رجعت الاوضة
المحتويات
قدامها.
يبقى مين الراجل ده؟
أمه مسكت الصورة.
إيديها بدأت ترتعش.
وبعد ثواني قالت
ده مش حسام.
أمال مين؟
قبل ما تجاوب، دخلت نور فجأة.
كانت ماسكة شنطتها وبتبص للصورة.
أول ما شافت الرجل، قربت منها.
وقالت
ده مش الراجل اللي شفته النهارده.
عمر سألها بسرعة
شوفتيه فين؟
نور أشارت ناحية الشباك.
كان واقف هناك.
عمر بص ناحية الشباك.
الدور الرابع.
مستحيل حد يكون واقف خارجه.
اقترب من الزجاج، وبص لتحت.
مافيش حد.
لكن على حافة الشباك كان فيه شيء صغير.
شريط قماش رمادي.
نفس لون الجاكت اللي ظهر في الصورة.
عمر أخده.
وفي اللحظة دي، موبايله اهتز برسالة جديدة
أنت بتدور على الراجل الغلط.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها بثوانٍ
اسأل ياسين عن البنت اللي كانت معاه يوم اختفائه.
عمر رفع عينه ناحية نور.
ثم ناحية ابنه.
ولأول مرة، بدأ يشك إن نور مش مجرد طفلة عرفها ياسين في المركز وإن ظهورها في حياته لم يكن صدفة أبدًا عمر فضل باصص لنور ثواني طويلة.
البنت الصغيرة كانت واقفة جنب أمها، ضامة شنطتها لصدرها، وعينيها مليانة خوف.
عمر نزل لمستواها وقال بهدوء
نور يوم ياسين اختفى، كان معاه مين؟
نور بصت لهالة.
هالة هزت راسها بسرعة، كأنها بتحذرها ما تتكلمش.
لكن نور قالت
كانت معاه بنت تانية.
عمر اتنفض.
بنت مين؟
مش عارفة اسمها.
شكلها إيه؟
نور فكرت شوية.
كانت أكبر مني وشعرها طويل وكانت بتخاف من صوت الجرس.
عمر حس بقشعريرة.
جرس إيه؟
نور أشارت للبيت الخشب.
الجرس اللي جوه.
عمر فتح البيت مرة تانية.
فتش داخله بعناية، لحد ما اكتشف تجويف صغير في الأرضية.
ضغط عليه.
طق.
اتفتح جزء مخفي.
جواه كان فيه جرس معدني صغير جدًا.
ومعه ورقة أخرى.
عمر فتحها.
كانت مكتوبة بخط طفل
لما الجرس يرن ماتخليش ماما تاخدني.
عمر رفع رأسه ببطء.
ماما مين؟
أمه بدأت تبكي.
عمر كفاية.
لأ. مش كفاية.
قرب منها.
الورقة دي مين كتبها؟
ما ردتش.
ياسين؟
أومأت برأسها.
إمتى؟
من فترة.
ابني عنده تلات سنين يا ماما!
سكتت.
ثم قالت
ياسين كان بيفهم أكتر مما كنا متخيلين.
فجأة ياسين حرك إيده من فوق السرير.
عمر قرب منه.
كان لسه ضعيف، لكنه فتح عينه وقال
بابا
أنا هنا.
المفتاح التاني
عمر تجمد.
فين؟
ياسين رفع إصبعه ناحية شنطة نور.
نور فتحت الشنطة بسرعة، وطلعت لعبة قديمة على شكل عربية صغيرة.
عمر قلبها في إيده.
في أسفلها كان فيه مفتاح آخر.
لكن المفتاح كان مربوطًا بقطعة ورق مكتوب عليها عنوان.
عنوان مكان قديم في شبرا.
نفس عنوان المكتبة اللي قالت أمه إنها اتهدت من سبع سنين.
عمر بص لأمه.
هنروح هناك.
أمه مسكت إيده بقوة.
لو دخلت المكان ده هتعرف ليه ياسين اتغير من اليوم ده.
عمر سألها
اتغير إزاي؟
أمه بلعت ريقها وقالت
لأنه شاف حاجة إحنا حاولنا سنين نخليه ينساها.
وفي اللحظة دي، وصل لعمر تسجيل صوتي من الرقم المجهول.
ضغط تشغيل.
جاء صوت الرجل
المكتبة لسه موجودة يا عمر بس مش بالشكل اللي فاكره.
ثم صمت لحظات.
ولو وصلت قبل الساعة عشرة هتلاقي أول إجابة.
عمر بص في الساعة.
كانت 937 مساءً.
أمه قالت بخوف
ماتروحش.
عمر أخذ المفتاح.
المرة دي أنا اللي هعرف الحقيقة بنفسي.
وقبل ما يخرج، سمع صوت نور خلفه
استنى.
لف لها.
كانت ماسكة الجرس الصغير.
وقالت
ياسين قالي حاجة لازم أقولها لك قبل ما تمشي.
إيه؟
نور قربت منه وهمست
قال لي بابا مايدخلش المكتبة من الباب الرئيسي.
عمر اتجمد.
لأن السؤال الوحيد اللي كان في دماغه وقتها
لو الباب الرئيسي خطر يبقى ابنه كان عارف منين إن فيه باب تاني؟عمر وقف عند باب الأوضة، وكلمة ياسين بتتكرر في دماغه
ما تدخلش من الباب الرئيسي.
بص لنور.
ياسين قال لك الباب التاني فين؟
نور هزت رأسها.
لأ بس قال لي حاجة تانية.
إيه؟
قربت منه وهمست
قال إن المفتاح مش بيفتح باب المكتبة المفتاح بيفتح الحاجة اللي تحتها.
عمر حس بقشعريرة.
رجع لأمه.
إنتِ كنتِ عارفة إن فيه مكان تحت المكتبة؟
أمه ما ردتش.
وده كان كفاية.
عمر قال بغضب
ماما!
أمه أغمضت عينيها وقالت
كنت عارفة.
وإيه اللي موجود هناك؟
مش عارفة.
كدابة.
بصت له والدموع في عينيها.
والله ما أعرف كل حاجة.
ثم أضافت
بس أعرف إن والدك قبل ما يموت بأيام، سلّمني مفتاح وقال لي لو حصل لي حاجة، ماتخليش عمر يعرف عن المكان ده.
عمر اتصدم.
والده كان مات من سنين، وكان عمر وقتها فاكر إن وفاته كانت بسبب أزمة قلبية مفاجئة.
وليه بابا كان مخبي عني؟
أمه ردت بصوت مكسور
لأنه كان خايف عليك.
عمر سكت لحظة.
ثم قال
من مين؟
ما ردتش.
في اللحظة دي، جهاز ياسين أصدر صوتًا مفاجئًا.
الممرضة دخلت بسرعة.
أستاذ عمر، الدكتور محتاجك.
عمر جري ناحية السرير.
الدكتور كان واقف جنب ياسين وبيفحصه.
حالته مستقرة حاليًا، لكن حصل شيء غريب.
إيه؟
الدكتور أشار للشاشة.
العلامات الحيوية اتحسنت مرة تانية.
عمر بص لابنه.
ياسين فتح عينه بصعوبة.
بابا
أنا هنا يا حبيبي.
روح المكتبة
هروح.
ياسين مسك صباعه الصغير في إيد أبوه.
بس خد نور.
عمر بص لنور باستغراب.
ليه؟
ياسين همس
هي الوحيدة اللي تعرف الطريق.
نور قربت من السرير.
وأنا هاجي معاك.
عمر رفض فورًا
لأ، مستحيل. إنتِ طفلة.
نور بصت له بثبات غريب.
لو رحت لوحدك مش هتلاقي الباب.
أمها حاولت تمنعها
نور، كفاية.
لكن نور قالت
ماما إحنا اتفقنا.
عمر سمع الجملة.
اتفقتوا على إيه؟
هالة سكتت.
عمر قرب منها.
اتفقتوا على إيه يا هالة؟
هالة بدأت تبكي.
أنا كنت بحاول أحميها.
من مين؟
وقبل ما تجاوب، انطفأت أنوار الممر بالكامل.
ثواني من الظلام.
ثم اشتغل ضوء الطوارئ الأحمر.
وفي آخر الممر، ظهر رجل واقف لوحده.
جاكت رمادي.
ووجهه غير واضح.
عمر جرى ناحيته.
لكن الرجل استدار واختفى عند السلم.
وعلى الأرض ترك شيئًا واحدًا.
صورة قديمة.
عمر التقطها.
نظر إليها
وتجمد.
الصورة كانت لياسين وهو رضيع.
وبجانبه أمه.
لكن الشخص الثالث في الصورة
كان والده المتوفى.
وفي خلفية الصورة، ظهر باب حديدي عليه نفس الرمز المحفور على المفتاح.
وعلى ظهر الصورة كانت جملة واحدة
الحقيقة بدأت يوم اتولد ياسين عمر فضل واقف في نص الممر، والصورة في إيده.
جملة واحدة كانت بتدور في دماغه
الحقيقة بدأت يوم اتولد ياسين.
بص لأمه، اللي كانت واقفة عند باب أوضة 418 ووشها شاحب.
رفع الصورة قدامها.
إنتِ كنتِ مع بابا يوم اتولَد ياسين؟
أمه ما ردتش.
ماما أنا بسألك!
قالت بصوت ضعيف
أيوه.
والصورة دي اتاخدت فين؟
سكتت.
عمر قرب منها.
فين؟
قالت
في المكان اللي رايحين له.
سكت عمر لحظة.
المكتبة؟
هزت رأسها.
المكتبة ما كانتش مكتبة أصلًا.
عمر حس إن كل حاجة حواليه اتجمدت.
أمال كانت إيه؟
أمه بصت لنور، وبعدها قالت
مكان والدك كان بيخبي فيه حاجات مهمة جدًا.
عمر أخد نفسًا عميقًا.
حاجات تخص ياسين؟
أمه لم تجب.
وفجأة نور قالت
مش كلها.
عمر التفت لها.
يعني إيه؟
نور فتحت شنطتها وأخرجت ورقة صغيرة.
دي الحاجة اللي ياسين طلب مني أديها لك لو شفت الصورة دي.
عمر أخذها بسرعة.
كان عليها رسم طفل صغير، وبجانبه ثلاثة أبواب.
باب عليه علامة حمراء.
باب عليه علامة زرقاء.
وباب ثالث عليه علامة سوداء.
وتحت الرسم مكتوب بخط متقطع
الباب الأزرق آمن لكن ماتفتحش الباب الأسود.
عمر سأل
ياسين رسم ده؟
نور هزت رأسها.
أيوه.
وإنتِ عارفة الباب الأزرق فين؟
أيوه.
فين؟
نور أشارت إلى أسفل الدرج.
تحت المكتبة.
في اللحظة دي، موبايل عمر رن.
نفس الرقم المجهول.
رد هذه المرة من غير ما يتكلم.
جاء الصوت
لو وصلت للمكتبة ماتصدقش أمك.
عمر شد على الهاتف.
إنت عايز مني إيه؟
عايزك تعرف الحقيقة.
قولها لي دلوقتي.
ضحكة قصيرة خرجت من الطرف الآخر.
الحقيقة مش بتتقال يا عمر الحقيقة بتتشاف.
ثم انقطع الاتصال.
عمر بص لأمه.
هنروح دلوقتي.
أمه قالت بسرعة
لا.
ليه؟
لأن لو الشخص ده هو اللي أنا خايفة منه فهو عارف إنك جاي.
عمر رد
يبقى خلّيه مستنيني.
خرجوا من المستشفى بعد ما اطمأنوا إن حالة ياسين مستقرة مؤقتًا، وتركوا معه ممرضة موثوقًا بها.
بعد حوالي نصف ساعة، وصل عمر ونور وأم عمر إلى الشارع القديم.
المكان كان شبه مهجور.
المكتبة فعلًا بدت من الخارج كأنها مبنى قديم مغلق من سنين.
لكن نور مشت بثقة ناحية الجدار الجانبي.
وقفت عند بلاطة مكسورة.
وقالت
هنا.
عمر أزاح البلاطة.
ظهر تحتها غطاء حديدي صغير.
أخرج المفتاح.
أدخله.
طَق.
الغطاء انفتح.
وفي اللحظة التي نظر فيها عمر إلى السلم المظلم أسفل الأرض، سمع صوتًا من الداخل
اتأخرت يا عمر.
رفع رأسه.
صوت الرجل المجهول.
ثم اشتعل مصباح واحد في نهاية السلم.
ظهر شخص واقف في الظلام.
لكن عمر لم يستطع رؤية وجهه.
قال الرجل
انزل وهتعرف ليه أمك خبت عنك الحقيقة سبع سنين.
عمر وضع قدمه على أول درجة.
وفجأة أمسكته أمه من ذراعه وقالت
قبل ما تنزل لازم تعرف حاجة.
عمر التفت إليها.
قالت وهي تبكي
ياسين مش أول طفل دخل المكان ده عمر حس إن الجملة دي شلت الكلام من على لسانه.
يعني إيه مش أول طفل؟
أمه كانت بتبص للسلم، مش له.
المكان ده كان بيتاخد له أطفال كتير زمان.
عمر اتوتر.
مين كان بياخدهم؟ وليه؟
ماعرفش كل التفاصيل والدك كان هو اللي بيحقق في الموضوع.
وبابا لقى إيه؟
أمه سكتت، وبعدها قالت
لقى سجلات.
عمر نزل أول درجة.
سجلات إيه؟
أسماء أطفال وتواريخ وملاحظات مكتوبة جنب كل اسم.
نور شدّت في إيده.
أنا شفت الدفاتر دي.
عمر بص لها.
إمتى؟
من يوم ما ياسين وداني هنا.
أمه شهقت
إنتِ دخلتي هنا قبل كده؟!
نور هزت رأسها.
أيوه.
ثم أشارت للداخل.
وياسين كان معايا.
عمر اتصدم.
ياسين دخل هنا؟
أيوه.
وهو عنده كام سنة؟
نور فكرت.
كان صغير جدًا.
عمر بدأ ينزل بسرعة.
المكان تحت الأرض كان عبارة عن ممر طويل، وعلى الجانبين أبواب حديدية قديمة.
فجأة سمعوا صوتًا معدنيًا.
تك تك تك
نور وقفت.
الصوت ده.
عمر سأل
إيه؟
الجرس.
وفعلًا، في نهاية الممر كان فيه جرس صغير معلق فوق باب أزرق.
عمر قرب منه.
على الباب كان نفس الرمز الموجود على المفتاح.
أدخل المفتاح.
لكن قبل ما يلفه، سمع صوت أمه
عمر استنى.
لف لها.
كانت ماسكة ورقة قديمة.
والدك كتب دي قبل ما يموت.
أخذها منها.
قرأ
لو عمر وصل للمكان ده، يبقى السر خرج من إيدي. ماتقولوش إن ياسين هو السبب لأن الطفل مش فاهم الحقيقة.
عمر رفع عينه.
إيه معنى ياسين هو السبب؟
أمه بدأت تبكي.
مش عارفة.
نور فجأة قالت
أنا عارفة.
عمر بص لها.
عارفة إيه؟
قالت بهدوء
ياسين ماكانش هو اللي اختار المكان.
أمال مين؟
نور أشارت إلى الباب الأزرق.
الست اللي كانت بتجيبنا هنا.
عمر اتجمد.
ست مين؟
نور قربت من الباب وقالت
كانت دايمًا بتقول إن جدتك هي اللي بعتها.
عمر التفت لأمه.
أمه تراجعت خطوة.
نور ماتكمليش.
لكن نور كملت
وكانت بتقول لنا إن في يوم واحد بس لازم نفتكر فيه كل حاجة.
عمر سأل
أنهي يوم؟
نور بصت للساعة.
النهارده.
في اللحظة نفسها، انفتح الباب الأزرق من الداخل.
وظهر الرجل صاحب الجاكت الرمادي.
هذه المرة كان وجهه واضحًا.
عمر أول ما شافه، اتراجع خطوة.
لأنه كان يعرفه.
كان آخر شخص يتوقع أن يجده هناك.
كان الدكتور المسؤول عن علاج ياسين في المستشفى عمر فضل واقف قدام جهاز التسجيل، مش قادر يستوعب إن صوت ياسين اللي بيسمعه متسجل من سنين.
قرب من الجهاز وضغط عليه.
ياسين إنت كنت بتقول إيه؟
التسجيل كمل.
صوت ياسين كان متقطعًا، كأنه طفل صغير بيحاول
متابعة القراءة