بعد ٧سنين من الحرمان حكايات زهرة الربيع
اللحظة نفسها، رن هاتف أمي.
بصت للشاشة، ووشها اتغير.
قلت
مين؟
قالت بصوت مرتجف
رقم قديم من سبع سنين.
ردت.
ما قالتش غير
ألو؟
ثم سكتت.
بعد ثوانٍ، قفلت المكالمة وقالت
بيقول إن عنده آخر جزء من الحقيقة.
سألتها
مين كان بيتكلم؟
أمي بصت لعلا.
وقالت
الممرضة اللي اختفت بعد يوم ولادتكم.
وهنا لأول مرة
فهمنا إن اختفاءها ماكانش صدفة وقفت قدام الورقة وأنا مش قادر أنطق.
قلت للدكتور
العنوان ده عنوان بيتنا فعلًا بس إحنا اشتريناه بعد الولادة بسنتين!
الدكتور بص للورقة مرة تانية وقال
يبقى لازم نعرف مين كان ساكن فيه قبل ما تشتروه.
بصيت لعلا.
وشها كان متجمد.
قالت
أنا أعرف.
إنتِ؟
أيوه قبل ما نشتري البيت، كان ملك أبويا.
اتصدمت.
أبوك؟!
هزت رأسها.
أيوه. هو اللي عرض علينا نشتريه بسعر قليل.
بدأت كل التفاصيل تركب فوق بعضها.
البيت اللي عشنا فيه سبع سنين
كان مملوكًا لوالد علا.
والعنوان موجود في ملف المستشفى قبل ولادة التوأم.
قلت
إحنا لازم نرجع البيت فورًا.
رجعنا، وأول ما دخلنا، بدأت أدور في كل مكان.
علا كانت بتسأل
إنت بتدور على إيه؟
مش عارف بس أكيد فيه حاجة أبوكي سابها.
افتكرنا كلامه عن الطفل الخامس.
وبدأنا نفتش في المخزن.
بعد وقت طويل، لقيت صندوق خشب قديم مخبي ورا دولاب.
عليه قفل صغير.
المفتاح كان معلق في سلسلة قديمة كانت علا محتفظة بيها من والدها.
فتحنا الصندوق.
جواه ملفات وصور وتقارير.
وفي وسطهم ورقة مكتوب عليها
لا تفتح هذا الملف إلا إذا أصبح أحمد ومحمد في السابعة.
علا بدأت ترتعش.
قالت
أحمد ومحمد لسه ما كملوش سبع سنين
بصيت للورقة.
يبقى أبوكي كان محدد وقت معين.
فتحت الملف.
كان فيه خمس صور لأطفال.
الأولى لمريم.
الثانية ليوسف.
الثالثة لأحمد.
الرابعة لمحمد.
أما الخامسة
كانت لطفل رضيع صورته مش واضحة.
وتحتها اسم
سليم.
قلت
مين سليم؟
وفي نفس اللحظة، علا شهقت.
سليم ده اسم أخويا.
بصيت لها
أخوكي؟!
أيوه بس أنا عمري ما شفته.
يعني عندك أخ تاني؟
قالت
بابا قال إنه مات قبل ما أتولد.
أمي قربت من الصورة.
وفجأة قالت
أنا شفت الطفل ده.
كلنا بصينا لها.
فين؟
قالت
يوم ولادة التوأم.
علا قالت
ماما، إنتِ قلتي إنك ما شفتيش غير أحمد ومحمد!
أمي نزلت عينيها.
كنت خايفة أقولك.
قلت
شفتيه فين؟
قالت
في حضّانة الأطفال.
ثم أشارت للصورة
وكان لسه عايش.
ساد الصمت.
علا جلست على الأرض.
يعني بابا كذب عليا؟
أمي ردت
كان فيه سبب.
إيه السبب؟
أمي بدأت تبكي
لأن سليم ماكانش أخوكي الحقيقي.
اتسعت عيون علا.
أمال مين؟
أمي قالت
طفل تم تسجيله باسم أبوكي مؤقتًا بسبب مشكلة في الأوراق.
الدكتور قلب الملف بسرعة.
ثم توقف عند صفحة أخيرة.
لقيته.
قلت
لقيت إيه؟
قال
سليم لم يكن طفلًا مجهولًا والداه معروفان.
ثم قرأ الاسم.
وفجأة سكت.
سألته
مين؟
رفع عيني وقال
الأسرة اللي كانت بتربي يوسف.
اتجمدت المرأة التي كانت معنا.
وقالت
مستحيل
الدكتور أشار للملف
البيانات متطابقة.
المرأة بدأت تبكي.
يعني يوسف
وقبل ما تكمل، رن هاتفها.
ردت.
وبعد ثوانٍ، سقط الهاتف من إيدها.
سألتها
في إيه؟
قالت بصوت مخنوق
اتصلوا من دار الرعاية.
مين؟
قالوا إن يوسف اختفى.
سكتنا جميعًا.
ثم وجدنا على الشاشة رسالة واحدة
لو عايزين يوسف يرجع هاتوا أحمد.
علا شهقت.
وأنا حسيت إن الدم تجمد في عروقي.
لأن الشخص اللي كان بيحرك كل الخيوط
دلوقتي طلب ابني بالاسم لكن المرة دي، ما خفتش.
بصيت لعلا وقلت
محدش هياخد أحمد مننا.
الدكتور اتصل بالشرطة فورًا، وبدأنا نراجع كل الأوراق القديمة. وبعد ساعات من التحقيق، اتضح إن الرسائل كلها كانت جزءًا من محاولة ابتزاز مرتبطة بملفات طبية قديمة.
والصدمة الأكبر إن الشخص اللي كان وراء كل ده
كان موظفًا سابقًا في المستشفى، واستغل أخطاء تسجيل الملفات من سبع سنين عشان يضلل العائلات ويضغط عليهم.
أما والد علا، فكان قد اكتشف الموضوع وحاول يحمي الأطفال، لكنه أخطأ لما أخفى الحقيقة عن الجميع.
وبعد البحث، تم العثور على يوسف سالمًا، واتضح إنه كان مع شخص يعرفه من العائلة، ولم يتعرض لأذى.
أما مريم، فعادت لأختها علا بعد سنوات طويلة من الفراق، وبدأت حياة جديدة وسط العائلة.
لكن أهم مواجهة كانت بيني وبين علا.
قلت لها
أنا سامحتك على خوفك لكن مش هسامحك لو فضلتي تفرقي بين أحمد ومحمد.
بصت لأحمد، وشالته بين إيديها.
وقالت وهي بتبكي
أنا ظلمته من غير ما أقصد كل ما كنت أبعده، كنت فاكرة إني بحميه. لكني فهمت متأخر إن الطفل محتاج حضن أمه أكتر من أي حاجة.
ومن اليوم ده، علا اتغيرت تمامًا.
بقت تشيل أحمد ومحمد سوا، وتضحك معاهم، وترضعهم وتطمن عليهم، ولو واحد فيهم تعب كانت بتجري عليه قبل أي حد.
وبعد فترة، عملنا تحليل شامل لكل أفراد العائلة، واتقفلت كل الملفات القديمة، واتأكدنا إن أحمد ومحمد توأمنا فعلًا، وإن العلامة اللي كانت على كتف أحمد مجرد علامة جلدية نادرة مالهاش أي علاقة بكل الشكوك اللي عشناها.
أما الظرف الأخير اللي تركه والد علا، فكان فيه جملة واحدة
سامحوني كنت فاكر إن إخفاء الحقيقة هيحميكم، لكن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تظهر.
عدت السنين، وكبر الولدان.
وفي يوم عيد ميلادهما السابع، علا وقفت قدام الكعكة، وحطت إيدها على كتف أحمد مكان العلامة القديمة، وباسته قدام أخوه.
وقالت
عارف يا أحمد؟ العلامة دي كانت أكتر حاجة خوفتني في حياتي ودلوقتي بقت أكتر حاجة بتفكرني قد إيه ربنا رزقني بولدين بعد سبع سنين انتظار.
بصيت لهم، وافتكرت الليلة اللي قلت فيها لمراتي
يمكن خير لينا وإحنا مش عارفين.
وفعلًا
بعد سبع سنين من الانتظار، ربنا ما رزقناش بولدين وبس.
رزقنا كمان بالحقيقة، وبأخت رجعت لعيلتها، وبقلب أم اتعلم إن الخوف أحيانًا ممكن يخلينا نبعد عن أغلى ناس عندنا
لكن الحب الحقيقي بيخلينا نرجع لهم مهما طال الطريق.
ومن يومها، ما بقيناش نسأل
ليه ربنا أخّر علينا الولاد سبع سنين؟
لأننا عرفنا إن بعض الأقدار بتتأخر
مش عشان تحرمنا،
لكن عشان تيجي في الوقت اللي نكون فيه مستعدين نفهم حكمتها.