يوم ما اتشخصت بالسرطان

لمحة نيوز

فاكر إن كل مساعدة معناها إنك بتستغلني.
أبوها سكت.
إحنا عيلة يا بابا. لو هنساعد بعض، نساعد بعض من غير ما حد يحس إنه مكسور.
أحمد دخل في الكلام
وأنا هبيع العربية التانية وأسدد جزء من الديون.
أمها قالت
وأنا عندي دهب قديم ممكن نتصرف في جزء منه.
أبوها بص لهم جميعًا.
ولأول مرة، مكنش هو اللي بيقرر لوحده.
كان فيه أسرة فعلًا.
بعد أسبوع، اتلغى قرار بيع البيت.
مش لأن حد دفع كل حاجة مكان التاني.
لكن لأنهم اتشاركوا المسؤولية.
ومريم اكتشفت وقتها إن ده كان أهم انتصار ليها.
مش إنها ردت لأبوها نفس الألم.
لكن إنها قدرت تغيّر طريقة تعامل الأسرة كلها.
بعد فترة، أبوها طلب منها تقعد جنبه.
قال
عندي حاجة عايز أديهالك.
طلع ظرف صغير.
فتحته، وكان فيه ورقة.
مريم بصت له باستغراب.
إيه دي؟
قال
وصية.
وصية؟
هز راسه.
كتبت فيها إن أي حاجة أسيبها بعد عمري تتقسم بينك وبين أحمد بالعدل.
مريم اتضايقت.
بابا، إحنا مش عايزين فلوس.
ابتسم.
عارف.
ثم قال
عشان كده كتبت حاجة أهم.
قلب الورقة.
كان مكتوب فيها بخط إيده
مريم بنتي، لو أنا قصرت في حقك في يوم، متخليش تقصيري يخليكي تشكي في قيمتك.
مريم سكتت تمامًا.
الدموع نزلت من عينيها.
قالت
إنت عارف إن الجملة دي كان نفسي أسمعها من زمان؟
قال
عارف.
ومتأخر جدًا.
عارف.
ابتسمت وسط دموعها.
بس أحسن ما تيجيش خالص.
ضمّ أبوها إيدها بين إيديه وقال
أنا مش هقدر أرجع السنين اللي فاتت.
ولا أنا عايزة أرجعها.
أمال عايزة إيه؟
بصت له.
عايزة اللي جاي يبقى أحسن.
هز راسه.
وعد.
وبعد شهور، حصلت مفاجأة تانية.
مريم قررت تفتح مكتب تصميم صغير باسمها.
أول شخص دخل المكتب يوم الافتتاح كان أبوها.
كان ماسك باقة ورد بسيطة.
قال لها
المرة دي أنا اللي جاي أحضر مناسبة تخصك.
ضحكت.
ومتأخر كالعادة.
ضحك.
بس جيت.
بصت حواليها.
المكتب كان صغير، لكنه كان حلمها.
الحلم اللي بدأ وهي بنت صغيرة، وكملته وهي بتشتغل وتدرس وتقاوم وتتعالج.
رفعت رأسها وقالت لنفسها
أنا خسرت حاجات كتير في الطريق... لكن عمري ما خسرت نفسي.
وفي نهاية اليوم، وقفت قدام باب المكتب، وأبوها جنبها.
قال
فخورة بيكي؟
ابتسمت.
جدًا.
قال
وأنا كمان.
ولأول مرة، مريم ما احتاجتش تثبت لأي حد إنها قوية.
لأنها أخيرًا فهمت إن النجاة مش بس إنك تعدّي المحنة...
النجاة الحقيقية إنك تخرج منها من غير ما تتحول للشخص اللي أذاك.
ومن يومها، كل ما كانت تفتكر الأربع كلمات اللي وجعتها زمان
مش هقدر على الشغلانة دي.
كانت تبتسم.
لأنها عرفت أخيرًا إن أبوها كان غلطان.
هي فعلًا كانت قادرة.
بس مش على حمل الدنيا كلها وحدها...
كانت قادرة تختار نفسها، وتحط حدودها، وتعيش حياتها من غير ما تستنى اعتراف من أي حد بعد افتتاح المكتب بشهور، كانت حياة مريم بدأت تستقر.
الشغل كبر، وسمعتها بقت أحسن، وأبوها بقى جزء ثابت من حياتها، لكن من غير ما يتدخل في قراراتها.
وفي يوم، وهي قاعدة مع أمها في المطبخ، لاحظت إن أمها ساكتة بشكل غريب.
قالت لها
مالك يا ماما؟
زينب بصت لها وقالت
في حاجة عمري ما حكيتها لك.
مريم سابت الكوباية من إيدها.
إيه؟
أمها اتنهدت.
يوم ما عرفنا إنك مريضة... أبوكي مكانش أول واحد عرف.
مريم عقدت حواجبها.
يعني إيه؟
قالت أمها
أنا كنت عارفة قبله.
سكتت مريم.
كملت أمها
وإنتِ لما كلمتيني من المستشفى، أنا كنت مرعوبة. بس أبوكي وقتها كان داخل في مشاكل كبيرة في الشغل، وفرح أحمد كان قرب، وأنا... خفت.
خفتِ من إيه؟
خفت البيت ينهار. خفت أحمد يسيب تجهيزات الفرح. خفت أبوكي يدخل في حالة نفسية وحياتنا كلها تتقلب.
مريم بصت لها بألم.
فاخترتي تسكتي؟
دموع أمها نزلت.
أيوه.
واخترتي الفرح عليا؟
زينب هزت راسها.
غلطت.
مريم فضلت ساكتة.
قالت أمها
أنا مش جاية أبرر. أنا جاية أقول لك الحقيقة حتى لو هتكرهيني بعدها.
مريم قامت من مكانها.
أنا مش بكرهك يا ماما.
أمها رفعت عينيها.
بس مش هقدر أنسى.
عارفة.
ولا هقدر أرجع بنتك اللي كانت بتحكيلك كل حاجة.
دموع أمها زادت.
عارفة.
مريم قربت منها وقالت
بس ممكن نحاول نبني علاقة جديدة.
أمها مسكت إيدها.
أنا موافقة.
وفي اليوم التالي، مريم راحت لأبوها.
قالت له
بابا، كنت عارف من الأول إن حالتي خطيرة؟
أبوها سكت.
عرفت من سكوته الإجابة.
ليه قلت لي إنك مش فاضي؟
أبوها بص للأرض.
لأني كنت جبان.
مريم اتصدمت من الكلمة.
كمل
كنت خايف. مش من مرضك بس... كنت خايف أشوفك ضعيفة، وخفت أعرف إني ممكن أخسرك.
فبعدت؟
أيوه.
سكت قليلًا.
وكنت غلطان. كنت فاكر إن تجاهل المشكلة هيخليني أقوى. لكن أنا كنت بهرب.
مريم دموعها نزلت.
أنا كنت محتاجة أبويا يا بابا.
قال بصوت مكسور
وأنا كنت محتاج أبقى أبوكي وقتها.
قعدوا ساكتين فترة طويلة.
وبعدين مريم قالت
خلاص.
بصلها.
خلاص إيه؟
اللي فات فات.
سامحتيني؟
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بحاول.
هز رأسه.
وده كفاية.
بعد أسابيع، حصلت مناسبة كبيرة في مكتب مريم.
كانت الشركة بتحتفل بنجاح مشروع مهم جدًا، ومريم كانت صاحبة الفكرة والتنفيذ.
الناس كلها كانت بتتكلم عنها.
وفجأة دخل أبوها.
مريم اتفاجئت.
قال
سمعت إن بنتي عاملة حاجة كبيرة.
ضحكت.
مين قالك؟
أمك.
بصت له.
كانت أمها واقفة بعيد وبتبتسم.
أبوها طلع ظرف صغير.
ده ليكي.
فتحت الظرف.
كانت شهادة قديمة جدًا.
شهادة من أيام الجامعة.
قال
لقيتها في أوراقي. يومها كنتِ بتقولي إنك هتشتغلي في التصميم وتفتحي مكتب.
ابتسم.
وأنا قلت لك أحلام كبيرة.
مريم ضحكت.
وطلعت فعلًا أحلام كبيرة.
قال
بس طلع عندي بنت أكبر منها.
مريم بصت له والدموع في عينيها.
المرة دي، وسط كل الناس، أبوها قال بصوت واضح
دي بنتي مريم... وأنا فخور بيها.
الكلمة اللي استنتها سنين، سمعتها أخيرًا.
لكن الغريب إنها المرة دي ما كانتش محتاجاها عشان تصدق نفسها.
كانت محتاجاها بس عشان تقفل صفحة قديمة.
وفي طريق رجوعها، فتحت مريم موبايلها.
كانت لسه محتفظة بالرسالة القديمة.
شدي حيلك يا حبيبتي...
فضلت باصة لها ثواني.
وبعدين مسحتها.
مش لأنها نسيت.
لكن لأنها أخيرًا مبقتش محتاجة تحتفظ بالدليل على وجعها.
هي عارفة اللي حصل.
وأهلها عرفوا.
والأهم...
إن مريم نفسها عرفت قيمتها.
ومن اليوم ده، قررت إن حياتها مش هتبقى قصة عن البنت اللي أهلها اتأخروا عليها.
هتبقى قصة عن بنت وقعت، وخافت، وتعبت، لكن قامت.
ووقفت على رجليها.
وفتحت باب جديد.
من غير كراهية.
ومن غير انتقام.
ومن غير ما تسمح لأي حد تاني يقلل من قيمتها بعد فترة، بدأت مريم تلاحظ إن أبوها بقى أهدى بكتير.
بقى يسمع أكتر ما يتكلم، ويسأل قبل ما يحكم، ولو غلط يعتذر بدل ما يصر على رأيه.
لكن كان لسه عنده خوف واحد...
إن مريم في يوم تفتكر كل اللي حصل وترجع تبعد عنه.
وفي ليلة، وهي عند أهلها، أبوها قال لها
مريم، عندي طلب.
ابتسمت
قول.
لو أنا غلطت تاني، متسكتيش.
استغربت.
يعني؟
قولي لي إني غلطت. متخافيش تزعليني.
مريم بصت له وقالت
حاضر.
ابتسم.
أصل أنا اكتشفت إن سكوتك زمان كان أكبر خسارة ليا.
الكلام لمس قلبها.
لكن قبل ما ترد، جرس الباب رن.
كان أحمد.
دخل وهو ماسك ملف.
بابا، لازم نتكلم.
أبوها سأله
في إيه؟
حط الملف قدامه.
البنك وافق على تسوية الديون، بس محتاجين مبلغ كبير خلال شهر.
مريم قالت
قد إيه؟
أحمد ذكر الرقم.
سكتت.
كان مبلغًا ضخمًا.
أبوها قال فورًا
هنبيع الشقة القديمة.
مريم اعترضت
لا.
أبوها بص لها.
دي شقتي.
عارفة، بس مش منطقي تبيعها عشان تسدد كل حاجة مرة واحدة.
أحمد قال
عندك حل؟
مريم سكتت.
ثم قالت
عندي.
فتحت اللابتوب.
أنا هعمل مشروع كبير مع شركة أجنبية، ولو اتقبل، هيجيب دخل كويس.
أبوها هز رأسه
مش عايز أحملك فوق طاقتك.
ابتسمت.
المرة دي أنا اللي بقول لك متقلقش.
لكن المشروع لم يكن سهلًا.
كان أمام مريم شهر واحد فقط لتجهيز كل شيء.
اشتغلت ليل نهار.
وفي منتصف الفترة، حصل شيء أربكها.
الشركة طلبت منها عرضًا أمام مجلس الإدارة.
وكان لازم تسافر يومين.
مريم ترددت.
أبوها قال
سافري.
وإنت؟
أنا كويس.
متأكد؟
متأكد.
ثم ابتسم
مش كل مرة لازم تبقي إنتِ اللي بتقفلي كل حاجة وتفضلي هنا.
سافرت.
قدمت العرض.
ورجعت بعد يومين.
أول ما دخلت البيت، لقت أبوها مستنيها.
قال
نجح؟
ابتسمت.
وافقوا.
أحمد صرخ من الفرحة.
وأمها بدأت تبكي.
لكن مريم لم تكن فرحانة بالفلوس.
كانت فرحانة بحاجة تانية.
إنهم كلهم بقوا بيواجهوا المشاكل مع بعض.
مش شخص واحد يشيل والتانيين يتفرجوا.
بعد كام يوم، أبوها قال لهم
أنا عايز أقول حاجة.
كلهم سكتوا.
زمان كنت فاكر إن الأب لازم يفضل قوي طول الوقت.
بص لمريم.
واكتشفت إن الاعتراف بالضعف مش عيب.
ثم نظر لأحمد.
وإن الابن مش بياخد بس... لازم يدي.
وبص لزينب.
وإن الأم مش لازم تسكت عشان البيت يفضل هادي.
زينب ابتسمت.
أما مريم فقالت
وإحنا اتعلمنا إن العيلة مش كلام.
أبوها سألها
أمال إيه؟
قالت
موقف.
سكت لحظة.
ثم ابتسم.
عندك حق.
ومن بعدها، بقت العيلة كلها تتجمع كل أسبوع.
مش عشان مشكلة.
ولا عشان طلب.
بس عشان يقعدوا سوا.
وفي مرة، أبوها قال لها
فاكرة أول مرة قلت لك إنك هتقومي منها؟
مريم ضحكت
فاكرة.
كنت واثق إنك هتعدي.
بصت له.
لأ يا
تم نسخ الرابط