطمن الأهالي، وتتصرف كأنها بخير.
لكن أول ما ترجع بيتها
كانت تخلع حذاءها، وتقعد على طرف السرير، وتفضل تبص في ساعة أبوها الموجودة جنبها.
أما آدم
فكان فعلًا اختفى من حياتها.
لا اتصالات.
لا رسائل.
لا محاولات ضغط.
لكن

تم نسخ الرابط